← المقالات
الجبهة الجنوبية لروسيا بقلم المستشرق الروسي المعروف غيورغي ميرسكي
مقالات سياسية
· 03.12.2015
نشرت في موقع راديو “ايخو موسكفي” (Echo Moskvi)
4 أكتوبر 2015
ترجمة د. محمود الحمزة
نص المقالة:
يقول ميرسكي أنه قرأ منذ أسبوع في الصحافة الغربية: كم هو سريع دخول روسيا في قلب الاحداث الدولية من جديد ويسمون ذلك نجاحا تكتيكيا لبوتين.
الفايننشال تايمز كتبت” فلاديمير بوتين بالفعل يستطيع الإمساك بكل المسرحية لقد أصبح في مركز الاهتمام العالمي … خطوة تكتيكية ممتازة تؤكد قوة وعظمة روسيا”
الواشنطن بوست كتبت: ” بوتين انتصر على أوباما مرة أخرى”
الايكونوميست كتبت” لو كان لدى أوباما العناد البوتيني…”
داي ويلت كتبت: ” حصر بوتين الولايات المتحدة في المصيدة”
هذه أقوال أهم الصحف في العالم.
وهذه بعض التعليقات:
فريد زكريا وهو رقم واحد الآن في أمريكا: “بوتين يدعم حليفه ويحارب أعداءه. واشنطن والغرب بالمقارنة معه في ارتباك كبير. أمريكا تعتبر حليفة الحكومة العراقية في معركتها ضد المقاتلين السنة وفي نفس فهي تقاتل في سوريا الى جانب المقاتلين السنة الذين يقاتلون بشار الأسد. حتى الان يجمع الغرب في سوريا بين خطاب قوي صارم وعمليات ضعيفة غير فعالة.
جون ماكلافلين نائب مدير المخابرات المركزية الامريكية السابق: ” كل ما نفعله الآن متعلق بوجود الروس وتأثيرهم”.
السناتور ماكين غني عن التعريف فهو يردد ليلا نهارا بأن أوباما فقد الزعامة. وهذا ما يكتبه ويقوله الجميع. فقد فاجأ بوتين الجميع وتركهم مفتوحي الأفواه حسب القاعدة التي تقول” العامل الذي يغير كل قواعد اللعبة”.
“روسيا عادت إلى الشرق الأوسط. بوتين يتحكم بالوضع” وكأنهم اتفقوا جميعا ويكررون هذه العبارة في البي بي سي والـ سي ان ان.
وهل يمكنهم القول: ماذا فعل بوتين في حقيقة الأمر وماذا حقق اذا ما تركنا الغارات الجوية جانباً والتي لا نعرف حتى الان ماذا ستكون نتيجتها؟.
وفيما يكمن النجاح التكتيكي لبوتين؟ وماذا تغير فعلياً وأين هي تلك الحقائق التي تؤكد التغييرات؟
وسأجيب: كان هناك قول مأثور في روما القديمة: “الذي يحرك الناس ويحفزهم ليس العمل بل التصور عنه”
وهنا التصورات مهمة جداً عن الواقع. ليس الأشياء نفسها وإنما التصورات عنها هي من يحرك الناس.
ففي وقت الحرب كل عسكري من أي طرف كان مقتنع بأن المذنب هو العدو ولكن لا احد منهم يعرف الحقيقة. أتذكر كيف في نهاية الاربعينيات كيف كان الجميع مقتنعين بأن السلطة في أمريكا كانت فاشية ورئيس أمريكا شبيه بهتلر قادر على بدء القصف في أي لحظة. الوعي الاجتماعي والراي العام يتبلور ليس فقط تحت تأثير الدعاية الموجهة من السلطة. وغالبا ما يعود ذلك إلى جذور تاريخية ونفسية عميقة.
فالسكان الروس بشكل عام يصدقون كل الدعايات والمقولات الغريبة المعادية للغرب ليس فقط بفضل الدعاية الكاذبة لوسائل الإعلام والتلفزيون بشكل خاص فالدعاة الاعلاميون يعرفون ويشعرون بنبض الشعب ويعرفون ماذا يريد الشعب أن يسمع وبالضبط يقدمون له هذا الشيء. ويتجذر التصور المشوه والكاذب عن العالم.
فاذا ضج العالم واصبح المسؤول الحكومي في مركز الاهتمام وهيمن على عقول الجميع وازاح جانبا كل المشاكل الأخرى. فهذا يعني أن النصر مدويا وأكيدا. روسيا التي اصبحوا في الغرب يفكرون عنها بأنها منبوذة ومحاصرة بعد احداث القرم والدونباس فجأة قفزت الى أعلى كالجن وأين؟ في منطقة تعتبر الأكثر سخونة في العالم.
فخرج بوتين من وراء الكواليس إلى الساحة الدولية في جو تجمد فيه اللاعبون الآخرون: هذا هو الوحش وعدو الإنسانية أمام الجميع. والكل موافق ولا احد يستطيع فعل شيء. ولكن روسيا تستطيع ان تفعل. فنحن نعمل من اجل قضية وندعوكم جميعا للانضمام إلينا. لننبذ الاختلافات في الرأي فاذا اتحدنا بتحالف دولي نستطيع ان ندحر العدو ونحاصره نقتله.
وهذا الاقتراح الروسي لا يمكن رفضه فوسائل الاعلام روجت له كثيرا قبل خطاب بوتين في الأمم المتحدة الذي أكد على هذا التصور حول الاختراق الروسي الجديد. فمثلا شخصية بشار الأسد الذي قف كالسد امام عملية التسوية على من تشكل خطرا في الغرب بعد الاتفاق بين راعيته ايران وبين الغرب.
أوباما وصف الأسد بالطاغية وهذا من اجل اسكات ماكين واردوغان وحكام السعودية. فأوباما أدرك من زمان بأن الأسد هو اقل شرا من داعش وكان من المتوقع أن الأمريكان سيتركونه بحاله وخاصة أن الجميع اقتنع بأن بوتين لن يتخلى عن الأسد. وما التواجد العسكري الروسي في سوريا إلا ضمانة لمنع العدو من الاقتراب من دمشق واللاذقية. ففرص الاتفاق والمصالحة كانت موجودة.
كان على روسيا ان تقف هنا ولا تبدأ القصف الجوي ولكنها بدأت بالقصف فهل لأنها لم تستطع تقييم الموقف جيدا؟ لا استطيع الحكم.
ويمكن التأكيد على حقيقتين: الأولى أن القصف الجوي لن يحقق النصر. والثانية أن موسكو لا تنوي القيام بعملية برية .
والاعتماد براً سيكون على الجيش السوري كما قال بوتين عندما تحدث عن مدة القصف الجوي.
فهل جيش بشار قادر على الهجوم ولو بمساعدة الطيران الروسي أم انه لا يستطيع أكثر من الدفاع عن 20% منم المساحة التي يتحكم بها.
وينطرح سؤال بإلحاح منذ فترة: لماذا الجيش السوري المسلح حتى رأسه بكل أنواع الأسلحة الروسية المقبولة المتضمنة الطائرات والمروحيات والدبابات والمدافع وكل أنواع الصواريخ لم تستطع خلال أربع سنوات ونصف أن تتغلب على من يسميهم الأسد عصابات إرهابية بائسة ومجرمين ومرتزقة والخ؟ فالمعارضة ليس لديها لا طائرات ولا دبابات ولا أسلحة ثقيلة أخرى؟ فما هي المشكلة اذاً؟
هل هو في دعم الحاضنة الشعبية التي تعتبر مهمة في حروب المقاومة. ولكن لا .بالعكس . فمنذ أن قدم الإسلاميون المتعصبون من العراق إلى سوريا قبل سنتين فقسم كبير من سكان سوريا السنة والعلويين وبقية الأقليات أدركت ان الأسد أقل شرا من هؤلاء الإسلاميين وهنا ازدادت شعبية الأسد. ولكن حكومة الأسد ارتكبت أخطاء كثيرة وخاصة بالقصف الجوي وقتل المدنيين وتوسع هجرة اللاجئين السوريين إلى أوروبا. هناك شباب كثيرون هربوا من وحشية داعش وأيضا هروبا من الخدمة الإلزامية في جيش بشار الأسد.
ففي خطابه في الصيف اعترف الأسد بالنقص في الرجال في صفوف القوات المسلحة. ولكن ليست هذه اهم نقطة لان الطرف الاخر أيضا يخسر مقاتلين. فروح القتال والعامل المعنوي هو اهم شيء. فالضباط العلويين يقاتلون بشكل جيد ولكن الجنود اغلبهم من السنة الذين لا يريدون الموت من اجل سلطة علوية يدركون أكثر فاكثر انها غريبة عنهم وأصبحت الحرب طائفية ودينية. فمقابل جيش بشار يقف مقاتلون لا يخافون الموت ومخلصون لعقيدتهم ويعتبرون الموت سعادة عظيمة.
وهناك من يقول إن مقاتلي حزب الله الشيعي يقاتلون الى جانب بشار الاسد ولديهم أيضا عقيدة دينية وهم ليسوا اقل عنفوانا من خصومهم السنة وكذلك القوات الخاصة للحرس الثوري الإيراني. صحيح ولكن إمكانيات تلك القوى الحليفة للأسد ليست بلا نهاية. فهم يتلقون خسائر كبيرة وفي نفس الوقت تتزايد قوات الإسلاميين السنة ففي السنة الأخيرة التحق بهم 30 ألف مقاتل من خارج سوريا. وصفوفهم في توسع. وخاصة اليوم تدق طبول الحرب بأنه لا بد من جبهة سنية كبيرة ضد التحالف الشيعي والصليبيين المتمثلة بروسيا.
يجب الاخذ بعين الاعتبار الحملة الواسعة المعادية لروسيا بين المواطنين السنة وخاصة في البلاد العربية وفي العالم الإسلامي. ولا ننسى أن اغلبية مسلمي روسيا هم من السنة.
وقد يقول أحدهم إن مقاتلي داعش غير قابلين للهزيمة كما حدث للمقاتلين الكرد في مدينة كوباني على الحدود التركية السورية حيث انتهت هناك الحرب لصالح الكرد. ويجب ملاحظة أن المقاتلين من صنف طائفي او عرقي واحد يتمتعون بقوة وصلابة وصمود لأنهم يدافعون عن طائفتهم او قوميتهم مثل مقاتلي البيشمركة او حزب الله او داعش او الميليشيات العلوية او الشيعية أما الجيوش النظامية في العراق وسوريا فلا تقارن بتلك المجموعات الطائفية او القومية المقاتلة.
ونطرح سؤالاً: أليس لهذا السبب الوارد أعلاه لم يتجرأ حكام دول مثل مصر والأردن والسعودية من زج قواتهم المسلحة في حرب ضد داعش؟ لأنهم يخافون من ان جنودهم السنة قد لا يقاتلون بحماس مقاتلي داعش السنة. كما يخاف هؤلاء الحكام من انقلاب مواطنيهم ضدهم إذا تحالفوا مع أمريكا وإيران والشيعة.
ومشاركة روسيا يمكن تقييمها في المنطقة على أنها ضد السنة وان روسيا اتفقت ضمنا على التحالف مع أمريكا ضد السنة (وضد الإسلاميين لان السنة لا يعتبرون الشيعة مسلمين حقيقيين).
فكرة خاطئة ولكنها حاضرة امامنا: التصور يطغي على الواقع. والان سينقلب الامر ضدنا.
والآن يتجه الإسلاميون مثل داعش وجبهة النصرة وأحرار الشام إلى التوحد تحت اسم جيش الفتح (ويجب التدقيق هنا بان هؤلاء ليسوا معارضة سورية ولا مقاتلين وانما جاؤوا من العراق وهم من بقايا القاعدة). وقد يتخلون عن النزاعات المسلحة فيما بينهم ويتركون الجيش السوري الحر بحاله (الجيش الحر مكون من المعارضة المسلحة المعتدلة) ويشكلون جبهة ضد الأسد.
ففي المدن والشوارع حيث يتجمع المدنيون لا يستطيع القصف الجوي الروسي التأثير خوفا على حياة الناس وهناك ستكون الغلبة للمقاتلين الإسلاميين الارهابيين.
وما العمل؟: التوقف عن القصف الجوي والتمركز على حماية قلعة الأسد العلوية: في حمص ودمشق وحماه واللاذقية؟ وهذا مضمون اليوم بالتواجد العسكري الروسي هناك فلماذا اذا بدأ القصف الجوي ولماذا اثارة السكان السنة ضد روسيا ولماذا تدمير العلاقات التي شكلها الروس بأيديهم مع دول مثل مصر والخليج؟
وهناك حل آخر: إرسال دبابات وقوات برية وعندها ماهي ردة فعل الشعب الروسي وماهي ردة فعل العالم؟ ففي الذاكرة ما تزال فيتنام وأفغانستان ….
وأعرف ان البعض سيتهمني: ألا تعترف بأن “الدولة الإسلامية” المحظورة عندنا خطر على روسيا؟ فليس من اجل العرب يقاتل طيارونا هناك وانما من اجل بلادنا. بشار الأسد ليذهب الى الجحيم أما نحن يجب ان نفكر بأنفسنا. ويجب أن نقتلهم هناك قبل ان يصلوا الينا.
اعترف بكل ذلك ولكنني قلت لكم سابقاً واعترضت على من يقول ان “الدولة الإسلامية” هي “مجموعات ضالة” وإنها غيمة ستمر. ولكن إذا سألنا الناس البسطاء سيقولون اقتلوهم هناك قبل ان يأتوا الى عندنا. ولكن هذا هراء فكيف لداعش ان تأتي الينا عبر إيران وتركيا وما وراء القوقاز؟ في اسيا الوسطى هذا ممكن ظهور داعش ولكمنها ليست مثل المقاتلين بعضهم في حمص والاخرين يتحدون مع المجاهدين الأفغان.
مقاتلو داعش لن يظهروا هنا وانما المشكلة تكمن في شيء آخر: اولاً: تجنيد المتطوعين. وثانياً: تشكيل خلايا متطرفة والانخراط في عمليات إرهابية. وأخشى أن القنابل الروسية التي تسقط على القاتلين السنة وقد تسقط على العرب المدنيين ستعطي دفعا قويا لأعدائنا الإرهابيين وتشجعهم على الهجوم القوي على السلطة الروسية ومن اجل التجنيد أيضا.
فالمسألة اصبحت كالاتي: روسيا انخرطت رسميا في صف أعداء الإسلام ويجب مجابهتها. وهنا أتذكر كلمات زميلي البروفيسور المصري الذي التقيت به منذ 15 سنة في مؤتمر علمي في الإسكندرية وهو متخصص في دراسة الحركات الإسلامية. حينها سألته: ماذا لدى هؤلاء الناس ضد الروس؟ فأجابني: “من يقتل الجنود الروس في القوقاز؟ (كانت الحرب في الشيشان حينئذ) هؤلاء الذين يقولون الله اكبر. وهذا شعارنا كمسلمين ولذلك يفكر الإسلاميون هل روسيا أحسن من أمريكا والصهاينة؟ هذه صورة للدعاية المؤثرة التي نصطدم بها اليوم!
فهل نغمض أعيننا امام الخطر الإسلاموي؟ فمن جهتي اعتبر ومنذ فترة بأن الخطر الأكبر على روسيا لا يأتي من أمريكا بل من الإسلاميين الراديكاليين ومن الجهاديين السلفيين. فأمريكا لن ترسل إرهابيين للتفجير في موسكو أما هؤلاء المتعصبون فكل بساطة سيفعلون ذلك. ولكن بالقصف لن تنتصر عليهم. فهذه حركة عالمية قوية قائمة على التعصب الديني الذي يحرف أسس القرآن.
يمكن القضاء على آلاف المقاتلين من داعش ولكن العالم فيه مليار ونصف مسلم فهل يعقل الا يظهر مقاتلون جدد؟ وإذا تم الحاق الهزيمة بـ”الخلافة الإسلامية” فإنها ستصبح في عيون المسلمين شهيدة الامة الإسلامية. وسيقول الدعاة: “وأخيرا نهض المسلون وأحيوا الخلافة ولكن الأعداء تحالفوا ضدها من روسيا الى أمريكا واسرائيل واجهزوا عليها. وفي المرات القادمة سنتصرف بشكل أكثر فعالية”.
ويجب مجابهتهم ولكن في المدونات لن ينفع ذلك. وفقط يمكن للإسلام ان يعالج نفسه من هذا المرض الثقيل.
قد أكون مخطئا ولم اذكر عوامل مهمة. فقيادتنا تعرف أكثر مني بمائة مرة فهي اخذت كل شيء بعين الاعتبار. قد يكون ذلك. أتمنى من الله ذلك. ولكن ماذا لو حصل مثلما قال الزعيم الروسي الخالد تشيرنوميردين (كان رئيسا للوزراء أيام الرئيس يلتسين) ” أردنا أن نفعل أحسن (أن نخلص العالم من الإرهابيين ونثبت عظمة روسيا في العالم) فحصلنا على نفس الشيء القديم.