π Prof. Dr. Mahmoud Hammo Al-Hamza Professor of Mathematics, Historian of Science · Researcher in Russian Orientalism · Political Expert

← Articles

د. محمود الحمزة: ضد الاستبداد والفساد أينما وجدا

Political articles · 03.12.2015

 2015/07/03 محمود حمزة

د. محمود الحمزة: كلنا شركاء

نتذكر قول المفكر السوري الحلبي عبد الرحمن الكواكبي حين قال في كتابه الشهير “طبائع الاستبداد..” أن الاستبداد يولد الفساد في كل مجالات الحياة.

عندما طالب السوريون بكل عفوية بالحرية والكرامة فهم يقصدون التحرر من استبداد الأجهزة الأمنية الاسدية القذرة وارادوا العدالة لتتحقق كرامة المواطن ولكي تكون حقوقه مصانة وحريته مقدسة بشرط ألا تكون على حساب حرية الآخرين.

الاستبداد مرفوض أينما كان وبأي شكل ظهر.

فالاستبداد موجود في الأنظمة السياسية ممثلا في الأنظمة الديكتاتورية الشمولية ويقابله الاحتكار في مجال الاقتصاد والاستبداد موجود في الفكر والثقافة وفي الاسرة والتربية وفي كل جوانب الحياة الاجتماعية.

وهناك من يطرح الديمقراطية من قوى المعارضة والثورة ويمارسون سياسة استبدادية اقصائية للرأي الآخر ولوجود الآخر المختلف بالرأي والتفكير. فبشار الأسد استخدم السلاح وقتل كل من خالفه الرأي وحاول اجتثاث الرأي الآخر واصحابه. ونفس الشيء فعلته بعض أحزاب المعارضة وقواها الثورية والمدنية فأقصت غيرها وحاولت القضاء عليها بطريقتها الخاصة وبالوسائل المتاحة لديها بالسلاح او بالكلمة والدعاية الرخيصة. ونتيجة استبداد بعض قوى المعارضة انتشر الفساد فيها أيضا وخاصة المال السياسي.

هناك من اتخذ شعار الديمقراطية ستاراً له يختفي ورائه ولكنه يمارس أبشع أنواع السياسات الاقصائية والتخوينية، لذلك فالمشكلة ليست في الشعارات فقد خبرناها جيدا لدى نظام البعث الأسدي الذي تاجر بشعارات الوحدة والحرية والاشتراكية 50 سنة ولكنه كان يفعل عكسها تماما فلم يحقق الوحدة بل فتت المجتمع السوري، ولم يحقق الحرية بل بسط سلطة أمنية أهانت الشعب السوري وحرمته من أي نوع من الحرية وفوقها باع الجولان لإسرائيل ولواء اسكندرونة لتركيا ومؤخراً باع سورية لإيران، ولم يحقق الاشتراكية بل بدأ بترسيخ اقتصاد السوق الرأسمالي المشوه والفاشل الذي أفقر السوريين ودمر حياة فئات واسعة منهم.

ونأخذ مثالاً حزب الشعب الديمقراطي السوري (كان اسمه الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي) الذي تميز في بدايات تبلوره في سبعينيات القرن الماضي بموقف مستقل صلب ضد النظام البعثي الأسدي ورفع شعارات ضد القيادة البكداشية المتسلطة الاقصائية التخوينية (على الطريقة الستالينية)، وأعاد الحزب النظر في تسميته (فأصبح حزب الشعب الديمقراطي) وغير برنامجه (فتخلى عن النظرية الماركسية اللينينية) ونظامه الداخلي (فتخلص من المركزية وكرس مفهوم الديمقراطية وحرية الأعضاء في تشكيل المنابر الديمقراطية) فأضفى طابع الديمقراطية على الحياة التنظيمية للحزب وعلى سياسة الحزب الوطنية. وكان ذلك في المؤتمر السادس للحزب عام 2005. ولكن ذلك كان كالحلم الجميل المكتوب على الورق ولكنه لم يصل إلى أرض الواقع والممارسة. فبقي الحزب يخضع لقيادة (سلطة) استبدادية متسلطة شمولية تخوّن كل من يختلف معها في الرأي وتقصيه ولو استطاعت لأقصته فيزيائياً.

 والنتيجة الحتمية تقريباً هي أن المستبدين لا يتنازلون عن مناصبهم ومكاسبهم السياسية أو المادية إلا بانقلاب ثوري لأنهم أصلا لا يستوعبون وجود رأي مخالف. ويعتقدون واهمين أنهم الحقيقة المطلقة وأنهم مرجع الوطنية وأنهم يملكون الحق في القيادة إلى الأبد!!!!

وهذه الخصوصيات الاستبدادية السيئة انعكست على مجريات الأمور في الثورة منذ بدايتها. فلولا عقلية الاستبداد والهيمنة الفردية والأقلياتوية لما تعثر توحيد قوى المعارضة والثورة، ولولا الانغلاق السياسي على الذات لما انْحَسر دور القوى الوطنية الديمقراطية وفُسِح المجال للقوى الإسلامية بما فيها المتشددة.

سيأتي يوم ويُقيّم فيه دور القوى السياسية المعارضة التقليدية والجديدة والثورية ويعرف السوريون من يتحمل مسؤولية أساسية في تشتت قوى الثورة وهيمنة القوى الدينية والقومية المتشددة.

وتبقى معركتنا من أجل الحرية هي معركة ضد الاستبداد أينما كان في النظام أم في الفكر أم في السياسة أم في الحياة الاجتماعية. وتبقى معركة الكرامة هي معركة ضد الفساد والظلم والطغيان وضد تهميش الانسان وحقه في الرأي الآخر.

لقد ولى عهد المستبدين وحان وقت الحرية والتفكير الحر والنشاط الإنساني المتنوع الإبداعي الحر وحان وقت الانفتاح على الذات والآخرين. ومن يحاول اغلاق نوافذه وابوابه في وجه رياح التغيير فهو واهم، لأن فيروس التغيير ينتقل الى العقول والقلوب التي لا يمكن اغلاقها من قبل الآخر. ولكي نستنشق هواء الحرية الحقيقية يجب أن نبدأ بتغيير أنفسنا (لا يغير الله بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ونطبق على أنفسنا كل ما نتمناه لشعبنا ونكون شفافين وشعبيين ومنفتحين على الآخر.

مشكلتنا كسوريين هي المسافة الواسعة بين القول والعمل وبين الفكر والممارسة وبين البيانات والبرامج السياسية وبين الممارسات العملية بدءاً من الذات.