د. محمود الحمزة: كلنا شركاء
صبر السوريون 50 عاماً على الظلم والتهميش والاستبداد وكل مظاهر اقصاء الانسان وحرمانه من انسانيته ولم يترك النظام البعثي الاسدي الا هامشا بسيطا جدا للناس يتنفسون من خلاله ويشعرون بأنهم احرار في اتخاذ قرارات بسيطة تتعلق بالحياة اليومية البعيدة جدا عن السياسة والشأن العام.
ولكن رياح التغيير هبت مع انطلاقة الربيع العربي وانتصار الثورة في عدة بلدان عربية، بغض النظر عن التطورات اللاحقة، ولم يكن أحد ليصدق أن السوريين سينتفضون ويخرجون للشوارع معبرين عن تمردهم على سلطة عائلة مستبدة فاسدة ومطالبين بحريتهم وكرامتهم. لكن الثورة انطلقت في اغلبية المدن والقرى السورية واثبت السوريون بأنهم أشجع شعب في التاريخ لأنه تحدى نظاما أمنياً موغلاً في الاجرام شعاره اما الأسد او نحرق البلد. وأيقن السوريون بأن عصابة الأسد تعني ما تقول.
لقد شهد السوريون قسوة وعنفا من قبل السلطة ومن حولها من شبيحة وموالين، واكتشف السوريون أنهم ليسوا شعباً واحداً بالرغم من أن الشرفاء والوطنيين يصرون على شعار: واحد واحد واحد … الشعب السوري واحد، بينما النظام لسان حاله يقول للشعب: إما أنا وإما أنتم! وانخدع الكثيرون وتواطئ الكثيرون من مختلف فئات الشعب السوري وأطالوا بعمر العصابة المجرمة عداك عن الدعم الخارجي الطائفي القذر الذي شجع على التجييش الطائفي وعمل على استغلال شعارات طائفية سخيفة عمرها الاف السنين بالإضافة إلى أن معظم الناس المعاصرين لا يعرفون حقيقة ما جرى قبل ألف وخمسمائة سنة.
ودخلت الثورة بضغط من النظام وبتشجيع من قوى إسلامية وإقليمية ودولية في نفق العسكرة الذي شوه صورة الثورة وغيّر شكل الصراع وهذا ما كان ينتظره الكثيرون في الداخل والخارج ليصرخوا جميعا: إنه الإرهاب! فإما الأسد أو الإرهاب ممثلا بداعش والقوى الإسلامية المتطرفة (والغريب أن الأصابع توجه للمتطرفين الذين يدعون انهم سنة بينما المتطرفين الطائفيين الشيعة لا يتحدث عنهم المجتمع الدولي).
المجموعات المسلحة بدورها ارتكبت أخطاء جسيمة تمثلت في تحول قادة ميدانيون الى تجار حرب ونرى ان جيش زهران علوش يعيش حياة طبيعية في الغوطة الشرقية المحاصرة بينما المدنيون هناك يموتون من الجوع والعطش وقلة الدواء!!!!!!!!!! وقال لي احد الناشطين من دوما: أيام الأسد كنا مضطهدون ولكننا شبعانين اما اليوم فنحن مضطهدون وجائعون.
شعبنا أصبح يقتل ويحارب ويهجر من قبل النظام والمحتلين الإيرانيين واذنابهم من حزب الله وكذلك من قبل فصائل محسوبة على المعارضة. فلم يعد هناك أمان لا في مناطق الموالاة ولا في المناطق المحررة. فهل حدث هذا كله بمحض الصدفة أو نتيجة تقاطع عوامل مختلفة بالصدفة أم أنه مبرمج له من أعداء الثورة وهم اغلبية ساحقة في العالم. فلا أحد يريد انتصار الثورة غير الشعب السوري بأغلبيته سواء منه الذي انخرط في الاحتجاجات والكفاح المسلح أم الصامتين منهم.
أصبح بلدنا بالكامل وشعبنا بالكامل في خطر لأنه فقد الأمان في كل مجال وأصبح القلق والخوف والرعب يخيم في كل مكان. وهذا ليس صدفة. لان الذين حاربوا الثورة منذ البداية قالوا ان سورية بلد مستقر فلماذا الثورة. طبعا كانت بلدنا مستقرة ولكنه استقرار قائم على الظلم والقهر والاهانات وانعدام الحقوق الإنسانية. استقرار مجتمع اغلبيته عبيد تخضع بشكل أعمى لإرادة فئة قليلة ظالمة مجرمة امتصت كل خيرات البلد. اذاً كان ذاك الاستقرار وهميا زائفا. بينما شعبنا يريد استقرارا قائما على العدل واحترام حقوق الناس وكرامتها. فالحياة ليست اكل وشرب فقط بل هي متطلبات روحية وفكرية وثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية طبيعية.
يبدو أن النظام اتبع طريقة معروفة يسميها البعض “الطريقة الروسية” في خلق حالة من الفوضى والعنف والتطرف واليأس بين الناس لفرض الحل الذي يريدونه كما حدث في الشيشان. حيث تدخل الجيش الروسي وسحق المتمردين بعد ان قرف الناس حياتهم وأصبحوا جاهزين لاستقبال الشيطان لإنقاذهم من القتل والعنف والجوع والخوف.
وبعد أن أصبحت سوريا في مهب الريح نتيجة الكارثة المروعة التي حدثت إن على مستوى الملايين المهجرة من بيوتها داخل سوريا وخارجها أو على مستوى التدهور الاقتصادي والأمني والمجتمعي وتفتت البلد أرضاً وشعباً. وبعد ان فقدت البلاد خيرة أبنائها وبعد أن أصبحت سوريا أسوأ من الصومال، نتيجة الحالة المزرية التي وصلت إليها وخاصة بسبب الصراعات المسلحة والعصابات الإرهابية التي وردت من كل اصقاع الأرض تحت رايات دينية مزيفة بحجة حماية المقدسات أو نشر الإسلام لكنها كلها تنشر الخوف والبطش والتخلف والحقد الطائفي اللعين.
وبعد أن فشلت المعارضة السياسية في تشكيل قيادة ثورية حقيقية لدعم الثورة وحمايتها من الانحراف، فقد ظهرت أمراض في المعارضة أسوأ من النظام في الفساد والانتهازية والتسلق والاقصاء والمتاجرة بدماء الشهداء ودموع الأطفال والنساء، نطرح سؤالاً أساسياً ومصيرياً.
هل الثورة باقية ومستمرة أم أنها اضمحلت وتلاشت؟
الحقيقة أن الثورة شعلة أيقظت قلوب وعقول الاحرار في سوريا ولن تخمد لان القتل والعنف لا يمكن ان يمنع العقول والقلوب من التوق للحرية والكرامة. وان صمت الكثيرون وتشرد مثلهم لكن الثورة موجودة في وجداننا وهناك أعدادا كبيرة من الثوار والناشطين والمعارضين والوطنيين السوريين بشكل عام يعملون من أجل انتصار الثورة ولكن بطريقة جديدة غير التي اتبعتها المعارضة التقليدية والجديدة المتصدرة للمشهد السياسي.
اليوم مطلوب من كل وطني حقيقي مستقل الإرادة أن يبحث عمن يشبهه وان تتوحد الجهود والامكانيات عبر الحوار الوطني المفتوح الشفاف لتشكيل وبلورة تيار وطني مستقل يلتزم بثوابت الثورة في تغيير النظام جذريا وفي بناء دولة سورية عصرية قائمة على القانون والحقوق المشروعة لكل السوريين.
بكلمة علينا أن نشعل ثورة ثانية داخل الثورة لتنقية الصفوف وتصليب الإرادة والتمركز حول الأهداف الأساسية للثورة واستعادة القرار الوطني السوري وانشاء صندوق وطني موحد يمر عبره كل التمويل. عندها نتخلص من الولاءات والتبعية المعيبة التي اساءت للثورة وأفسدت أجوائها.
أهم عامل سيؤدي الى انتصار الثورة هو أن الثورة مازالت تلهم الملايين وتمدهم بالصبر والأمل والصمود فهل بقي شيء يخشى عليه السوريون أكثر مما حصل؟؟؟؟؟؟
موسكو في 11/7/2015