خيري الذهبي وحبي للغة العربية
مقالات سياسية · 09.10.2023
وداعاً استاذي ومعلمي الغالي خيري الذهبي!
في ذكرى رحيل الكاتب والمفكر والروائي السوري الكبير خيري الذهبي
في عام 1970 عندما كنت في سن السادسة عشرة في الصف العاشر بثانوية ابي ذر الغفاري بالحسكة جاءنا مدرس شاب من دمشق يعلم اللغة العربية وقد احببناه جدا لأنه كان شجاعا وقوي الشخصية فعندما يجري الحديث عن “اتحاد الطلبة” الذي يتدخل في شؤون المعلمين ويمارسون البلطجة مع بعضهم، كان الذهبي يقول هؤلاء لهم بوجوههم “اتحاد الجحيشين”. فكنا نحن الطلبة الماركسيين نلتف حوله ونعتبره مثلنا الأعلى. وكان يتحدث في دروسه عن الفقراء والظلم والحرية.
وكان خيري الذهبي أستاذا رائعا شوقنا الى اللغة العربية وتربى على يديه عدد من الشعراء الشباب ومنهم الشاعر شوقي حمزة. وأما أنا وبالرغم من أنني التحقت بالثانوية العلمية واحببت الرياضيات، إلا أن بصمات الأستاذ خيري بقيت معي وساعدتني في حياتي المستقبلية.
وكان الذهبي مدرساً موهوباً، كيف لا وهو اديب وكاتب، وكانت دروسه متعة حقيقية تلهمنا وتجذبنا الى العربية لغة وشعرا وقصة ورواية. وكان رحمه الله واثقا من نفسه يحب طلابه ويثق بهم ويطالبهم بالدراسة عن طريق الاقناع والاحترام وليس بالإجبار والتخويف. وبالمناسبة حصلت على الدرجة الكاملة باللغة العربية في امتحان البكالوريا العلمي عام 1973.
ورافقني حب الكتابة في دراستي الجامعية في روسيا، حيث أصبحت اكتب مقالات قصيرة لصحيفة الجامعة، إلى أن اختارتني الصحيفة مراسلاً لها، وكانت كتابتي باللغة الروسية بدون مساعدة تحريرية. وبعد الدكتوراه حصلت على دبلوم ترجمة من الروسية الى العربية.
وعندما أصبحت دكتوراً في الرياضيات وبدأت بالتدريس في الجامعة، كنت ألقي محاضراتي لمدة تقارب العشرين عاماً للطلبة باللغة العربية الفصحى، وصورة الأستاذ خيري بين عيني ترافقني. كان شخصاً طويل القامة وله شوارب جميلة ورجولية وصوته جميل والقائه واضح وذو وقع على المستمعين. وكان يرتدي المريول الأبيض، وأنا في الجامعة كنت احرص على ارتداء المريول الأبيض لأنه مريح ويحمي اللباس من غبار السبورة. وفي فترة عملي بالجامعة ألفت عددا من الكتب الجامعية باللغة العربية، واعددت قاموسين بمصطلحات الرياضيات وترجمت كتاباً كبيراً من الإنجليزية. وللأستاذ خيري فضل في كل ذلك فهو من حببني باللغة العربية والثقافة العربية.
وعندما انخرطت بالعمل السياسي والثقافي وصرت اكتب المقالات واتحدث لوسائل الاعلام، واعد دراسات مختلفة دائما كنت أتذكر استاذي ومعلمي الغالي على قلبي خيري الذهبي فهو أبرز شخصية تربوية وادبية وفكرية في حياتي. كما اعددت ابحاثا حول موضوع تعريب المصطلحات العلمية واشكالاتها اللغوية.
بالطبع سيتحدث الناقدون والكتاب عن شخصية الذهبي الأدبية والثقافية وعن عشرات الكتب والروايات الجميلة التي ألفها وتحول بعضها الى أفلام، ولكنني أستطيع القول بكل تواضع أن خيري الذهبي من أبرز الكتاب السوريين والعرب وله حضور عالمي أيضا.
التقيته أول مرة بعد سنوات طويلة من الفراق في صيف عام 2015 في دبي عندما كنت بزيارة لابنتي واحفادي. ودعاني الصديق الدكتور عبد الله التركماني للتحدث الى الجالية السورية في دبي وحينها كنت رئيس المجلس الوطني لإعلان دمشق وبالفعل حضرت يوم السبت وبينما كنا نتحدث ويدخل اخوة واخوات جدد الى قاعة الاجتماع وإذ يدخل شخص رحبوا به وقالوا اهلا أستاذ خيري. وبما ان ذاكرتي البصرية قوية جدا فعرفت ملامحه بالرغم من تغير لون شعره وتراجع صحته فالعمر له ماله. فجئت اليه وسلمت عليه وقلت له أستاذ خيري الذهبي قال نعم. قلت انا تلميذك في الصف العاشر في الحسكة سنة 1970، وقدمت نفسي وعرفته بوضعي علميا وسياسيا فكانت فرحته غامرة لأنه وجد تلميذه أصبح دكتورا وشخصية علمية وسياسية. والتقيت به في دبي عدة مرات لوحدنا وأهداني العديد من رواياته، والتي قرأتها كلها وهي رائعة وجميلة. واتذكر كيف كان يحب الجلوس في المقهى الصيني بدبي.
وكان يحدثني الأستاذ خيري الذهبي عن انطباعاته عن دبي ويقول دبي تشبه محطة قطارات فلا أحد يعرف أحدا ولا يريد أحد أن يتكلم مع آخر، ناس تأتي وناس تسافر وبالنتيجة يشعر الفرد أنه غريب ووحيد في دبي.
كان حزينا بعد مغادرته دمشق وحدثني عن النظام المستبد الظالم والفاسد وكيف دمروا بهمجية مكتبته الضخمة التي أسسها وجمع كتبها القيمة طيلة عمره، خاصة وأنه قام بتحقيق عدة كتب تراثية بعضها حول تاريخ دمشق بالإضافة الى الكتب الفكرية والثقافية التي كان يقرأها وبالفعل كان رجلا مثقفا من الطراز الرفيع في التاريخ والادب والثقافة والسياسة.
حدثني كيف مسخ نظام البعث الثقافة في سوريا وجاء بشباب ليس لديهم أي ثقافة او خبرة بل كانوا مصفقين للسلطة وسلمهم اتحاد الكتاب ولم يكن لهم علاقة بالفكر أو الابداع.
كان يقول إن الثقافة هي أساس التطور والحداثة والتغيير وكان يدعو الى أن تكون الثورة الثقافية في أساس الثورة السورية فلا بد من تغيير ثقافة الفرد لكي يصبح انسانا جديدا ويتخلص من رواسب الماضي التي حولته الى عبد في نظام الأسد.
وفي المرة الثانية والأخيرة التقيته في غازي عنتاب عام 2015، حينها دعوته لحضور مؤتمر اعلان دمشق كضيف والقى كلمة جميلة باسم المثقفين والادباء تحدث فيها عن دور الثقافة في حياتنا وأن أحد أكبر أسباب تخلفنا هو غياب الثقافة الحقيقية.
كم هو محزن رحيلك يا استاذي ومعلمي الغالي خيري الذهبي يا من علمتني حب اللغة العربية والتمكن من الكتابة بها وكذلك كنت مثلي الأعلى في القاء المحاضرات والثقة بالنفس والشجاعة في ابداء الرأي وعدم الخوف.
كنت تحلم بالعودة الى دمشق مثل نزار قباني، ولكن الاوباش دمروا حلمك. واتذكر عندما كُنْتَ تتصل بي بالهاتف من باريس كم كُنْتَ حزينا ويائسا وتقول لي لم أعد اشعر بحافز للعمل، لأنك تعبت من الغربة والبعد عن عاصمة الأمويين، التي عشت فيها طفولتك وشبابك وحصلت على تعليمك فيها واحببت سوريا وشعبها وتاريخها. لقد كنت عزيز النفس فكلما اعرض عليك أي خدمة او مساعدة كنت تقول لا ينقصني سوى دمشق الفيحاء.
لقد وجدت في موبايلي ان الأستاذ خيري اتصل بي وكنت على الفور اتصل به واتحدث معه وفي الختام كنت أقول له هل يلزمك شيء هل توصينا بشيء، فانت اتصلت بي على ما يبدو فيقول لم اتصل بك.
تعجز الكلمات عن التعبير بما تستحقه وانت الاديب والكاتب الكبير وملك الكلمات.
أعزى نفسي وأعزي عائلتك الكريمة وابنك العزيز فارس وابنتيك الكريمتين سهير وديانا وأعزي السوريين جميعا بهذه الفاجعة والخسارة التي لن تعوض.
وستبقى ذكراك خالدة في قلوبنا وقلوب الأجيال من خلال ما تركته من أثر أدبي رائع جسد حياة السوريين وطموحاتهم.
رحمك الله يا عزيزي أبو فارس وجعل مثواك الجنة وإنا لله وانا اليه راجعون.
الوفي لذكراك د. محمود الحمزة
موسكو- 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2022
