π Prof. Dr. Mahmoud Hammo Al-Hamza Professor of Mathematics, Historian of Science · Researcher in Russian Orientalism · Political Expert

← Articles

حرب حزيران ١٩٦٧: قراءة في الوثائق السوفيتية الكاتب: محمود حمو الحمزة

Political articles · 09.10.2023

أبحاث سياسية
مركز حرمون
للدراسات المعاصرة
هو مؤسّسة بحثية وثقافية مستقلة، لا تستهدف الربح، وتُعنى بإنتاج الدراسات والبحوث المتعلقة بالمنطقة
العربية، خصوصًا الواقع السوري، وتهتم بالتنمية المجتمعية والفكرية والثقافية والإعلامية، وتعزيز أداء
المجتمع المدني، ونشر الوعي الديمقراطي، وتعميم قيم الحوار واحترام حقوق الإنسان.
يحرص المركز على عقد لقاءات حوارية ومناقشات فكرية، حول القضية السورية وما يكتنفها من متغيرات
سياسية وإنسانية واجتماعية واقتصادية، وتمتد هذه اللقاءات والمناقشات، لتشمل التأثيرات الإقليمية
والدولية، ومواقف الأطراف السورية المختلفة منها، سلطة ومعارضة، مع الرصد الدائم لأدوار الحلفاء
الإقليميين والدوليين للفرقاء السوريين، والتقييم المستمر لتطور تلك الأدوار ودرجة فاعليتها في المشهد
السوري.
يسعى المركز لأن يكون ميدانًا لتلاقح الأفكار والحوار والتخطيط للبناء، وساحةً للعمل الجدّي المثمر على
الصعد كافة، البحثية والسياسية والفكرية والثقافية؛ ويأمل أن يبني علاقة متقدمة بالمجتمع السوري،
والعربي عمومًا، تقوم على التأثير الإيجابي فيه والتأثر به في آنٍ معًا.
قسم الدراسات:
يُقدِّم هذا القسم الدراسات العلمية والموضوعية التي تناقش القضايا السورية الأساسية، وتعالج المشكلات
الرئيسة، وتقترح الحلول والبدائل المناسبة، وهو مسؤول عن إنتاج المواد البحثيّة العلمية الاجتماعية
والاقتصادية والقانونية والثقافية والتربوية، التي تستند إلى جهدٍ بحثيّ أصيل ورصين يتوافق مع أصول
العمل البحثيّ العلمي.
يحرص قسم الدراسات على تقديم قراءات للواقع الراهن، ويضع على جدول أعماله إنتاج دراسات من
الفئات البحثية كافة، بهدف إعادة بناء المنظومة الفكرية والسياسية والقانونية والثقافية والتربوية في سورية
المستقبل، ويستكشف التأثيرات المتبادلة بين السياسة والاقتصاد والقانون والمجتمع والفكر، ويبحث في
تأثيرات الحرب السورية وسبل تجاوزها في المستقبل في نظام ديمقراطي تعددي تداولي.
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
حرب حزيران 1967 : قراءة في الوثائق السوفيتية
محمود حمو الحمزة
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
المحتويات
ملخص………………………………………………………………………………………………………………. 3
مقدمة……………………………………………………………………………………………………………….. 4
أولً: الدور السوفيتي في الحرب في الوثائق السوفيتية……………………………………………………… 6
ثانيًا: تفاصيل اللحظة الأخيرة قبل حرب 1967 في الوثائق السوفيتية: ………………………………… 8
ثالثًا: المقاربة السوفيتية لقضايا الشرق الأوسط في الوثائق السوفيتية: ……………………………… 13
رابعًا: مصر وسورية والاتحاد السوفيتي أثناء التحضير للحرب ………………………………………….. 15
خامسًا: العلاقات السوفيتية الإسرائيلية قبل حرب 1967 في الوثائق السوفيتية…………………… 18
سادسًا: الموقف الدبلوما 􀘟سي والسيا 􀘟سي للاتحاد السوفيتي أثناء حرب 1967 ………………………… 21
جوانب الموقف العسكري السيا 􀘟سي لحرب حزيران/ يونيو ونتائجه………………………………………………….. 21
سير العمليات العسكرية: …………………………………………………………………………………………………….. 21
نتائج الحرب: ……………………………………………………………………………………………………………………. 22
الاتحاد السوفيتي وحلفاؤه العرب: الإنجازات والتناقضات خلال التعاون العسكري والسيا 􀘟سي ……………… 22
خصائص سياسة الاتحاد السوفيتي في فترة ما بعد حرب 67 في الشرق الأوسط………………………………….. 23
سابعًا: شهادات مسؤولين سوفييت عن حرب 1967 ………………………………………………………. 25
البروفيسور أناتولي إيغورين مراسل وكالة الأنباء السوفيتية في مصر 1965 – 1970 ………………………………. 25
الدبلوما 􀘟سي السوفيتي فالنتين فالين كبير مستشاري أندريه غروميكو………………………………………………. 26
الخاتمة ……………………………………………………………………………………………………………… 29
المصادر والمراجع …………………………………………………………………………………………………… 30
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
3
ملخص
موضوع هذه الدراسة هو حرب «الأيام الستة »، كما يسمّيها بعض المؤرخين الغربيين، أو نكسة حزيران/
يونيو 1967 كما يسمّيها العرب، التي انتهت بانتصار كاسح حققته إسرائيل في ساعات، ضد ثلاث دول
عربية، منها أهمّ دولتين: مصر وسورية؛ إذ استطاعت إسرائيل تدمير القوى الجوية في مصر وسورية والأردن.
وتركّز الدراسة على البحث في الوثائق الدبلوماسية والمراجع الأكاديمية والشهادات الشخصية السوفيتية،
للوقوف على أهمّ المواقف والأحداث التي توضح الدور السوفيتي في حرب حزيران/ يونيو 1967 ، وعلاقاته
بكل من مصر وسورية وإسرائيل، في الفترة التي سبقت الحرب، وفي أثناء الحرب، وفي الفترة التي تلتها، وذلك
بالرجوع إلى أرشيف الخارجية السوفيتية، وإلى شهادات شخصية لمسؤولين سوفييت سابقين )ضباط أمن
الدولة، دبلوماسيين، صحفيين(، وإلى دراسات أكاديمية لباحثين روس عن حرب حزيران/ يونيو 1967 .
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
4
مقدمة
في عام 1947 ، صوّت أندريه غروميكو ))) )رئيس البعثة السوفيتية في الأمم المتحدة( على قرار «تأسيس
دولة إسرائيل »، وكان ذلك إيذانًا بدخول الاتحاد السوفيتي ساحة الصراع على الشرق الأوسط. وكانت
الوثيقة المتضمنة موقف جوزيف ستالين من إنشاء دولة إسرائيل قد نُشرت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي،
حيث أراد من تأسيس إسرائيل أن تكون نقطة توتر في المنطقة، تُزعج الإمبريالية البريطانية والأميركية
من جهة، وتوسّع نفوذ الاتحاد السوفيتي من جهة أخرى. وقال ستالين إنه يريد أن يغرز شوكة في مؤخرة
الإمبريالية )الدول العربية لتدير ظهرها لبريطانيا( ))) في الشرق الأوسط؛ إذ كان يعتقد أن دعم إنشاء دولة
يهودية سيجعلها تتعاون تعاونًا وثيقًا مع موسكو. وتضمّن قرارُ تشكيل دولة إسرائيل إنشاءَ دولة فلسطينية
أيضًا.
قال وزير الخارجية السوفيتي آنذاك فيتشيسلاف مولوتوف، في رسالةٍ وجّهها إلى البعثة السوفيتية في
الأمم المتحدة ورئيسها أندريه غروميكو: «عندما وجّهنا تعليمات إلى غروميكو، للتحدث عن حلّ الدولتين،
كان ذلك يرجع إلى عوامل تكتيكية، لكن رغبتنا هي تأسيس دولة يهودية مستقلة ». وطلب من غروميكو تأييد
موقف أغلبية الأعضاء، لأن ذلك يُعدّ أفضل للاتحاد السوفيتي.
وفي جلسة الحكومة الإسرائيلية في 26 تشرين الأول/ أكتوبر 1948 ، قال وزير الخارجية الإسرائيلي
مو 􀘡شي شاريد: ))) «إن الروس يتصرفون في مجلس الأمن وكأنهم مندوبونا ». والدليل على عمق الدعم والتأييد
أصدقائها على بيع الأسلحة لإسرائيل، وعدم بيع الأسلحة للعرب.
السوفيتي لإسرائيل هو قيام موسكو بحثّ
وطلبت إسرائيل قائمة بالأسلحة الثقيلة من الاتحاد السوفيتي لكن طلبها رُفض. واتجهت إلى أميركا وطلبت
قرضًا 100 مليون دولار، فوافقت واشنطن على ذلك عام 1949 . وقد كتب رئيس البعثة السوفيتية في
إسرائيل رسالة سرية، أشار فيها إلى أن ميول حكومة بن غوريون تتجه نحو أميركا.
))) كان أندريه غروميكو أحد أهم صناع القرار في الاتحاد السوفيتي، تولّى منصب وزير الخارجية قرابة ثلاثة عقود، وشارك بصورة مباشرة
في تأسيس هيئة الأمم المتحدة وتوقيع ميثاق هذه المنظمة باسم الاتحاد السوفيتي، بدأت حياته في السلك الدبلوما 􀘟سي عام 1939 ، وفي غضون
أربع سنوات فقط، ترأس البعثة الدبلوماسية السوفيتية بواشنطن، وكان عمره آنذاك 34 عامًا، وشارك بهذه الصفة في إعداد وعقد مؤتمرات
يالطا، وبوتسدام، ودومبرتون- أوكس، وسان فرانسيسكو، التي اتسمت بأهمية كبيرة في تشكيل النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية،
وفي عام 1946 ، أصبح غروميكو أول مندوب للاتحاد السوفيتي في هيئة الأمم المتحدة، وفي عام 1947 صوّت غروميكو في مجلس الأمن لقرار
إقامة دولة إسرائيل، وكان ذلك بمنزلة دخول الاتحاد السوفيتي ساحة الصراع على الشرق الأوسط، في شباط/ فبراير عام 1957 عُيّن غروميكو
في منصب وزير خارجية الاتحاد السوفيتي، وفي أواخر سبعينيات القرن المنصرم كان في إطار ما عرف بالترويكا الحاكمة من وراء الأمين العام
للحزب الشيوعي السوفيتي الهرم بريجنيف، وضمت كذلك وزير الدفاع أوستينوف ورئيس جهاز أمن الدولة “كي جي بي » أندروبوف، وقبل وفاته
في عام 1989 ترك الدبلوما 􀘟سي السوفييتي رقم واحد )أندريه غروميكو( مذكرات من جزأين، أشرف على تحريرها ونشرها ابنه البروفسور أناتولي
غروميكو الذي يعدّ الشاهد الأبرز على مسيرته الدبلوماسية والسياسية التي استمرت زهاء خمسة عقود، )أندريه غروميكو- كتاب ذكريات
وأفكار عنه بقلم ابنه أناتولي غروميكو، 2009 ، موسكو، دار الكتاب العلمي(،
))) جوريس ميدفيدف، ستالين والقضية اليهودية، موسكو، دار حقوق الإنسان، 2003 ، ص 36
))) أنطوان شلحت، ستالين والدولة اليهودية
https:/ / www،arab48،com
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
5
وقد اعترفت أميركا بدولة إسرائيل مباشرة، بعد إعلان استقلالها في 17 أيار/ مايو 1948 ، بينما اعترف
الاتحاد السوفيتي بها بعد يومين، ولكنه كان أول دولة تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. أما أميركا فقد
أقامت علاقات دبلوماسية في عام 1949 . وعندما أعلنت إسرائيل تأسيسها، نشبت الحرب الأولى بين العرب
وإسرائيل، وساعد الاتحاد السوفيتي إسرائيل بالأسلحة عن طريق تشيكوسلوفاكيا. وبعد زيارة غولدا مائير
لموسكو 1952 ، واستقبالها الحافل من قبل اليهود؛ انزعج ستالين، وأعلن أن كل يهودي هو عميل للإمبريالية
الأميركية، وأنْ لا ولاء لليهود لوطنهم الاشتراكي: الاتحاد السوفيتي.
وورد في برقيات من موسكو للبعثة السوفيتية في الأمم المتحدة: «اسألوا الوفد الإسرائيلي، وتصرفوا
بالشكل الذي يرضيهم ». ويبدو أن ستالين لم يكن لديه حينذاك أي مشاعر ودية تجاه العرب، بل كان يعتقد
-بحسب مؤرخين روس- أن العرب يجب أن ينتقلوا للعيش في البلدان العربية، أما اليهود من العالم فيجب
أن ينتقلوا للعيش في وطنهم إسرائيل. علمًا أن ستالين لم يسمح لليهود السوفيت بالهجرة إلى إسرائيل، بينما
سمح لليهود البولنديين بالهجرة إلى إسرائيل.
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
6
أولً: الدور السوفيتي في الحرب في الوثائق السوفيتية
كُتبت عن حرب 67 مؤلفات علمية مهمّة، لمستشرقين وباحثين معاصرين روس)))، ومع ذلك، ما زال من
الصعب تكوين لوحة كاملة عن الدور السوفيتي في تلك الحرب، وذلك بسبب إخفاء الحقائق، وخصوصًا
آليات اتخاذ القرار، وحيثياته. ويقول شهود عيان إن كثيرًا من الحقائق الخاصة بحرب 1973 ، مثلً التي
تتضمن لقاءات مصرية سوفيتية، نُشرت في المحاضر التي كانت بحوزة الجانب المصري، وخاصة في كتاب
محمد حسنين هيكل: )الأسلحة والسياسة(، بينما لم يُنشر إلا القليل عن حرب 1967 .
قبل وقوع نكسة حزيران، تطابقت إستراتيجية الرئيس المصري جمال عبد الناصر مع الاتحاد السوفيتي،
في السعي لطرد بريطانيا من الشرق الأوسط، ولكلٍّ من الطرفين أسبابه؛ عبد الناصر يريد أن يثأر من بريطانيا
لمشاركتها في العدوان الثلاثي على مصر، والاتحاد السوفيتي أيضًا يريد أن ينتقم من بريطانيا ويزيحها من
الشرق الأوسط، لكونها كانت أقوى إمبراطورية هناك، وتتفق معهما على ذلك الولايات المتحدة أيضًا
لمصالحها الخاصة.
تعدّ الفترة الزمنية للأعوام 1965 – 1956 ، على وجه الخصوص، بعد فشل العدوان الثلاثي على مصر عام
1956 ، هادئة نسبيًا في الصراع الإسرائيلي العربي. ولكن البلدان العربية شهدت أحداثًا مهمة؛ ففي العراق
أعلنت الجمهورية في 14 تموز/ يوليو 1958 بقيادة عبد الكريم قاسم، وفي عام 1958 تدخلت أميركا في
لبنان مستغلة الصراعات الطائفية، وفي شباط/ فبراير 1958 أقيمت الجمهورية العربية المتحدة بين مصر
وسورية، بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر، فارتفعت مكانته كزعيم عربي من جديد، ولكن تلك الوحدة
انهارت في أيلول/ سبتمبر 1961 ؛ فترك ذلك أثرًا سلبيًا على الدور القومي للرئيس عبد الناصر. أما سورية
فشهدت الانفصال عام 1961 ، ثم انقلاب 8 آذار/ مارس 1963 بقيادة البعثيين والناصريين، ثم انقلب
البعثيون على الناصريين، وانفردوا بالسلطة، وجاء انقلاب آخر في 23 شباط/ فبراير 1966 ، بقيادة صلاح
جديد وحافظ الأسد اللذين افتتحا عهدًا طائفيًا، تم تجسيده في الحكم بشكله النقي في عهد حافظ الأسد
الذي انقلب على رفاقه في الحزب والسلطة عام 1970 . وقد أثرت الانقلابات المتكررة في سورية على حالة
الجيش السوري وجاهزيته القتالية.
على الجهة المقابلة، كانت العلاقات السعودية المصرية سيئة جدًا، لأسباب عدة، منها طموح عبد الناصر
إلى تحقيق الوحدة العربية، وميوله الاشتراكية وصداقته مع الاتحاد السوفيتي )الشيوعي(، وهذا يتناقض
مع أهداف النظام الملكي بقيادة الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود الذي كان يعدّ الأفكار القومية
والاشتراكية والشيوعية خطرًا حقيقيًا على النظام في المملكة. وهناك عامل آخر مؤثر في العلاقات بين مصر
والسعودية، وهو الحرب في اليمن والتدخل العسكري المصري إلى جانب الجمهوريين، بينما كانت السعودية
تؤيد النظام الملكي. وفي هذا الإطار، يرى الباحث الرو 􀘟سي رمضان داوروف أن عبد الناصر طلب مساعدة
من واشنطن )شحنة من القمح( فرفضت الإدارة الأميركية طلبه، لأن لديها معلومات حول شراء عبد الناصر
أسلحة سوفيتية))).
))) وردت دراسات للعديد من الكتّاب الروس من أهمهم: أ، إيغورين، إي زفياغيلسكايا، غ، كوساتش، ل، ميدفيدكو، غ، ميرسكي، ف،
نعومكين، ي، بريماكوف، ي، بيرلين، ب، سيرانيان،
))) رمضان داوروف، الحرب العربية الإسرائيلية 1967 من منظور السياسة والدبلوماسية السوفيتية، موسكو 2007 ،
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
7
ومن جانب آخر، برزت الخلافات السورية الأردنية، واستفادت منها إسرائيل في دعمها للملك حسين في
السرّ، وهذا ما حفز عبد الناصر على مهاجمة السعودية والأردن وإيران في خطاباته، واتهامهم ببيع النفط
لإسرائيل، وبأنهم يقفون إلى جانب الصهيونية ربيبة الإمبريالية ))). ويضاف إلى ما سبق المشهدُ الفلسطيني
المعقد بعد تشكيل حركة )فتح( وهيمنة النظام السوري عليها بعد انقلاب 1966 .
في ضوء ما ورد، يضيف الباحث الرو 􀘟سي رمضان داوروف )نائب مدير معهد الدراسات الشرقية في
موسكو، حاليًا( أن حرب حزيران 1967 وحّدت العرب ضد إسرائيل. ففي 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 1966
عقدت سورية ومصر ميثاق الدفاع المشترك، وأعلنت القيادة السورية الحرب الشعبية ضد إسرائيل،
وكذلك دعمت العمل الفدائي الفلسطيني من الأرا 􀘹ضي السورية. وكان رد إسرائيل في تلك الفترة – 1966
1967 توجيه ضربات عسكرية لسورية. ولعبت مشكلة تحويل إسرائيل لمياه نهر الأردن في عام 1963 عنصرًا
آخر مؤثرًا في تصعيد الموقف. وفي هذ السياق، يقول أ. بريغمان: إن مو 􀘡شي دايان اعترف، في مقابلة مع
صحيفة )إيدعوت أحرونوت(، بأن إسرائيل تتحمل % 80 من المسؤولية عن المواجهات على الحدود السورية
الإسرائيلية، خلال الفترة 1949 – ))) 1967 .
))) خطاب عبد الناصر في 22 أيار/ مايو 1967 ،
7) Bregman A، Israel’s Wars، A History since 1947 ، London and New York, 2002، P66، )
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
8
ثانيًا: تفاصيل اللحظة الأخيرة قبل حرب 1967 في الوثائق السوفيتية:
في العهد السوفيتي، كان هناك تعتيم كامل على الوثائق السوفيتية المتعلقة بالسياسة الخارجية، إضافة
إلى أن الأعمال التاريخية تجنّبت إعطاء تقويم موضوعي وعلمي للدور السوفيتي في حرب حزيران/ يونيو
1967 ، حيث كانت الأيديولوجيا مهيمنة، ومنها يستقي كل المسؤولين في الدولة مواقفهم وآراءهم التي
تبدو في النتيجة متطابقة؛ فلا دور لأي مسؤول، ولا رأي، إلا ما يُبلّغ به من المركز، فهو ممثل للسياسة التي
تُصْنَع في المكتب السيا 􀘟سي للحزب وفي لجنة أمن الدولة )كي جي بي(. وقد كتب السفير السوفيتي في واشنطن
مكسيم ليتفينوف))) أنه اقترح على موسكو تحسين العلاقة مع الرئيس الأميركي روزفلت )الذي يكنّ المودة
للاتحاد السوفيتي( ولكنهم تجاهلوا طلبه. وقال إنه يشعر بأنه بلا قيمة، وبأن لا حاجة إلى وجوده كسفير؛
لأن أي موظف يستطيع القيام بعمل السفير. فالسفراء السوفييت -كما عبّر عن تلك الفكرة وزير الخارجية
السوفيتي منذ 1939 فيتشيسلاف مولوتوف، وهو في سنّ التقاعد- لا يحقّ لهم أن يجتهدوا، إنما عليهم
تنفيذ الأوامر التي تصل إليهم من موسكو.
بالعودة إلى مسار الحرب، تشير الوثائق إلى أن دمشق أخبرت القاهرة بوجود حشود إسرائيلية كبيرة على
الحدود السورية، فخطب الرئيس عبد الناصر على أثر ذلك أمام العسكريين المصريين: «حصلنا يوم 13
أيار/ مايو على معلومات دقيقة بأن إسرائيل تحشد قواتها على الجبهة السورية من 11 إلى 13 لواء عسكري.
واحد موجود جنوبي بحيرة طبرية والثاني شمالها »))). وبناء على هذه المعلومات، تحركت القوات المصرية
باتجاه الحدود السورية. بينما لم يلاحظ الجنرال ريكي )رئيس قوات الطوارئ الدولية التابعة للأمم المتحدة
لمراقبة الهدنة في منطقة النزاع المصري الإسرائيلي( وجود حشود إسرائيلية كبيرة على الحدود السورية،
وأكد لممثل مصر في الأمم المتحدة السيد محمد القوني أن إسرائيل ليس لديها نية بالقيام بعمليات هجومية
ضد سورية))1). وكتب الرئيس الأميركي جونسون في مذكراته أن الاتحاد السوفيتي لم يصدق بهذه المعلومات،
إنما أراد أن يستخدمها للضغط على الرئيس عبد الناصر، لكي يرسل دعمًا عسكريًا إلى سورية) 1)).
يجدر بالذكر أن الجنرالات الإسرائيليين المتعطشين للحرب لم يعجبهم أسلوب عبد الناصر المتزن، فهم
يخافون من أن تتفوق مصر على إسرائيل))1)، وذلك على العكس من سورية؛ ففي محادثة مع أندريه غروميكو
في 13 أيار/ مايو 1967 ، قال أنور السادات: «السوريون يحبون الإدلاء بتصريحات حادة ضد إسرائيل،
ولكن الحقيقة هي أن على من يريد القضاء على إسرائيل أن يقلل من الكلام ويزيد من الفعل. نستطيع
تقديم طائراتنا وطيارينا لسورية، ولكننا لا يمكن أن نهجم على إسرائيل من أرا 􀘹ضي مصر، فالسوريون
))) كان وزيرًا للخارجية السوفيتية قبل توقيع اتفاقية مولوتوف-ريبنتروب 1939 ،
9) Documents on the Middle East ،Ed، By R،H، Magnus، Washington: American Enterprise Institute for Public Policy Research, )
1969،1، p،169،
))1) النزاع الشرق الأوسطي، من وثائق أرشيف السياسة الخارجية لروسيا الاتحادية، تحرير فيتالي نعومكين، في جزأين: الجزء 1: 1947 – 1956 ،
الجزء 2: 1957 – 1967 ، موسكو 2003 ، ص 557 .
11) Johnson L،B، The Vantage Point، Perspectives of the Presidency، p، 289، )
))1) النزاع الشرق الأوسطي، مصدر سابق، ص 551 .
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
9
يخافون وجودنا في سورية .((1(»
ومع تنامي المؤشرات حول إمكانية وقوع حرب، صرّح جمال عبد الناصر، في 22 أيار/ مايو 1967 ، أمام
ضباط القاعدة الجوية في سيناء بأن «قوات الطوارئ الدولية نسيت مهمتها الأساسية، وأصبحت أداة
لتحقيق أهداف الإمبريالية، ولذلك فإننا نعدّهم قوة معادية))1) »، ويرى بعض المؤرخين مثل ر. تشيرتشل
أن الهدف من وراء الانتقاص من أهمية قوات الطوارئ الدولية وطلب رحيلها هو تخويف إسرائيل المتحفزة
للاعتداء، ورفع المكانة السياسية لعبد الناصر في عيون العرب. وهكذا فعل الرئيس عبد الناصر، حيث
فاجأ الجميع في 16 أيار/ مايو بطلب سحب قوات الطوارئ الدولية من سيناء. وقد أبلغ رئيس هيئة أركان
القوات المسلحة المصرية الجنرال فوزي الجنرال ريحلي بأنه أعطى أوامره للقوات المسلحة المصرية لتكون
جاهزة للعمليات ضد إسرائيل، بمجرد اعتدائها على أي دولة عربية))1).
وفي 19 أيار/ مايو، غادرت قوات الطوارئ الدولية قطاع غزة، وأنزل علم الأمم المتحدة وتم حلّ القوات
في الشرق الأوسط. وفي 21 أيار/ مايو، غادروا شرم الشيخ وحلّت القوات المصرية مكانها. وقد عبّر الأمين
العام للأمم المتحدة يو ثانت، في لقائه بالرئيس عبد الناصر والقيادة المصرية، عن قلقه من القرار الذي
اتخذه الرئيس، لأنه سيجعل الحرب مع إسرائيل حتمية. وتحدث المشير عبد الحكيم عامر )النائب الأول
للرئيس عبد الناصر( في لقائه في القاهرة، 19 أيار/ مايو 1967 ، بالسفير السوفيتي في الجمهورية العربية
المتحدة د. بوجيدايف بأن الغرب مارس ضغوطات على الأمين العام، لكي يتملص من مطالب مصر بسحب
قوات الأمم المتحدة من سيناء وغزة))1). ويعتقد بعض المؤرخين الإسرائيليين والغربيين بأن مصر تصرفت
هكذا ضد قوات الطوارئ الدولية، لكي تشعل الحرب ضد إسرائيل))1).
شبه الرئيس الأميركي جونسون حالة انسحاب القوات الدولية بأنها كمظلة سُحبت، عندما بدأ المطر))1).
ويبدو أن الرئيس عبد الناصر تسرع في قراره، حيث يشار إلى أنه لم يرغب في سحب كامل القوات الدولية،
وخاصة من الأماكن الحساسة مثل شرم الشيخ))1). إذ أكد الرئيس الأميركي في مذكراته أن الرئيس عبد
الناصر لم يفكر في محاربة إسرائيل.
وردًا على إعلان إسرائيل التعبئة العامة للجيش الإسرائيلي، أعلنت مصر في 16 أيار/ مايو حالة الطوارئ
في البلاد، ورفع الجاهزية القتالية للجيش المصري. وورد في التصريحات الصادرة من مصر وسورية تأكيدات
))1) المرجع السابق ص، 551 – 552 .
14) Documents on the Middle East، Ed، By R،H، Magnus، Washington: American Enterprise Institute for Public Policy )
Research, 1969،1، p.197،
))1) ر، و و، تشرتشل، حرب الأيام الستة، تل أبيب، مكتبة عالية، 1990 ، ص 38 .
))1) النزاع الشرق الأوسطي، مصدر سابق، ص 557
))1) رمضان داوروف، الحرب العربية الإسرائيلية 1967 من منظور السياسة والدبلوماسية السوفيتية، موسكو، 2007 ، ص 43 .
18) Johnson L،B، The Vantage Point، Perspectives of the Presidency، p، 290، )
))1) رمضان داوروف، ص 45 .
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
10
أنهما جاهزتان للحرب) 2)). وفي 22 أيار/ مايو، زار الرئيس عبد الناصر برفقة المشير عبد الحكيم عامر الخطوط
الأمامية لمواقع القوات المصرية في سيناء، وألقى كلمة مشبعة بروح الحرب. ومما قاله: «مياه مضيق تيران
تعتبر مياهنا الإقليمية 2(» ))؛ وذلك في إشارة إلى مكانة المضيق بالنسبة إلى حركة الملاحة الإسرائيلية.
وفي اليوم التالي، أغلقت مصر مضيق تيران، وأعاقت مرور السفن الإسرائيلية إلى ميناء إيلات، ولم يكتف
عبد الناصر بذلك، بل أقدم على خطوة جدية أخرى، وهي منع السفن الإسرائيلية وسفن الدول الأخرى من
الدخول في خليج العقبة، عبر مضيق تيران. وشرح الرئيس عبد الناصر للسفير السوفيتي بأن هذه القرارات
هي بهدف إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل عدوان ) 2)) 1956 .
فهمت إسرائيل قرارات القيادة المصرية بأنها إعلان حرب؛ إذ قالت غولدا مائير وزيرة الخارجية الإسرائيلية
في 1 آذار/ مارس 1957 ، في خطاب دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة: «إن تدخّل القوات المسلحة في منع
السفن التي تحمل العلم الإسرائيلي من المرور بحرية وبدون عوائق إلى خليج العقبة، عبر مضيق تيران،
ستعدّه إسرائيل بمثابة عدوان، وبالتالي يحق لإسرائيل ممارسة حقها السيادي في الدفاع عن النفس وفق
المادة 51 من نظام الأمم المتحدة، وكذلك اتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين حرية المرور بدون عوائق للسفن
الإسرائيلية في الخليج والمضائق 2(» )). ولهذا أعلنت إسرائيل في 20 أيار/ مايو التعبئة الجزئية لقواتها) 2)).
ويتذكر أنور السادات في وقت متأخر أن الرئيس عبد الناصر أشار إلى موضوع إغلاق المضيق والخليج،
وقال: «بتجميع قواتنا في سيناء الآن، فإن احتمال الحرب 50 على 50 ، ولكن إذا أغلقنا المضيق، فإن احتمال
نشوب الحرب سيصبح 2(»% 100 )). ويضيف السادات أن هذا القرار اتخذه الرئيس عبد الناصر وحده، ولم
يتشاور مع سورية والأردن.
وفي خطاب الرئيس عبد الناصر، في 22 أيار/ مايو 1967 قال: «اليهود يهددوننا بالحرب، ونحن نقول لهم:
تفضلوا فنحن مستعدون للحرب. فقواتنا المسلحة وشعبنا جاهزون للحرب. ونعطي لإسرائيل ورابين )قائد
القوات المسلحة الإسرائيلية في حينها( فرصة لكي يجربوا قواتهم ضدنا) »((2 . وتأكيدًا لذلك قال المشير عامر،
في حديث مع السفير السوفيتي في القاهرة بوجيدايف: «إن مجرد وجود قوات الطوارئ الدولية على الأرا 􀘹ضي
المصرية استخدم لوقت طويل من قبل الملكين حسين وفيصل وغيرهم من الدوائر الرجعية العربية، للنيل
من السياسة الخارجية المصرية. وكانوا يقولون إن كل تصريحات عبد الناصر بدعم سورية والفلسطينيين
) 2)) ر، و و، تشرتشل، حرب الأيام الستة، تل أبيب، مكتبة عالية، 1990 ، ص 88 ،
) 2)) رمضان داوروف، ص 47 .
) 2)) النزاع الشرق الأوسطي، مصدر سابق، ص 562 .
) 2)) رمضان داوروف، ص 78 .
24) Ibid, p،47، )
) 2)) مذكرات الرئيس أنور السادات
26) Documents on the Middle East، Ed، By R،H، Magnus، Washington: American Enterprise Institute for Public Policy )
Research, 1969،1، p،198،
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
11
عبارات جوفاء. أما الآن بعد رحيل القوات الدولية، فيجب على تلك الدول العربية أن تدعم مصر) .»((2
وبالفعل، أعلنت الدول العربية التعبئة العامة. هكذا فعلت لبنان وجيش التحرير الفلسطيني بقيادة
أحمد الشقيري الذي حصل على أسلحة ثقيلة، ووضعت في الجبهة السورية مع إسرائيل. وفي 18 أيار/
مايو أعلنت التعبئة العامة كل من العراق والكويت. أما ملك السعودية، الذي كان في زيارة لبريطانيا في
23 أيار/ مايو، فقد أمر القوات المسلحة السعودية بأن تكون في جاهزية كاملة للمشاركة في صد العدوان
الإسرائيلي) 2)) وتبعتهم السودان في إعلان التعبئة.
في 17 أيار/ مايو، بدأت الأردن التعبئة العامة، وأعلنتها رسميًا يوم 24 أيار/ مايو. وفي 30 أيار/ مايو،
سافر الملك حسين إلى القاهرة، ووقّع مع عبد الناصر اتفاقية الدفاع المشترك التي تتعهد الأردن بموجبها
بوضع قواتها المسلحة تحت إمرة الفريق عبد المنعم رياض الذي عُيّن قائدًا عامًا للقوات العربية في الأردن.
وبحسب أقوال غولدا مائير فإن إسرائيل بعثت رسائل عدة للملك حسين، بأنها لن تتعرض له، إذا امتنع عن
الدخول في الحرب) 2)). ولتقدير حالة الجيش المصري، راقبت المخابرات الإسرائيلية تحركات القوات المصرية
في اليمن، ودرست مدة إقامتها هناك) 3)).
وقد أعلن راديو القاهرة أن القوات المصرية والسورية أصبحت في حالة التعبئة القصوى، يوم 18 أيار/
مايو. وقد ألقى الرئيس عبد الناصر خطابين مهمين: الأول في 26 أيار/ مايو 1967 أمام ممثلي النقابات
العربية، والثاني في 29 أيار/ مايو في مجلس الشعب. وتحدث فيهما عن استعداد الدول العربية للحرب
)العراق والكويت والجزائر( وإرسال قواتهم إلى الأردن وسورية. وقال إن هذه مساعدة عربية، وإننا نشهد
انتفاضة الأمة العربية التي كانت في يوم ما في حالة من اليأس) 3)).
وقد امتدح عبد الناصر الاتحاد السوفيتي واصفًا إياه ب «الصديق ». وقال إن الاتحاد السوفيتي لا يتدخل
في سياستنا الداخلية. واستشهد الرئيس بكلمات وزير الحربية شمس بدران الذي أتى من موسكو برسالة من
رئيس الحكومة السوفيتية ألك 􀘠سي كوسيغين، تقول: «الاتحاد السوفيتي يدعمنا في كفاحنا، ولن يسمح لأي
قوة عظمى أن تتدخل حتى تعود الأوضاع إلى ما قبل 1956 ”. وبعد ذلك أرسلت الجزائر في 29 أيار/ مايو قوة
عسكرية لدعم مصر ضد إسرائيل، وتبعتها الكويت والعراق الذي وقع مع مصر اتفاقية دفاع مشترك في 4
حزيران/ يونيو. وانتشرت في البلدان العربية حملة دعائية ضد إسرائيل تردد: «الموت لإسرائيل) .»((3
وأصبح واضحًا للمراقبين أن الحرب قادمة لا محالة. وأرسلت مصر كتيبتين إلى الأردن لقطع طريق تل
) 2)) النزاع الشرق الأوسطي، مصدر سابق، ص 558 .
) 2)) ر، و و، تشرتشل، حرب الأيام الستة، تل أبيب، مكتبة عالية، 1990 .
) 2)) رمضان داوروف، ص 51 .
) 3)) إ، زفياغيلسكايا، ت، كاراسوفا، أ، فيدورتشينكو، دولة إسرائيل، موسكو، 2005 ، ص 166 .
31) Documents on the Middle East، Ed، By R،H، Magnus، Washington: American Enterprise Institute for Public Policy )
Research, 1969.
) 3)) رمضان داوروف، ص 45 .
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
12
أبيب القدس. وفي 2 حزيران/ يونيو انتقل الفريق عبد المنعم رياض إلى الأردن لقيادة العمليات العسكرية،
وقبله في 30 أيار/ مايو، وصل أحمد شقير ليقود العمليات الفدائية ضدّ إسرائيل. وزار زكريا محي الدين نائب
الرئيس المصري كلً من الأردن والجزائر والعراق وسورية. لكن دمشق رفضت الاعتراف بالاتفاقية الأردنية
المصرية، لأسباب سياسية، حيث وصل إلى السلطة في دمشق الجناح اليساري في حزب البعث بعد حركة
23 شباط/ فبراير 1966 بقيادة صلاح جديد. وقد كان الرفض السوري حادًا للاتفاق مع المملكة الأردنية،
لدرجة أن القيادة السورية كانت مستعدة لسحب التصريحات حول التهديدات الإسرائيلية لسورية) 3)).
ويقول المؤرخ الغربي ديليب هيرو إن إسرائيل آذنت حليفها الولايات المتحدة بأنها ستبدأ الحرب، بعد أن
تنسحب قوات الطوارئ الدولية ويغلق مضيق تيران وتوقع اتفاقية بين مصر والأردن عن الدفاع المشترك
ويرسل العراق قواته إلى الأردن. وسادت في الأوساط الشعبية العربية -بتوجيه من الحكومات- فكرة أن
النصر الحاسم على إسرائيل مسألة وقت) 3)).
) 3)) النزاع الشرق الأوسطي، مصدر سابق، ص 574 .
34) Hiro D، The Essential Middle East، London, 2003، )
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
13
ثالثًا: المقاربة السوفيتية لقضايا الشرق الأوسط في الوثائق السوفيتية:
أهم العوامل التي كانت تحرك السياسة الخارجية السوفيتية هي طبيعة العالم الذي تكوّن في منتصف
خمسينيات القرن الما 􀘹ضي. وهو انقسام العالم إلى حلفين عسكريين سياسيين: حلف الناتو وحلف وارسو،
وثنائية القطب الحاكمة للعالم بقيادة الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأميركية، والحرب الباردة
التي طبعت كل الأحداث في العالم، وتحكمت في الصراعات السياسية والاقتصادية والعسكرية. ويعتقد
الباحث الرو 􀘟سي داوروف أن الدول العظمى غذت الصراع بين العرب واليهود، لتثبيت حضورها في الشرق
الأوسط) 3)). وهناك عامل آخر مهم أثر في بلورة السياسة الخارجية السوفيتية في الشرق الأوسط وهو العامل
الأيديولوجي واستناد القيادة السوفيتية في تحليلاتها إليه. أي إن توجه السوفييت تجسد في هدفين: الأول
براغماتي وهو المصالح المباشرة؛ والثاني نظري وهو الأفكار والأيديولوجيا) 3)). ولنتذكر موافقة ستالين على
إنشاء دولة إسرائيل عام 1947 ، وما هي حيثياتها. كان يريد -كما تقول الوثائق- استخدام إسرائيل أو وجود
إسرائيل لخلق صراع في المنطقة، يضر بمصالح الغرب ويفيد الاتحاد السوفيتي. أي أن الهدف الأكبر للاتحاد
السوفيتي في الشرق الأوسط هو هدف أيديولوجي جيوسيا 􀘟سي ومصلحي.
في الحقيقة، هناك صعوبة بالغة في دراسة تلك الحرب وما سبقها من مواقف سياسية وما تلاها، لأن
الحقيقة كاملة لم تُقل، بل كانت تعلن المواقف الرسمية من دون معرفة الحيثيات وطريقة صنع القرارات
التي كانت تحضر في أروقة المكتب السيا 􀘟سي للحزب الشيوعي السوفيتي ووزارة الخارجية السوفيتية وفي
الحكومة. وهناك فرضيات تقول بأن حرب 67 جاءت إما كمؤامرة إسرائيلية أميركية لإسقاط الأنظمة
الوطنية التقدمية في القاهرة ودمشق، وإما كمؤامرة سوفيتية لربط قادة مصر وسورية بالسياسة
السوفيتية وإجبارها على تقديم الولاء والطاعة للسوفيت في كل مايريدونه في الشرق الأوسط، وإما كمؤامرة
عربية حيث زودت الأنظمة في دمشق والقاهرة موسكو بمعلومات مزيفة لجرّها إلى الحرب إلى جانب العرب
وقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل.
لكن النقد العام لهذه النظريات يكمن في أنه من الخطأ التصور بأن النخب السياسية الحاكمة في
موسكو وواشنطن وتل أبيب وفي البلدان العربية كانت منسجمة وموحدة، بل كانت هناك تناقضات معلنة
وأخرى مخفية أثرت في اتخاذ القرارات، ومنها المتعلقة بحرب 67 . والوضع في الاتحاد السوفيتي مختلف
تمامًا عما هو موجود في العالم، لأن المواقف المعلنة والسياسات الداخلية والخارجية كلها تعكس وحدة
صلبة في المواقف الرسمية، ولا يسمح بأي تصريح أو نشر أي معلومة تخرج ولو قليلً عن السياسة الرسمية
)في عهد ستالين كان مصير الكاتب الموت فورًا(.
وعند الحديث عن السياسة الرسمية المعلنة للاتحاد السوفيتي في الشرق الأوسط في فترة حرب 1967 ،
نجد أنها ترتكز على الثوابت التالية: إيجاد حل شامل وعادل في المنطقة، ودعم السلام والأمن والتخفيف من
) 3)) رمضان داوروف، ص 45 .
) 3)) صرف السوفييت مليارات الدولارات لمساعدة الأنظمة «الوطنية التقدمية »، في الجزائر وسورية ومصر والعراق واليمن والصومال، تحت
شعار دعم حركات التحرر الوطنية، ودفعها أكثر في اعتماد الفكر الاشتراكي، الذي اخترع المفكرون السوفييت له تسمية البلدان ذات «التوجه
الاشتراكي » أو ذات «طريق التطور اللارأسمالي .»
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
14
حدة التوتر في العالم، واعتبار سياسة إسرائيل المدعومة من الإمبريالية العالمية سياسة عدوانية وتوسعية،
وإظهار الدول العربية كضحية للأفعال الإسرائيلية العدوانية، ودعم الكفاح العادل للشعوب العربية
كحركة تحرر وطنية.
ولكن بعد البيريسترويكا وانهيار الاتحاد السوفيتي، في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن
الما 􀘹ضي؛ بدأت تظهر مقاربات جديدة حول الأحداث التاريخية المفصلية والدور السوفيتي فيها، ومنها حرب
1967 وهذه النظرة أقرب لليبرالية ويصفها البعض ب «الديمقراطية »، وهي تصف السياسة الخارجية
السوفيتية بالفاشلة، من حيث النتائج، والمكلفة ماديًا، والمؤدلجة إلى درجة كبيرة، وبأنها أضرّت بمصالح
الشعب السوفيتي. وتعتبر هذه النظرة الليبرالية الجديدة أن الاتحاد السوفيتي دعم «المعتدين العرب » على
إسرائيل الذين هددوا أمنها، علمًا أن تلك البلدان تحكمها أنظمة شمولية معادية للديمقراطية، وهي قريبة
من الأنظمة الشيوعية التي يعدّ الاتحاد السوفيتي مهدها الأول. ومن المعروف أن روسيا الاتحادية، بعد
انهيار الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينيات، استعادت فورًا علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل في وقت
كانت علاقاتها ضعيفة جدًا مع الدول العربية. ويرى بعض المحللين الروس أن الاتحاد السوفيتي كان يبحث
عن تثبيت مواقعه في المنطقة، وتحقيق مصالحه الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية من خلال دعم
الأنظمة الحاكمة في العديد من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ويرى بعض المؤرخين أن غياب المصادر الموثوقة تقودنا إلى الاعتقاد بوجود اتجاهين في وزارة الخارجية
السوفيتية متنافسين حول السياسة الخارجية السوفيتية، تجاه إسرائيل والعرب) 3)). وهناك وثيقة مؤرخة
في 19 آذار / مارس 1966 تؤكد هذا الاعتقاد، وهي «رسالة رئيس قسم الشرق الأوسط في وزارة الخارجية
السوفيتية أ. شيبورين، حول خطاب السفير السوفيتي في إسرائيل 3(» ))، إذ وردت فيها معلومات من السفير
السوفيتي في العراق إلى قيادة وزارة الخارجية السوفيتية، استنادًا إلى مصادر عربية، عن عدم ر 􀘹ضى
«المجتمع المحلي » حول «تصريحات تصالحية: للسفير السوفيتي في إسرائيل السيد د. تشوفاخين. وهذه
الانطباعات سببها مشاركة السفير تشوفاخين في مأدبة غداء بدعوة من منظمة «المؤتمر اليهودي » في تل أبيب
حيث قال إن بلاده تريد إيقاف سباق التسلح في الشرق الأوسط وتوقيع اتفاقية بين العرب وإسرائيل، لكي
تستطيع شعوب المنطقة رفع مستواها المعي 􀘢شي. وحاول تشوفاخين دون جدوى نفي ما نشرته وسائل الإعلام
العراقية، لأنه كان مضطرًا إلى تأكيد ما يلي: إنه بالفعل تحدث عن اقتراح الاتحاد السوفيتي بخصوص إنشاء
منطقة خالية من السلاح النووي في منطقة الشرق الأوسط والأدنى، وأن تحقيق هذا الاقتراح سيدعم
عملية إضعاف التوتر في هذه المنطقة. ويوجه شيبورين نقدًا للسفير تشوفاخين على تصريحاته التي لا تراعي
حساسية الوضع في الشرق الأوسط، وكذلك العلاقات السوفيتية العربية.
) 3)) النزاع الشرق الأوسطي، مصدر سابق، ص 490 – 491
) 3)) المرجع السابق، ص 490 .
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
15
رابعًا: مصر وسورية والاتحاد السوفيتي أثناء التحضير للحرب
ساد شعور لدى كثير من الباحثين في إسرائيل بأن الاتحاد السوفيتي هو من شجّع الدول العربية على
التسلح ضد إسرائيل وزعزعة الاستقرار في المنطقة. ولكن الحقائق والوثائق تقول العكس؛ ففي مقابلة بين
السفير السوفيتي ف. يروفييف والنائب الأول للرئيس المصري المشير عبد الحكيم عامر، في 2 تشرين الثاني/
نوفمبر 1960 ، يظهر تمامًا أن مصر هي التي كانت تطلب بإلحاح زيادة تسليح جيشها بالسلاح السوفيتي) 3)).
وحاول المشير عامر في هذه المقابلة إقناع السفير السوفيتي بأن الوضع في الشرق الأوسط يتدهور، وفي الوقت
نفسه أشار المشير عامر إلى التقارب الأيديولوجي بين الاتحاد السوفيتي ومصر الناصرية. وقد كتب السفير
يروفييف: «أورد المشير عامر أمثلة لإثبات فكرته بقوله: إن سياسة الحكومة المصرية القائمة على الحياد
ودعم الشعوب المناضلة من أجل استقلالها تساعد حركات التحرر الوطني في أفريقيا، وتلحق الضرر بمصالح
الدول الغربية، التي تستخدم إسرائيل للضغط على مصر، وهذا يشكل خطرًا حقيقيًا على مصر، ولتفادي
هذه المخاطر فإن الحكومة المصرية تطلب من الاتحاد السوفيتي مزيدًا من الأسلحة. وقد أرسلت الخارجية
السوفيتية رسالة إلى سفيرها في إسرائيل توضّح له الموقف الرسمي من إنتاج إسرائيل للسلاح النووي ،((4(»
وأبلغ الدبلوما 􀘟سي المصري م. حبيب في واشنطن حينها المستشار في السفارة السوفيتية في واشنطن ب.
دافيدوف بأن مصر مستعدة لقبول طلبات الاتحاد السوفيتي باستثناء إيقاف ملاحقة الشيوعيين والعناصر
التقدمية في سورية ومصر. وأضاف حبيب: إن أصرت موسكو على هذا الطلب، فإن مصر ستتوجه إلى أميركا
للمساعدة في إنتاج أسلحة نووية. ولكن السوفييت -كما يشير داوروف- لم يخضعوا للابتزازات المصرية،
لقناعتهم بأن الأميركان لن يساعدوا مصر في الحصول على السلاح النووي وكذلك لوجود اتفاقيات بين
الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، بشأن نزع ومنع انتشار السلاح النووي))4).
لكن العلاقات السوفيتية المصرية تنشطت في أواسط الستينيات، إذ قام الرئيس جمال عبد الناصر بزيارة
إلى موسكو، امتدت من 27 آب/ أغسطس حتى 1 أيلول/ سبتمبر 1965 ، التقى خلالها بالقيادة السوفيتية.
وفي أثناء تلك الزيارة، باعت موسكو لمصر قبيل حرب حزيران/ يونيو عددًا من طائرات ميغ وقاذفات تو-
16 وصواريخ متنوعة. وبعد انقلاب شباط/ فبراير 1966 في سورية، وقّعت القيادة الجديدة اتفاقيات مع
الاتحاد السوفيتي للحصول على قروض وأسلحة. وكان الإسرائيليون يخشون النظام في دمشق أكثر من
مصر، لتصورهم بأن البعثيين يريدون القضاء على دولة إسرائيل، وكان البعثيون يعملون على استغلال
علاقاتهم مع موسكو لتحقيق أهدافهم. وتحسّنت العلاقات السورية السوفيتية، وقام الاتحاد السوفيتي
ببناء سد الفرات الذي يشبه السد العالي في أسوان بمصر. وتوسعت العلاقات الحزبية بين سورية والاتحاد
السوفيتي، وأصبحت سورية محطّ اهتمام سوفيتي كبير، واتضح ذلك قبيل حرب حزيران/ يونيو ))4) 1967 .
ويرى الباحث داوروف أن “الصقور” في القيادة السوفيتية لم يخفوا رغبتهم في جرّ الولايات المتحدة
) 3)) المرجع السابق، ص 345 – 347 .
))4) المرجع السابق، ص 358 .
))4) رمضان داوروف، ص 78 .
))4) النزاع الشرق الأوسطي، مصدر سابق، ص 526 – 528
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
16
إلى حرب في الشرق الأوسط لتوريطهم، كما حصل في فيتنام. وقد كانوا في الاتحاد السوفيتي واثقين من
أن أميركا لا تريد الحرب في الشرق الأوسط، وأنها ستُقنع إسرائيل بقبول الأمر الواقع، في ما يخص الحصار
البحري من قبل مصر، وهو إغلاق مضيق تيران وخليج العقبة في نهاية أيار/ مايو عام 1967 . وقد ثبت خطأ
هذه التصورات عن الوضع السيا 􀘟سي الدولي، إذ لم تقدّر القيادة السوفيتية الرغبة الأميركية في توجيه
ضربة للأنظمة الوطنية التقدمية من خلال إسرائيل لكي تسقط تلك الأنظمة وتتحول إلى تابعة للغرب))4).
ويجب الاعتراف بالحقيقة، وهي أن الولايات المتحدة كانت تمتلك معلومات أدق وأكثر عن المنطقة مقارنة
بالاتحاد السوفيتي؛ فالمعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية التي وصلت إلى موسكو، التي تشكك في القدرات
الحربية للدول العربية، كانت تستقبلها موسكو كشائعات وتزوير للحقائق، ولم تأخذها في الحسبان. ذلك
بأن الاعتراف بهذه المعلومات -يتابع فاسيليف- يعني الانتقاص من الحكمة والاستشراف لدى القيادة
السوفيتية، وخاصة أن ليونيد بريجنيف كان بحاجة ماسة إلى كسب ودّ العسكريين لتقوية موقع الداخل،
وكان عليه أن يصدق ما يقولونه) 4)). وثمة أمرٌ آخر لم يلق الاهتمام الكاِفي، وهو أن السياسيين والعسكريين
السوريين والمصريين كانوا -على ما يبدو- يضللون القيادة السوفيتية، لكي يجروها أكثر إلى التعاون معهم ضد
إسرائيل. وذلك تؤكده تصريحات شمس بدران للسوفييت، وكذلك تصريحات السادات للقيادة السوفيتية
في موسكو، حيث قال المشير محمد الجم 􀘠سي، نقلً عن رئيس أركان القوات المسلحة المصرية الفريق محمد
فوزي، إن مصر لم تحصل على أي أدلة ملموسة تؤكد صحة المعلومات عن حشودات إسرائيلية على الحدود
السورية، ولكن القادة في مصر اتخذوا قرارًا إستراتيجيًا بالاستعداد للحرب))4). ولكن هناك معلومات موثقة
من أرشيف وزارة الخارجية السوفيتية نشرت حديثًا تقول إن عبد الناصر حاول إقناع السفير السوفيتي في
القاهرة بأن “إسرائيل تنقل قواتها بسرعة من المناطق الشمالية إلى الحدود الجنوبية”. وأبلغ الرئيس عبد
الناصر السفير السوفيتي بأن “الحكومة المصرية أبلغت في يوم 14 أيار/ مايو الحكومة السورية باستعداد
مصر للمشاركة فورًا ضد إسرائيل، في حال اعتدائها على سورية”))4).
أما في أوساط القيادة العسكرية السوفيتية، فكانت هناك بعض الخصوصيات؛ حيث عدّ جزء من كبار
القادة العسكريين السوفيت أن من واجب الاتحاد السوفيتي مساعدةَ حلفائه العرب الذين يملكون تفوقًا
عسكريًا مقارنة مع إسرائيل، ولكن ضباط الرتب المتوسطة، كالخبراء والمستشارين العسكريين السوفييت
العاملين في الجيوش العربية، كانوا يعرفون الحقيقة عن كفاءة تلك الجيوش في مصر وسورية. ولكنهم،
خوفًا من اتهامهم بمخالفة الرؤية السائدة لدى القيادة العليا، وبسبب الانضباط العسكري الصارم، لم
يتجرؤوا على إبلاغ القيادة في موسكو، عن تشكيكهم في ما يقال عن جاهزية الجيشين المصري والسوري))4).
أصدرت الحكومة السوفيتية، بضغط من الرئيس المصري جمال عبد الناصر، بيانًا في 23 أيار/ مايو
1967 ، انتقدت فيه الهوس العسكري الإسرائيلي، وذكرت انتقادًا لأوساط إمبريالية معينة تريد إعادة
الاستعمار على أرض العرب. ويذكر البيان أن الحفاظ على السلم والأمن في مناطق قريبة من حدود الاتحاد
))4) رمضان داوروف، ص 83 .
) 4)) المرجع السابق، ص 80 .
))4) ، النزاع الشرق الأوسطي، مصدر سابق، ص 551 .
))4) المرجع السابق ص، 552
))4) المرجع السابق ص، 555 .
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
17
السوفيتي يلبّي المصالح الحيوية لشعوب الاتحاد السوفيتي. وحاول الاتحاد السوفيتي إطالة الوقت ليساعد
العرب في التحضير للحرب التي أصبحت وشيكة.
وفي لقاء الممثل السوفيتي في الأمم المتحدة ن. فيديرينكو بالسفير المصري محمد القوني، في 17 أيار/ مايو،
عُرف قرار مصر إجلاء القوات الدولية. وقال القوني لفيديرينكو: إن العدوان المحتمل لإسرائيل لن يكون
ضد سورية فقط، بل ضد دول عربية مثل الأردن ولبنان))4). وأضاف فيديرينكو أن القوني يرى أن لا حاجة
إلى عقد جلسة لمجلس الأمن، واعتبر فيديرينكو ذلك أمرًا مستغربًا))4). وكان على موسكو أن تأخذ الحيطة
وتدقق في الأمر. فالبلدان العربية عادة كانت تطالب بعقد مجلس الأمن حتى في الأمور الصغيرة، فكيف إذا
تعلق الأمر باحتمال اعتداء إسرائيل على سورية.
))4) المرجع السابق، ص 555 – 556 .
))4) المرجع السابق، ص 557 .
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
18
خامسًا: العلاقات السوفيتية الإسرائيلية قبل حرب 1967 في الوثائق السوفيتية
توضح الرسالة التي بعثها إلك 􀘠سي كوسيغين رئيس الحكومة السوفيتية، في 26 أيار/ مايو 1967 ، إلى
ليفي أشكول الدعوة إلى اتخاذ كل الإجراءات لكيلا تبدأ الحرب. لكن أشكول اتهم الدول العربية بتهديد
أمن إسرائيل، وبالتالي لم يكن هناك خيار غير الوقوف مع «الأنظمة التقدمية العربية »، ولم تكن السياسة
السوفيتية -برأي داوروف- مرنة وموضوعية، بل منحازة إلى طرف واحد. ولم يصدق السوفيت ادعاءات
إسرائيل بأنها مستهدفة من العرب. وفي محادثة مع السفير السوفيتي في تل أبيب، في 27 أيار/ مايو 1967 ،
طلب أشكول مقابلة «القيادة السوفيتية، لمناقشة الوضع في الشرق الأوسط))5)، وفي 28 أيار/ مايو،
أعطت موسكو الموافقة على طلب أشكول مع تحفظ واحد، وهو «عدم معارضة الرئيس المصري والقيادة
السورية »))5)، ولم يكن لدى عبد الناصر اعتراضات على المحادثات بين موسكو وتل أبيب. لأن مصر -كما
عبّر عبد الناصر- «لا تنوي الهجوم على إسرائيل ». ويمكن لإسرائيل أن تصبح أكثر هدوءًا، بعد زيارة أشكول
لموسكو))5) لكن الحكومة السورية اتخذت موقفًا حادًا ورافضًا. وبالرغم من أن الرئيس عبد الناصر أعلن
للسفير السوفيتي في القاهرة في 1 حزيران/ يونيو 1967 أنه لا يتفق مع الخط الحاد المبالغ فيه للقيادة
السورية، فإنه في نهاية المطاف وافق مع السوريين بأن زيارة أشكول إلى الاتحاد السوفيتي ستثير موجة من
الغضب في البلدان العربية، وأضاف عبد الناصر أنه، عندما وافق على الاقتراح السوفيتي، كان يركز على
العامل الحربي أكثر من العامل المعنوي، وأراد كسب 4- 3 أيام. ورأى أن زيارة أشكول كانت لتعطي ضمانة
بأن إسرائيل لن تعتدي خلال أيام الزيارة. وقد سعى الاتحاد السوفيتي لدرء الحرب، وهذا ما تدل عليه
المراسلات الدبلوماسية قبيل حرب حزيران/ يونيو.
في 7 نيسان/ أبريل 1967 ، عندما اعتدت إسرائيل على سورية مستخدمة الطيران والدبابات والمدافع،
دعا نائب وزير الخارجية السوفيتي يا. مالك، في 21 نيسان/ أبريل 1967 السفير الإسرائيلي ك. كاتس، إلى
مبنى الخارجية في موسكو، وأبلغه أن السياسة التي تتبعها إسرائيل منذ سنوات، حيال جيرانها العرب،
محفوفة بالمخاطر، وأن الحكومة الإسرائيلية تتحمل المسؤولية كاملة عن ذلك. وتنتظر الحكومة السوفيتية
أن تقوم إسرائيل بتقييم الوضع الناجم بدقة، ولا تنجر وراء الأوساط التي تظهر قصر نظر سيا 􀘟سي، وتجعل
إسرائيل ألعوبة بيد القوى الخارجية المعادية. وتعرّض للخطر المصالح الحيوية للشعب ومصير البلاد))5).
وجاء في رسالة رئيس الحكومة السوفيتية ألك 􀘠سي كوسيغين، في 27 أيار/ مايو 1967 ، إلى الرئيس الأميركي
جونسون، توضيح للموقف السوفيتي من الصراع: «إذا قامت إسرائيل بالاعتداء، وبدأت الأعمال الحربية؛
فإننا سنقدم الدعم للدول التي تتعرض للعدوان .((5( »
))5) المرجع السابق، ص 579 – 580 .
))5) المرجع السابق، ص 579 .
))5) المرجع السابق، ص 580 .
))5) محادثة بين نائب وزير الخارجية السوفيتي يا، مالك، مع سفير إسرائيل في الاتحاد السوفيتي ك، كاتس، 21 نيسان/ أبريل 1967 ، الاتحاد
السوفيتي والتسوية الشرق أوسطية، 1967 – 1988 ، وثائق ومواد، ص 22.
))5) رسالة رئيس مجلس الوزراء في الاتحاد السوفيتي ن، كوسيغين إلى الرئيس الأمريكي ل، جونسون، 27 أيار/ مايو 1967 ، الاتحاد السوفيتي
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
19
ومع اقتراب يوم 5 حزيران/ يونيو المنكوب عام 1967 ، ازدادت الأوضاع في الشرق الأوسط توترًا. ففي
30 أيار/ مايو، أجرى وزير الخارجية الإسرائيلي أبا إيبان مؤتمرًا صحفيًا، وجّهت فيه إسرائيل إنذارًا للدول
العربية، بأن إسرائيل حذرت بأنها ستنتظر وقتًا محدودًا إلى أن تتم تلبية مطالبها. وقال أبا إيبان: إذا لم
تقم الدول الكبرى بفتح مضيق تيران فإن إسرائيل ستفتحه بنفسها. وفي الحقيقة لم يكن مهمًا للاتحاد
السوفيتي من يشرف على مضيق تيران ويحدد السفن التي تمرّ عبره. وعدّ أن إغلاق المضيق ليس سببًا مقنعًا
للحرب. وفي سياق إحباط المحاولات لإيقاف تدهور الوضع، قدّم وزير الخارجية السوفيتي أندريه غروميكو
مذكرة للسفير الإسرائيلي في موسكو ك. كاتس، بلهجة سلبية حادة ) 5)).
وانطلاقًا من إدراكها لخطورة الوضع، حاولت القيادة الإسرائيلية إقناع الاتحاد السوفيتي بأنها لا تنوي
شن الحرب ضد العرب، وأن حلفاء موسكو من العرب يضللونها. وقد عبرت رسالة وزير الخارجية السوفيتي
أندريه غروميكو إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي المؤرخة في 1 حزيران/ يونيو، عن القلق
الشديد للاتحاد السوفيتي من أن تتجه الأوضاع إلى غير مصلحة العرب. وفي الرسالة يحذر غروميكو رفاقه
في قيادة الحزب من احتمال إشعال إسرائيل للحرب ضد مصر، بحجة منع بواخرها من العبور من مضيق
تيران، وعن قيام إسرائيل بالتعبئة العامة. ولذلك يتابع غروميكو: «إن الفارق الزمني في درجة استعداد
إسرائيل للعمليات الحربية مقارنة مع مصر، وهي من 8 إلى 10 أيام، قد انتهت))5).
ولم تكن السياسة السوفيتية في الشرق الأوسط منحازة كليًا إلى العرب. ففي نيسان/ أبريل- أيار/ مايو
1967 ، لم توافق موسكو على إغلاق عبد الناصر مضيق تيران. علمًا أن الاتحاد السوفيتي دعم موقف عبد
الناصر شكليًا. وهناك من يعتقد -مثل العالم الهندي تشاندرا بوز- بأن الاتحاد السوفيتي هو من نصح عبد
الناصر بإغلاق مضيق تيران))5). ومن أجل اظهار الدعم لعبد الناصر، توجهت عدد من السفن الحربية
السوفيتية إلى مياه البحر المتوسط، في نهاية أيار/ مايو 1967 ، ولم يغير ذلك موازين القوى في المنطقة،
ولكنه دَعم عبد الناصر. ولم يتحمس السوفيت كثيرا لإجراءات عبد الناصر، لأنهم اعتقدوا أن مشكلة
المضائق قد تنتقل إلى البحر الأسود وتمسّ الاتحاد السوفيتي. وفي مثال آخر، عندما أعلن عبد الناصر في
26 أيار/ مايو 1967 أن الهدف الأسا 􀘟سي لمصر، إذا بدأت الحرب، سيكون «القضاء على إسرائيل »، نصحت
موسكو عبد الناصر تجنب هذه العبارات. وكما كتب تشاندرا بوز: في الساعة 3 من صباح 27 أيار/ مايو،
أيقظ السفير السوفيتي في القاهرة الرئيس عبد الناصر طالبًا منه عدم الابتداء بالحرب، لاعتقاد السوفيت
بأن عبد الناصر، بعد تصريحه الأخير حول إسرائيل، قد يشعل الحرب، بعد ساعات. وفي الوقت نفسه،
أيقظ السفير السوفيتي في إسرائيل رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول ] 3، ص 104 [، وسلّمه رسالة
من كوسيغين تطلب منه بذل كل الجهود لمنع اشتعال الحرب، ووجهت الرسالة لإسرائيل تهمة تآمرها مع
الإمبريالية ضد مصر وسورية))5). ويعتقد الباحث داوروف أن الاتحاد السوفيتي سعى للحلول الوسط في
والتسوية الشرق أوسطية، ص 25 .
) 5)) العرض المقدم من الخارجية السوفيتية للسفير الإسرائيلي في الاتحاد السوفيتي، 2 حزيران/ يونيو 1967 ، الاتحاد السوفيتي والتسوية
الشرق أوسطية، ص، 27 – 28 .
))5) النزاع الشرق الأوسطي، مصدر سابق، ص 571 .
))5) رمضان داوروف، ص 103 .
))5) المرجع السابق، ص 477 .
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
20
موضوع الشرق الأوسط، وهذا يتضح من خلال الوثائق الصادرة في نهاية أيار/ مايو 1967 عن القيادة
الحزبية والحكومية والخارجية السوفيتية.
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
21
سادسًا: الموقف الدبلوما 􀘟سي والسيا 􀘟سي للاتحاد السوفيتي أثناء حرب 1967
جوانب الموقف العسكري السيا 􀘟سي لحرب حزيران/ يونيو ونتائجه
في 1 حزيران/ يونيو، شكّل رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول حكومة الوحدة الوطنية، وكان وزير
الدفاع فيها الجنرال مو 􀘡شي دايان. وانطلقت الحكومة الجديدة من أن الحرب حتمية. وفي بداية أيار/ مايو
كانت المخابرات الإسرائيلية )الموساد( قد أنهت كل التحضيرات للحرب. وبدأت إسرائيل نشاطها الدبلوما 􀘟سي
استعدادًا للحرب. وفي 27 – 24 أيار/ مايو، زار أبا إيبان وزير الخارجية الإسرائيلي واشنطن وأوروربا، وطلب
منه الرئيس جونسون تأجيل الحرب لأسبوعين. وزار رئيس الاستخبارات الإسرائيلية مير عاميت واشنطن،
والتقى رئيس المخابرات المركزية الأميركية ر. هيلموس ووزير الدفاع الأميركي مكنمارا، وقال لاحقًا إنه حصل
على ضوء أخضر من واشنطن ببدء الحرب))5)، وقدّم تقريره في 5 حزيران/ يونيو للحكومة الإسرائيلية،
عن نتائج زيارته لواشنطن وصوّتوا بالإجماع لبدء العمليات الحربية))6). وفي الأعوام 1966 – 1965 وصلت
النفقات الحربية في إسرائيل رسميًا إلى 46 – 40 % من الميزانية. وكان التفوق العسكري في عدد الطائرات
والدبابات والمدافع والصواريخ لصالح الدول العربية، مقارنة بما لدى إسرائيل، مع فارق التفوق النوعي
للأسلحة الإسرائيلية؛ الألوية المدرعة 18 للعرب مقابل 10 لإسرائيل؛ وألوية المظليين 53 للعرب مقابل 9
لإسرائيل؛ والدبابات 2500 للعرب مقابل 1300 لإسرائيل؛ والمدافع 2780 للعرب مقابل 746 لإسرائيل؛
والقاذفات 557 للعرب مقابل 247 لإسرائيل؛ وصواريخ أرض- جو 26 للعرب مقابل 5 لإسرائيل))6).
سير العمليات العسكرية:
في الدقائق الأولى من الحرب، كانت الطائرات المصرية الموجودة في المطارات مدمَّرة بالكامل، حيث قصفوا
19 مطارًا مصريًا، وبعد منتصف النهار اتجهت الطائرات الإسرائيلية لقصف الأرا 􀘹ضي السورية والأردنية.
وقبل ليلة 5 حزيران/ يونيو، كان الإسرائيليون قد دمروا 416 طائرة عربية، منها 383 على الأرض، ويتساؤل
الباحث الرو 􀘟سي داوروف: لماذا بقيَت الطائرات الحربية المصرية بدون حماية، علمًا أن السياسيين ووسائل
الإعلام العربية كانوا يتحدثون بالانتصار على إسرائيل، وبأن المسألة هي في التوقيت فقط))6). ويقول داروف
إن أغلب أفراد الجيش المصري كانوا من الفلاحين الأميين، أما الضباط فقد تحولوا إلى طبقة بيروقراطية
)بورجوازية())6)، إضافة إلى عدم المسؤولية وقلّة الموهبة لدى المشير عبد الحكيم عامر، والمجموعة المحيطة
))5) رمضان داوروف، ص 112 .
))6) إ، زفياغيلسكايا، ت، كاراسوفا، أ، فيدورتشينكو، دولة إسرائيل، موسكو، 2005 ، ص 177
61) Bregman A، Israel’s Wars، A History since 1947، London and New York, 2002، P:76، )
))6) رمضان داوروف، ص 117 .
))6) إ، ميرسكي، صراع نظامين حول العالم الثالث ونتائجه، الشرق والغرب وروسيا، مجموعة مقالات، موسكو 2002 ، ص 119 .
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
22
به))6) مقارنة بالمستوى العالي من عمل المخابرات الإسرائيلية )الجنرال دايان اعترف بأن 50 % من نجاح
إسرائيل في الحرب يعود للمخابرات الإسرائيلية(. ويرى أن عبد الناصر اتهم الطيارين الأميركان والإنجليز
بتدمير الطائرات المصرية، لكي يحفظ ماء الوجه. وأخفت القاهرة عن موسكو في اليوم الأول للحرب حقيقة
الخسائر، لكن المقدم الطيار الأميركي بو لارسون اعترف بوصول 192 طيارًا أميركيًا في حزيران/ يونيو 1967
إلى إسرائيل، على هيئة سائحين. وهناك من يرى أن الأردن هي أكثر دولة عربية استطاعت أن تحارب في
حزيران/ يونيو 1967 . أما سورية التي استعرضت قيادتها قوتها قبل الحرب، فقد اكتفت في أول يوم للحرب
بإطلاق قذائف على المستوطنات الإسرائيلية، من المدافع البعيدة المدى. وتدخلت سورية في الحرب في
اليوم الثاني 6 حزيران/ يونيو. ويرى البعض أن عدم الحسم لدى السوريين يعود إلى عدم ارتياحهم للاتفاق
المصري الأردني قبيل الحرب. وفي 9 حزيران/ يونيو، أعطى دايان أمرًا بمهاجمة سورية))6).
نتائج الحرب:
مصر خسرت 100 ألف شهيد وجريح، و 800 دبابة، و 258 طائرة ميغ، و 68 قاذفة إيل، و 28 مقاتلة
هانتر، و 10 آلاف شاحنة ومئات المعدات. في الأردن، استُشهد 15 ألف إنسان، وسقط في إسرائيل 679 قتيلً
و 2563 جريحًا، بشكل عام قُتل 13 ألف من الجانب العربي، و 8 آلاف وقعوا في الأسر لدى إسرائيل. وخسرت
مصر % 80 من أسلحتها. وبنتيجة الحرب، تحوّل نصف مليون فلسطيني إلى لاجئ في مصر وسورية والأردن
ولبنان. والأهم من كل ذلك أن إسرائيل احتلت سيناء وغزة والجولان والضفة الغربية والقدس الشرقية.
ويحلل الباحث الرو 􀘟سي داوروف نتائج حرب حزيران/ يونيو، ويشير إلى تصاعد الأفكار الإسلامية المتطرفة،
ويرى أن هزيمة حزيران/ يونيو هي خسارة لحلفاء الاتحاد السوفيتي من الدول العربية، وهزيمة للسلاح
السوفيتي، وهو أكبر هزيمة منذ أزمة الصواريخ في كوبا) 6)).
الاتحاد السوفيتي وحلفاؤه العرب: الإنجازات والتناقضات خلال التعاون العسكري
والسيا 􀘟سي
الاتحاد السوفيتي أصدر بيانًا باسم الحكومة السوفيتية، في 5 حزيران/ يونيو، طلب من إسرائيل العودة
إلى حدود 4 حزيران/ يونيو، ووصف إسرائيل بالمعتدية، وبأنها تنفذ خطط الإمبريالية العالمية. وقام وزير
الخارجية السوفيتي أندريه غروميكو بنشاط دبلوما 􀘟سي مكثف في مجلس الأمن، وتحركت الدول الاشتراكية.
وفي برقية وزارة الخارجية السوفيتية إلى السفراء السوفيت في البلدان الاشتراكية، ورد ما يلي: «إن الاتحاد
السوفيتي نبّه الدول العربية إلى ضرورة رفع اليقظة، وعدم إعطاء حجج للعناصر العسكرية والموالية
للإمبريالية في إسرائيل، لبدء العمليات الحربية وإلحاق الضرر بالبلدان العربية))6) .»
))6) المرجع السابق، ص، 88 – 89 .
))6) رمضان داوروف، ص 119 .
) 6)) المرجع السابق، ص 130 .
))6) النزاع الشرق الأوسطي، مصدر سابق، ص 583 .
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
23
أذاعت وسائل الاعلام السوفيتية، في أول يوم من الحرب، نقلً عن الإعلام السوري والمصري، أن الجيوش
العربية دخلت الأرا 􀘹ضي الإسرائيلية، ولم تصدق موسكو كلمات عبد الناصر بتدخل أميركي وبريطاني إلى
جانب إسرائيل. وعندما أقام السفير المصري في موسكو مؤتمرًا صحفيًا، وأدان أميركا وبريطانيا على التدخل
ضد مصر، لم تنشر وسائل الإعلام السوفيتية هذه المعلومة. وكان هناك انطباع غير معلن بأن العرب يريدون
جرّ الاتحاد السوفيتي للقتال إلى جانبهم، ولكن السوفييت تماسكوا ولم ينجرّوا. وقال غروميكو إن المصريين
أعلموا موسكو بحقيقة ما جرى، مساء 6 حزيران/ يونيو. والدليل على أن السوفيت لم يعلموا بما جرى يوم
5 حزيران/ يونيو، هو برقية رئيس الحكومة السوفيتية كوسيغين، عن طريق الخط الساخن، إلى الرئيس
الأميركي جونسون، يعلمه فيها عن استعداد الاتحاد السوفيتي للاتفاق على وقف إطلاق النار بدون شروط
مسبقة))6). في 9 حزيران/ يونيو، اجتمع في موسكو قادة الأحزاب الشيوعية والعمالية وحكومات الدول
الاشتراكية، لمناقشة الوضع الناجم في الشرق الأوسط، وأدانوا العدوان الإسرائيلي وعدّوه نتيجةً لمؤامرة
القوى الإمبريالية، وفي مقدمتها الأميركية، ضد الدول العربية. في 10 حزيران/ يونيو، حاول الاتحاد السوفيتي
للمرة الأخيرة إيقاف العدوان وإجبار إسرائيل على الرضوخ لقرار مجلس الأمن، حيث بعث كوسيغين رسالة
إلى الرئيس الأميركي جونسون، يدعوه أن يطلب من إسرائيل التوقف بدون شروط عن عملياتها العسكرية،
خلال الساعات القليلة القادمة))6). وبعد اليأس من الموقف الإسرائيلي، أعلنت موسكو في 10 حزيران/ يونيو
قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل وتبعتها بقية الدول الاشتراكية، ما عدا رومانيا.
خصائص سياسة الاتحاد السوفيتي في فترة ما بعد حرب 67 في الشرق الأوسط
لم تعترف القيادة السياسية والعسكرية للاتحاد السوفيتي بسياستها الخاطئة في أثناء حرب حزيران/
يونيو 1967 ، وكذلك تصرف القادة العرب عمومًا. ففي الاتحاد السوفيتي، عُدّ العدوان المفاجئ على العرب
هو السبب في الهزيمة، وكذلك المساعدات العسكرية الأميركية والإمبريالية العالمية لإسرائيل))7). ولم تهتم
القيادة الحزبية في موسكو بأن الأحزاب الشيوعية العربية في مصر والعراق كانت ممنوعة، وكان العديد من
الشيوعيين في السجون. والدولة الوحيدة التي دخلت في الفلك السوفيتي، ولم يكن معها خلاف، هي سورية،
حيث أدخلوا بعض الشيوعيين في الحكومة كوزراء. وأممت بعض الشركات وأرسل بعض قادة حزب البعث
للدراسة في موسكو، وبذلك عُدّت سورية أول دولة تسير على طريق الاشتراكية في العالم العربي. وقد كان
النظام في سورية معجبًا بالنظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي بصفاته الشمولية. وبعد البيريسترويكا
) 1985 مع غورباتشوف( ثم انهيار الاتحاد السوفيتي ) 1991 مع يلتسين( تخلت روسيا عن الأيديولوجيا
الشيوعية، وانعكس ذلك في سياستها الخارجية. وكان الهدف الأسا 􀘟سي للاتحاد السوفيتي كدولة وقيادة
حزبية في تلك الفترة هو توسيع نفوذه السيا 􀘟سي في العالم الثالث. وخاصة كسب دول للسير على طريق
«التطور اللارأسمالي .»
))6) المرجع السابق، ص 584 .
))6) الاتحاد السوفيتي والتسوية الشرق أوسطية، 1967 – 1988 ، وثائق ومواد، موسكو، دار «بوليتايزدات 1989 » ، ص 34 .
))7) المرجع السابق، ص 41 .
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
24
ويرى الباحث داوروف أن مرحلة ما بعد حرب 67 هي مرحلة ازدهار للصداقة العربية السوفيتية))7).
واستطاع الاتحاد السوفيتي توسيع وجوده العسكري في الشرق الأوسط، بعد حرب 67 ، حيث أصبح له
أسطول عسكري مكون من 45 سفينة حربية في البحر المتوسط، وأصبح يستخدم موانئ الإسكندرية
واللاذقية والجزائر وبور سعيد. وهذا دعا بعض الباحثين الروس للحديث بأن من أخطاء السياسة
السوفيتية شن هجوم واسع على إسرائيل والصهيونية يصل إلى حد معاداة السامية))7).
وفي 17 حزيران/ يونيو 1967 ، ألقى كوسيغين كلمة في الجمعية العامة باسم الوفد السوفيتي، ووافق على
قرار مجلس الأمن الذي يدين إسرائيل ويطلب انسحاب القوات الإسرائيلية «واتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة
لإزالة آثار العدوان »، وقال كوسيغين: «الاتحاد السوفيتي يتقدم بمطلب مشروط: على القوات الإسرائيلية
أن تنسحب فورًا من شاطئ قناة السويس ومن جميع الأرا 􀘹ضي العربية المحتلة. وفقط بالانسحاب يمكن
الحديث عن السلام في الشرق الأوسط »))7). وركز كوسيغين على فكرة أنه إذا لم تنسحب إسرائيل؛ فإن
المنطقة ستصبح معرضة لعمليات مشابهة من احتلال أرا 􀘹ضي الغير، وهذه الكلمات لكوسيغين أثارت اهتمام
الدول الآسيوية والأفريقية، لأنها تعاني مشكلات حدودية مع بعضها. وبعد كوسيغين، خرج وزير الخارجية
الإسرائيلي أبا إيبان ليلقي كلمة ويرد على اتهامات كوسيغين لإسرائيل، فغادر كوسيغين وغروميكو القاعة.
))7) في عام 1967 ، ازدادات الزيارت المتبادلة بشكل لافت بين موسكو والعواصم العربية: في حزيران/ يونيو – تموز/ يوليو 1967 ، زار موسكو
الرئيس الجزائري بومدين، وفي 17 – 22 نيسان/ أبريل زار موسكو وزير الخارجية العراقي عدنان بقججي والرئيس العراقي عبد الرحمن عارف، وفي
30-29 أيار/ مايو زار موسكو الرئيس السوري نور الدين الأتا 􀘟سي، وفي 29 تشرين الثاني/ نوفمبر – 2 كانون الأول/ ديسمبر زار موسكو وفد حكومي
سوري برئاسة رئيس الوزراء السوري يوسف زعين، وفي تموز/ يوليو- آب/ أغسطس، زار رئيس مجلس السوفيت الأعلى نيكولاي بودغورني مصر
وسورية والعراق، وفي أيلول/ سبتمبر زار وزير الخارجية المصري محمود رياض الاتحاد السوفيتي، وفي 2- 5 تشرين الأول/ أكتوبر، زار موسكو
الملك الأردني حسين، وفي 10 تشرين الثاني/ نوفمبر، جرى اجتماع في موسكو بين ليونيد بريجنيف الأمين العام للحزب الشيوعي السوفيتي ونائب
الرئيس المصري عضو اللجنة التنفيذية العليا لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي علي صبري، وكانت وجهات النظر متطابقة.
للمزيد انظر في: رمضان داوروف، الحرب العربية الإسرائيلية 1967 من منظور السياسة والدبلوماسية السوفيتية، موسكو، 2007 ، ص 185 .
))7) المرجع السابق، ص 190 .
))7) المرجع السابق، ص 201 .
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
25
سابعًا: شهادات مسؤولين سوفييت عن حرب 1967
البروفيسور أناتولي إيغورين مراسل وكالة الأنباء السوفيتية في مصر 1965 – 1970
تحدث الدبلوما 􀘟سي والصحفي السوفيتي الشهير أناتولي إيغورين، حول دور المبعوث العسكري السوفيتي
الخاص في القاهرة إبان حرب 1967 . وكشف حقائق جديدة. وكتب إيغورين في «يوميات مراسل نوفوستي
في القاهرة »: إن «القيادة السوفيتية لم تكن قادرة على معالجة المعلومات التي كنّا نرسلها إليهم في موسكو
بسرعة، وبشكل يمكن الاستفادة منها. ولم يقدّروا في موسكو المعلومات بدقة. وكان من الضروري التصرف
بسرعة أكبر، والتشاور مع العسكريين. كان لدينا في مصر ملحقون عسكريون ومستشارون عسكريون
عديدون، وكان هناك بطء ملحوظ في اتخاذ القرارات، حيث كانت القرارات تأتي متأخرة ». ويضيف: «إن
الوضع كان مربكًا، ولم تعرف القيادة السوفيتية كيف تتصرف. ثم إن المصريين كانوا يريدون من السوفييت
أن يقاتلوا إلى جنبهم، لا المشاركة كمستشارين فقط. وكانت أنظمتنا السوفيتية القديمة تعرقل العمل، وكان
على القيادة العسكرية السوفيتية إعادة تقييم تجربتنا الحربية بعد الحرب العالمية الثانية. حتى إن رئيس
الأركان العامة للجيش السوفيتي المارشال ماتفيه زاخاروف جاء إلى مصر، في نهاية حزيران/ يونيو 1967 ، ولم
يلتق الصحفيين قط، وكان لديه أسلوب في العمل سرّي تمامًا .((7( »
ويضيف إيغورين أن السفن الأميركية كانت في البحر المتوسط بالقرب من ميناء بورسعيد، تتجسس على
الجيش المصري، وترسل المعلومات مباشرة لإسرائيل، وأن الأميركان هم من قطع الاتصالات في 5 حزيران/
يونيو، بين الأركان العامة والقطعات العسكرية المصرية. وكان الرئيس جمال عبد الناصر على حق، عندما
اتهم الولايات المتحدة بالتدخل المباشر في الحرب ضد مصر. ويقول إن الأميركان أنفسهم لم يخفوا تدخلهم،
من خلال مشروع «عقيدة إيزنهاور- دالاس » للتدخل العسكري والاقتصادي في شؤون دول منطقة الشرق
الأوسط.
ويورد إيغورين مقتطفات مطولة من حديث الفريق محمد فوزي، حول جهل المصريين بتعداد الجيش
الإسرائيلي وتوزعه، وكذلك قول فوزي بأن % 75 من الجيش المصري لم يشارك في المعارك، بسبب سوء
خبرة القيادة العامة للقوات المسلحةالمصرية، بقيادة المشير عبد الحكيم عامر، وخاصة عندما أعطى أمرًا
في 6 حزيران/ يونيو بالانسحاب الكيفي للجيش المصري.
ويتذكر إيغورين بألم مصير الشباب السوفييت الذين أرسلتهم القيادة السوفيتية للمشاركة في الحرب إلى
جانب المصريين، من دون أن يعلم أهاليهم، ومنهم من قُتِل ولم يعرف أحدٌ بموته، وكأنهم جنود مجهولون.
ويقول إيغورين: كنا نسمع اللغة الروسية على طرفي الجبهة المصرية والإسرائيلية، من قبل الخبراء الروس
والضباط الروس في مصر، واليهود من أصل رو 􀘟سي في إسرائيل. وقد ألّف الضباط السوفييت في الجبهة
المصرية أغنية أسمعوها للإسرائيليين، فطلب ضباط روس يهود إعادة الأغنية مرة أخرى. وقد أخافت
الأغنية المسؤولين، لأنهم اعتقدوا أنها قد تؤثر على معنويات المقاتلين وتدفعهم إلى عدم القتال في وقت جئنا
))7) أ، ايغورين، مذكرات مراسل وكالة أنباء نوفوستي،
http:/ / www،clubvi،ru/ news/ 2011/ 04/ 07/ ppl/ egorin/ zap
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
26
كلنا من الاتحاد السوفيتي. وقد انتقدوا مؤلف الأغنية في السفارة السوفيتية في القاهرة، وكادوا يرحّلونه.
وخاصة عندما قال في أغنيته: «نحن جنود مجهولون عند مشارف البلد النائية.. كيف نضحي برؤوسنا من
أجل جنيهات مصرية ». وعدّوا هذا منافيًا للأخلاق الشيوعية.
ويرى إيغورين أن البورجوازيين المصريين استغلوا فترة حرب الاستنزاف، لتقوية علاقاتهم مع الغرب بدلً
من الاتحاد السوفيتي، وعندما زار القيادي الحزبي السوفيتي المعروف بوريس بونوماريوف مصر، بعد حرب
1967 ، حدثه إيغورين عن ذلك، فتساءل بونوماريوف )الذي عمل من أيام حكم ستالين(: لماذا لا يعتقلون
هؤلاء البورجوازيين؟ وهذا دليل على أن القيادة السوفيتية لم تكن تعرف جيدًا الوضع الحقيقي في مصر،
وأن السادات كان يقف وراء تلك القوى البورجوازية، وينتقد بقوة الدور السوفيتي في مصر. ويقول في ختام
مذكراته: والأهم من كل ما قلته في هذه المذكرات هو «ألا يتمّ إرسال أي شخص إلى أي مكان، وفي أي وقت،
إلى خارج الحدود الروسية سرًا، من دون علم الشعب، ولو كان ذلك من أجل أداء واجب أممي .»
الدبلوما 􀘟سي السوفيتي فالنتين فالين كبير مستشاري أندريه غروميكو))7)
أورد الدبلوما 􀘟سي السوفيتي فالنتين فالين بعض التفاصيل عن المحادثات السرية التي جرت في أروقة
الكريملن، بين كبار القادة الحزبيين السوفييت، وكان قد شارك فيها هو شخصيًا. وسرد فالين تباين المواقف
في القيادة السوفيتية، بخصوص تقديم الدعم العاجل لسورية ومصر خلال الحرب، وبيّن أسباب هذا
الخلاف، مستشهدًا بحجج جميع الأطراف في دعم موقفها. كما تحدث فالين عن المعلومات الاستخباراتية
التي بلغته قبيل الاعتداء الإسرائيلي، وقد أفادت بأن الحرب أصبحت قاب قوسين أو أدنى، وعن أسباب
تجاهل القيادة السوفيتية لهذه الإفادات البالغة الأهمية.
كان فالين كبير مستشاري وزير الخارجية السوفيتي أندريه غروميكو، وكانت التقارير الاستخباراتية تصل
إلى شخصين فقط في الخارجية السوفيتية، هما فالين وغروميكو. ويقول إن أجهزة الاستخبارات السوفيتية
)الكي جي بي( والاستخبارات العسكرية الخارجية أخبرت المكتب السيا 􀘟سي قبل أسبوع بأن إسرائيل ستقوم
بحرب على مصر، بسبب إغلاق مضيق تيران، لكن القيادة السوفيتية كانت تتابع المناورات العسكرية في
بحر بارينس شمال البلاد، ولم يرسل أحد تلك التقارير إلى المكتب السيا 􀘟سي.
وتجب الإشارة إلى كلمات قائد قوات القاذفات الإستراتيجية السوفيتية الفريق ريشيتنيكوف في سلاح
الجو السوفيتي، الذي قال إن هناك تعليمات صدرت إليهم، بأن يضعوا علامات مميزة مصرية على القاذفات
الإستراتيجية السوفيتية، وأعطيت لهم خرائط بكل المواقع النووية الإسرائيلية، كي تقصفها القوات
السوفيتية. ولكن تمّ التراجع عن هذا القرار بعد يوم واحد، ويبدو أن سبب التراجع هو تدمير المطارات
العسكرية المصرية. ولو أن ذلك حصل لغيّر الموضوع، لأن مصر كانت ستأتيها طائرات من الجزائر.
وهناك حديث للمشير عبد الحكيم عامر، مع السفير السوفيتي بوجيدايف، في القاهرة في 6 حزيران/
يونيو، حيث دعا المشير عامر السفير بوجيدايف وقال له: أين الاتحاد السوفيتي؟ وأين الوعود التي أعطاها
))7) الدبلوما 􀘟سي السوفيتي فالنتين فالين- كبير مستشاري أندريه غروميكو،
https:/ / arabic،rt،com/ prg/ telecast/
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
27
المارشال أندريه غريتشكو )وزير الدفاع السوفيتي( لوزير الحربية المصري شمس بدران؛ فالقوات الأميركية
تقاتل إلى جانب إسرائيل؟ فرد السفير: لو تأكدت لنا هذه المعلومات، لأرسلتها إلى موسكو وعندئذ ستتخذ
القيادة القرار المناسب. وقال عامر أيضًا إن الاتحاد السوفيتي لم يعطِنا أسلحة حديثة.
مسؤول الاستخبارات يوري كوتوف يخرج عن صمته بعد نصف قرن من عمله في إسرائيل في فترة
حرب ))7) 1967
بعد 50 سنة، يكشف ضابط رفيع في )كي جي بي( أسرار التحضير للقاء سرّي بين رئيس الوزراء الإسرائيلي
ليفي أشكول والرئيس المصري جمال عبد الناصر، قبيل حرب 1967 ، وكان كوتوف قد عمل ضابط
استخبارات في إسرائيل منذ عام 1965 . يقول كوتوف إن منع السوفييت مصر من توجيه الضربة الأولى
لإسرائيل كان بحجة أن إسرائيل لن تستطيع الاعتداء على دولة مصر التي يدعمها الاتحاد السوفيتي. وكانت
لدى موسكو قناعة بأن العرب لا يريدون الحرب، وكذلك إسرائيل والاتحاد السوفيتي، وأن كل التهديدات
مجرد خداع. وروّج الإعلام في إسرائيل بأن إسرائيل لا تريد الحرب، فصدّق السوفييت، علمًا أن التقارير
الاستخباراتية المرسلة من قلب إسرائيل أكدت أن هناك استعدادات للحرب، وأن إسرائيل ستكون البادئة.
وحددنا موعد الحرب بأنها ستندلع خلال يومين أو ثلاثة. ولكن موسكو لم تأخذ تقاريرنا على محمل الجد.
وقالوا لنا في موسكو إنكم وقعتم تحت تأثير الدعاية الإسرائيلية )المضللة( التي تتهم العرب بتبييت الهجوم
على إسرائيل بين لحظة وأخرى.
وأبلغ غروميكو بريجنيف بأن أشكول يريد زيارة موسكو؛ فجاء الرد بالإيجاب في 28 أيار/ مايو 1967 ، لكن
بريجينيف اشترط عدم اعتراض عبد الناصر على ذلك. وقال عبد الناصر إنه يثق بحكمة القيادة السوفيتية،
وإن إسرائيل قد تتصرف بحكمة أكبر بعد هذه الزيارة. لكن عبد الناصر غيّر رأيه فجأة، وأبلغ السفير في
بوجيدايف القاهرة، وقال أطلعت حليفي الرئيس السوري نور الدين الأتا 􀘟سي، فنصحني ألا التقي بأشكول.
ولذلك لن أسافر إلى موسكو. وكانت تحفظات الرئيس الأتا 􀘟سي، بسبب اعتقاده بأن الإسرائيليين يريدون جرّ
مصر إلى فخ. وتأكد ذلك الموقف في زيارة وفد سوري إلى موسكو، برئاسة الأتا 􀘟سي ومعه يوسف زعين. وقال
عبد الناصر: عسكريًا، كان من المفيد أن تحصل زيارة أشكول، ولكن ذلك كان سيخلق استياءً معنويًا في
المنطقة العربية. والرئيس السوري تحفّظ على الزيارة، ونقل عبد الناصر هذه التحفظات إلى موسكو. قال
الأتا 􀘟سي إن الإسرائيليين سيستغلون هذا اللقاء مع عبد الناصر، ليقولوا لاحقًا إن العرب رفضوا الاتفاق
بتفادي الحرب، لأن عبد الناصر تخلى عن الاتفاق، وبذلك يكون العرب هم من أحبط المباحثات، بسبب
الموقف السوري المتشدد. وبعد اندلاع الحرب، ستصرّح إسرائيل بأن العرب هم من بدأ الحرب، وأن أشكول
أراد أن يفعل كل ما يستطيع لدرء الحرب، لكن السوريين ومن ورائهم مصر رفضوا الاتفاق لدرء الحرب.
وعكست وثيقة في 8 حزيران/ يونيو 1967 ، من وزارة الخارجية السوفيتية، وهي رسالة إلى بريجينيف
حول رغبة أشكول في لقاء القيادة السوفيتية. وهناك وثيقة أخرى في أرشيف الخارجية حول بحث زيارة
أشكول إلى موسكو. علق كوتوف بأن الوثائق قد لا تتضمن كل 􀘡شيء، باعتباره ضابط استخبارات خارجية
ويعرف حقيقة الأمور. ويقول كوتوف: إن كل التقارير والوثائق المتعلقة بمعلومات عن تحضير إسرائيل
للعدوان على البلدان العربية، كانت تذهب إلى ألك 􀘠سي كوسيغين، ولكن الوثائق السوفيتية لم ترفع عنها
))7) ضابط المخابرات السوفيتي يو، كوتوف، مقابلة في قناة «روسيا اليوم ،»
https:/ / www،youtube،com/ watch?v=Nkhi2tR8y5I
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
28
السرية حتى اليوم. وحذر كوسيغين، في أثناء استقباله لوفد مصري برئاسة وزير الحربية شمس بدران، زار
موسكو في 26 أيار/ مايو 1967 ، من أن حصار المضائق سيؤدي حتمًا إلى هجوم إسرائيل في الأيام القادمة.
وقد حذر كوسيغين المصريين من أن هناك في إسرائيل من يريد العدوان على مصر.
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
29
الخاتمة
بحثت هذه الورقة في مسار حرب حزيران/ يونيو عام 1967 ، في الوثائق السوفيتية، ولا بدّ من الإشارة إلى
أن أجهزة الاستخبارات لم ترفع السريّة عن الوثائق التي بحوزتها، وكذلك وزارة الدفاع السوفيتية، وإلى أن
كثيرًا من وثائق السياسة الخارجية السوفيتية، ومراكز أرشيف أخرى، ممهورة ب «الختم السرّي »، وأنبّه إلى
أن الآراء التي أوردتها الدراسة تعبّر عن وجهات نظر باحثين ومسؤولين سوفييت.
مركز حرمون للدراسات المعاصرة
30
المصادر والمراجع
•إيرينا. زفياغيلسكايا. دور القيادة العسكرية في صياغة سياسة دولة إسرائيل. موسكو، دار «ناوكا .»
.1982

  • Bregman A. Israel’s Wars. A History since 1947. London and New York, 2002.
    •رمضان داوروف. الحرب العربية الإسرائيلية 1967 من منظور السياسة والدبلوماسية السوفيتية.
    موسكو، 2007 .
  • Documents on the Middle East. Ed. By R.H. Magnus. Washington: American Enterprise
    Institute for Public Policy Research, 1969.1.
    •النزاع الشرق الأوسطي، من وثائق أرشيف السياسة الخارجية لروسيا الاتحادية، تحرير فيتالي
    نعومكين، في جزأين: الجزء 1: 1947 – 1956 ، الجزء 2: 1957 – 1967 ، موسكو، 2003 .
  • Johnson L.B. The Vantage Point. Perspectives of the Presidency
  • ر. و و. تشرتشل. حرب الأيام الستة، تل أبيب، مكتبة عالية، 1990 .
  • أي. بيليايف، ي. بريماكوف. مصر، عهد الرئيس عبد الناصر، موسكو، دار الفكر، 1974 .
    •إ. زفياغيلسكايا، ت. كاراسوفا. أ. فيدورتشينكو، دولة إسرائيل، موسكو، 2005 .
  • Hiro D. The Essential Middle East. London, 2003
  • ي. بريمكاكوف. سري: الشرق الأوسط على المسرح ووراء الكواليس )النصف الثاني من القرن 20 –
    بداية القرن الحادي والعشرين( موسكو، 2006 .
  • أ. كودريافيتسيف. العالم الإسلامي والقضية الفلسطينية، موسكو، دار «ناوكا 1990 ،» .
  • أ. فاسيليف. روسيا في الشرقين الأدنى والأوسط، من التبشير إلى البراغماتية، موسكو، 1993 . إ.
    ميرسكي. صراع نظامين حول العالم الثالث ونتائجه، الشرق والغرب وروسيا، مجموعة مقالات،
    موسكو، 2002 .
  • الاتحاد السوفيتي والتسوية الشرق أوسطية. 1967 – 1988 ، وثائق ومواد، موسكو، دار «بوليتايزدات »
    .1989
  • غ. ميرسكي. الجيش والسياسة في بلدان آسيا وأفريقيا، موسكو، 1970 .
  • أ. فاسيليف. تاريخ العربية السعودية، موسكو، 1983 .
    مركز حرمون للدراسات المعاصرة
    31
  • أ. إيغورين. مذكرات مراسل وكالة أنباء نوفوستي
    http:/ / http://www.clubvi.ru/ news/ 2011/ 04/ 07/ ppl/ egorin/ zap
  • ضابط المخابرات السوفيتي يو. كوتوف. مقابلة في قناة «روسيا اليوم .»
    https:/ / http://www.youtube.com/ watch?v=Nkhi2tR8y5I
    •الدبلوما 􀘟سي السوفيتي فالنتين فالين، كبير مستشاري أندريه غروميكو.
    https:/ / arabic.rt.com/ prg/ telecast/ 657443