π Проф. Махмуд Хаммо Аль-Хамза Профессор математики, историк науки · Исследователь русского востоковедения · Политический эксперт

← Статьи

المستعرب كراتشكوفسكي – حياة زاخرة

Научные статьи · 27.02.2024

 بالدفاع عن الاستعراب وعن حرية العالم وكرامته

  1. بداية قصة كراتشكوفسكي مع الاستعراب[1]:

لا يمكن لمقالة قصيرة أن تحيط بشخصية المستشرق الكبير اغناطيوس كراتشكوفسكي (كان يسميه اصدقاؤه العرب غنطوس كراتشكوفسكي)، ولا بأعماله العلمية الكثيرة والمتنوعة في الاستعراب[2].

ولم يكن كراتشكوفسكي باحثا عاديا في تاريخ العرب والمسلمين والمسيحيين وثقافتهم بل كان أديبا ومفكرا وعالما في اللغويات والادب والتاريخ والجغرافيا، وأصبحت أعماله مصدراً أساسياً للباحثين في تاريخ الشرق العربي والإسلامي وثقافته بالنسبة للباحثين في روسيا والعالم كله.

هذا العالم الروسي السوفيتي المتميز تعلق، منذ نعومة أظفاره، بالإسلام واللغة العربية، عندما أمضى طفولته في مدينة طشقند بأوزبكستان وسمع الآذان من المساجد وأحب التقاليد والعادات الشرقية والإسلامية.

وعندما التحق بالجامعة في سان بطرسبورغ عام 1901 درس عدة لغات شرقية ولكنه اختار من بينها اللغة العربية بكل ثقة وحماس.

ويفسر كراتشكوفسكي هذا الخيار بقوله: “عندما كان الناس في الشرق قديما يعيشون حياة طبيعية بسيطة فإنهم كانوا أقرب للحقيقة. لذلك فالاستشراق هو خياري لكي أدرك ” الحكمة الشرقية” وأبلغ الحقيقة.  وعندما أصل الى تلك الحكمة واتمكن منها بشكل كامل، فإنني سأموت مرتاح البال لأنني “وجدت الحقيقة”.

وتعد مسيرة هذا العالم نموذج واضح على جمعه بين صفتين أساسيتين وهما: ان يكون عالما حقيقيا مخلصا لمواضيع دراساته العلمية في مجال الاستعراب من دراسة للأدب العربي قديمه وحديثه والتاريخ والثقافة والجغرافيا وترجمة القرآن الكريم، والصفة الثانية التي برزت في حياته هي أنه إنسان متمسك بالقيم الإنسانية والكرامة، التي لم يتخل عنها في أحلك ظروف الاستبداد الستاليني، واستمر طيلة حياته يدافع عن مكانة الاستعراب والدراسات العربية والإسلامية في روسيا، حيث مر  بفترات صعبة جدا منها دخوله الى السجن في عشرينيات القرن الماضي مع زوجته بتهمة باطلة وهي التجسس لصالح فنلندا، ولكنهم اطلقوا سراحه بعد أن تأكدوا من التلفيق الذي وجه إليه. وحتى عندما كان في السجن وسمحوا له بقراءة الكتب، عكف على دراسة اللغة العربية والأدب العربي.

  • رحلته الى سوريا وفلسطين ولبنان ومصر

كتبت تلميذة كراتشكوفسكي آنا دولينينا (أصبحت مستعربة كبيرة) عنه كتابا رائعا يرصد مسيرته العلمية والإنسانية من ولادته 1883 حتى وفاته 1951، أسمته “حبيس الواجب”[3] وحاولت ابراز هذه الصفة التي بالفعل تجسدت في شخصيته وهي وفاءه لعلمه وقيمه الإنسانية.

تقول دولينيا: “كراتشكوفسكي هو حقبة كاملة في الاستشراق العالمي، فأعماله أصبحت من أساسيات هذا العلم”. وتضيف: ” من خلال دراسة كل ما تركه من أثر علمي ووثائق ومخطوطات نجد أمامنا انسان لم يكن بطبيعته ميالاً للصراع والعنف ولكنه استطاع، في أصعب الأوقات بالنسبة للثقافة في روسيا، الحفاظ على كرامته الشخصية وكرامة علمه ولم يخضع للضغوطات ولم يتبع سلوكا منافياً لضميره وأدى واجبه بكل شرف أمام العلم والناس”.

باختصار فإن مسيرة كراتشكوفسكي تجسد ظاهرة متميزة وهي كيف يجب أن يكون الشخص عالماً وإنساناً في نفس الوقت.

لقد اهتم بالثقافة العربية ونظر إلى سوريا في مفهومها الواسع كسورية الطبيعية واعتبر أن سوريا وبشكل خاص بيروت هو المكان الوحيد من نوعه الذي يمكن فيه دراسة الأدب العربي الحديث في ظل توفر كل المصادر والمكتبات الغنية.

وعندما كان في رحلته الطويلة إلى سوريا ولبنان وفلسطين ومصر وهو طالباً، كتب في إحدى رسائله لأخته: اللغة العربية كلما درستها أكثر كلما شعرت أنها أصعب.

وقد سطر كراتشكوفسكي انطباعاته وقصصه الممتعة مع المخطوطات العربية وخاصة في بحثه عنها وفرحة العثور عليها ودراستها ونشرها، في كتابه الجميل: “مع المخطوطات العربية”[4] الذي كتبه خلال حصار لينينغراد (الحرب العالمية الثانية)، والذي ترجم الى عشرات اللغات وترك انطباعا هائلا بين القراء العاديين والمختصين لما يتضمنه من صدق وعفوية وبساطة وأريحية في الكتابة.

وخلال زيارته للمدارس الروسية الارثوذكسية في سوريا وفلسطين ولبنان، التي ترعاها الجمعية الإمبراطورية الفلسطينية الارثوذكسية، سجل انطباعاته السلبية جدا عن مستوى المدرسين الروس الذين لا يهتمون إلا بجني المال وينتظرون انتهاء فترة إعارتهم ليعودوا إلى بلدهم، بينما المفروض برأي كراتشكوفسكي أن يتفاعلوا مع السكان المحليين أي العرب ويتعرفوا على ثقافتهم. واعتبر أن من واجبهم نشر الثقافة الروسية أيضاً.

لقد اندمج كراتشكوفسكي في الثقافة العربية واستوعب اللغة العربية واللهجات السورية والمصرية لدرجة أنهم اعتبروه عربياً ، كما حدث في عائلة المستعربة ابنة الناصرة كلثوم عودة-فاسيليفا[5]، وكذلك في القاهرة. وهو أول مستعرب تعامل مع دراسة اللهجات العربية بطريقة علمية.

انتخب كراتشكوفسكي بعمر 38 عاماً عضواً في اكاديمية العلوم الروسية، وهو أعلى لقب علمي يمكن ان يحصل عليه العالم في روسيا. وحينها كتب عنه العلماء ومنهم الأكاديمي بارتولد تقييماً علمياً عالياً تشير إلى أن كراتشكوفسكي عالم موهوب من الطراز الرفيع. وفي 1922 انتخب سكرتيراً لقسم العلوم التاريخية واللغوية في أكاديمية العلوم الروسية.

وقد كتب بارتولد في هذا الموضوع: يتميز كراتشكوفسكي بأنه يستخدم الطرق الحديثة في دراسة الادب العربي والشعر العربي بشكل خاص، ودشن مرحلة جديدة في العلم الروسي، باتباعه منهج التاريخ الثقافي في دراسة المؤلفات الشعرية. وفي دراسة المؤلفات العربية المسيحية انطلق قبل كل شيء من الترابط بين التيارات الثقافية المسيحية والإسلامية.  وهنا لا بد من الإشارة الى اهتمام كراتشكوفسكي بأدب المهجر (وصفه بالأدب المسيحي العربي في أمريكا). وكتب عنه أولدينبورغ- عضو أكاديمية العلوم الروسية: طريقة دراسة كراتشكوفسكي للأدب والبلاغة العربية ليس لها مثيل في الاستعراب الروسي.

ولكن كراتشكوفسكي استقبل هذه الترقية بشعور من القلق الممزوج بالتصميم على تأدية واجبه ومتابعة مسيرة أساتذته الراحلين روزن وتورايف، ورفع سمعة الاستعراب الروسي عالياً.

  • مرحلة أدلجة اكاديمية العلوم السوفيتية

شكل عام 1928-1929 بداية فترة مفصلية في عمل اكاديمية العلوم الروسية نظراً لظهور أكاديميين ماركسيين فيها (بعد أن كانت الاكاديمية التي تأسست في عهد الامبراطور بطرس الأول في القرن الثامن عشر حرة في التوجهات الفكرية). ووصفتها دولينينا –  بأنها مرحلة اقتحام السلطة لحرم العلم الروسي.

وبدأ في روسيا السوفيتية نقاش حول مهمات العلم ومنها علم الاستعراب. وهذا كراتشكوفسكي يجيب على أسئلة صحيفة روسية قائلاً: توجد مراحل في تاريخ العلم عندما لا تلقى بعض فروع العلم استحسانا أو تفهما لدى الشرائح الواسعة من الجماهير وحسب وإنما أيضاً من قبل الذين لهم علاقة بالعلم.

وعبر عن رؤيته لمهمات اكاديمية العلوم بأنها قبل كل شيء تتجسد في دعم مجالات العلم والمعرفة النظرية غير الاعتيادية الضرورية لتطور العلم بشكل عام.

وكان يلمح إلى ضرورة استمرار الدراسات الاستعرابية كفرع مهم من العلوم الذي تحتاجه منظومة المعرفة العلمية والثقافية في روسيا، وأن الأكاديمية تشمل فروعا مختلفة من العلوم ولا يمكن أن ترتبط جميعها بالسياسة.  وقد بدأت الأوساط العلمية تشهد صراعاً حاداً وخطيراً بين العلم والسياسة، والتي لم يدرك خطورتها جميع العلماء. خاصة وأن السلطة السوفيتية بدأت تدخل ممثليها من الايديولوجيين بشكل قسري في المؤسسات الأكاديمية والعلمية، وبعضهم لم يكن في مستوى علمي يؤهله لشغل مناصب علمية مرموقة مثلاً في أكاديمية العلوم أو الجامعة. وهذا يذكرنا بطريقة اقحام البعثيين في الجامعات السورية بحيث أصبح المقياس الأهم لأستاذ الجامعة هو انتماءه البعثي وقربه من السلطة وأجهزتها على حساب المؤهلات العلمية. وهنا ظهر كراتشكوفسكي كصاحب موقف ومبدأ وقاوم هذه الظاهرة بشجاعة في وقت انحنى آخرون لهذه العاصفة وقَبِل بما يُملى عليه من الجهات السياسية.

وظهرت مقالات لشخصيات معروفة مثل مقالة يو. لارين عام 1929 بعنوان: الأكاديمية والسياسة” يؤكد فيها أن كل من انتخب في عضوية الأكاديمية قبل الثورة البلشفية (1917) فهو من أنصار القيصرية ويمثل النواة الرجعية في الاكاديمية. وتوعد بتحرير الاكاديمية من أيدي هؤلاء. وتبعته مقالة في صحيفة “الازفيستيا” الروسية للسيد أ. لوناتشارسكي بعنوان “الخلل في أكاديمية العلوم” اتهم فيها العلماء بأنهم رجعيين ومعادين للثورة. ووصل الأمر الى حد مطالبة أعضاء الاكاديمية بالاعتراف بأخطائهم والتوبة أمام السلطة السوفيتية. وبدأت مرحلة الملاحقات والتحقيقات والتفتيش والاعتقالات بحق العلماء.

وبدأت محاولات تهميش الدراسات الشرقية والاستعرابية الحقيقية، التي تهتم بالمخطوطات العربية في العصور القديمة والوسطى، وخاصة الدراسات الإسلامية والمسيحية، معتبريها متعارضة مع الأيديولوجية الشيوعية التي تهتم بالدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعاصرة.

وقدم كراتشكوفسكي أكثر من مرة استقالته من العمل في المناصب المختلفة لكي يبتعد عن التهمات والضغوطات ولكن طلباته كانت تقابل بالرفض.

وبالفعل تعرضت الدراسات الاستعرابية للخطر عام 1927، حيث تم اختصار الكادر التدريسي في قسم الاستعراب الى شخص واحد هو كراتشكوفسكي. وبصعوبة بالغة استطاع كراتشكوفسكي تعيين استاذين في القسم هما يوشمانوف وكلثوم عودة- فاسيليفا.

ولم يكن، على ما يبدو، صدفة توازي مسار عملية “التنظيف” في اكاديمية العلوم مع مسار تقزيم الدراسات الاستعرابية في جامعة سان بطرسبورغ.

وفي عام 1926 تم تغيير الحروف المستخدمة في لغات شعوب آسيا الوسطى من الابجدية العربية الى الابجدية الروسية وبذلك أصبحت دراسة اللغة العربية والثقافة العربية والإسلامية أصعب وتثير الشك.

 وللتوضيح فإن المستعربين الروس اهتموا باللغة العربية والتاريخ والثقافة العربية ليس فقط في بلاد الشام وفي ظل الحضارة العربية والإسلامية في عواصمها الأساسية دمشق- بغداد- القاهرة، بل أيضا في آسيا الوسطى والقوقاز، باعتبار أن أبرز علماء آسيا الوسطى كالبيروني والخوارزمي وابن سينا والطوسي وغيرهم ظهروا هناك في ظل الإسلام وكانوا يكتبون بالعربية. ومن هنا جاءت الحملة على اللغة العربية كونها مرتبطة بالحضارة الإسلامية والقرآن وهذا يتعارض مع توجهات السلطة الشيوعية الإلحادية الأممية المعادية للأديان وللقوميات.

وأصبح على رأس المؤسسات العلمية والثقافية والفكرية أشخاص يسمونهم ثوريين ولكنهم بدون مؤهلات علمية وفكرية كبيرة تمكنهم من تقدير أهمية اللغات الشرقية القديمة والمعارف المختلفة. لدرجة أنهم كانوا يخلطون بين الاستشراق كعلم وبين الكتابات الصحفية حول الشرق. وأصبح المستعربون الروس يبحثون عن نشر أعمالهم خارج روسيا نظرا لعدم تقديرها ورفض نشرها داخل روسيا.

وفي عام 1921 كتب ف. فيلونينكو وهو صديق كراتشكوفسكي: “الصفة المميزة لعصرنا هي الكذب. الكذب الكبير. وعليه تستند كل الأمور هذه الأيام”.

وأصبح كراتشكوفسكي مضطرا لكتابة تقييم لبعض المقالات والأبحاث حول مواضيع سياسية مؤدلجة مثل “حركات التحرر الوطني في الشرق الأوسط” ولكنه قيّمها بشجاعة وبنظرة العالم قائلاً انها تفتقد الى الموضوعية ومصادرها من صنف واحد، ولا تأخذ بعين الاعتبار المصادر العالمية والاستشراقية.

وطالب كراتشكوفسكي بالدمج والتوحيد بين مطالب السلطة السوفيتية التي اقحمت على عجل في المجالات العلمية وبين عناصر الاستشراق الروسي ومدرسته العريقة، وللأسف بقي ذلك الطلب حبراً على ورق.

واستمرت الضغوطات على قسم الاستعراب في سان بطرسبورغ لدرجة انهم فقدوا حتى المكتب المخصص للقسم في الجامعة، فقام كراتشكوفسكي بتحويل شقته إلى مركز لاجتماعات المستعربين مغامراً بحياته أمام أجهزة الأمن والسلطة السوفيتية. واعتبر كراتشكوفسكي أنه يتحمل مع باقي المستعربين مسؤولية تاريخية في الحفاظ على هذه المدرسة العريقة بتراثها العلمي وحمايتها بالجهود الخاصة.

وفي عام 1928 اعتقلت المستعربة الكبيرة المتخصصة بالدراسات السريانية في سوريا، ن. بيغوليفسكايا بتهمة تشكيل حركة معادية للثورة.

ومع نهاية عشرينيات القرن الماضي أصبح كراتشكوفسكي عالماً ليس روسياً فحسب بل ذو سمعة عالمية يخاطبه الكتاب والمفكرون والعلماء والمستشرقون من كل أنحاء العالم بما فيها من الدول الغربية، التي جلبت له لاحقاً المشاكل والانتقادات الحادة من قبل الموالين للسلطة السوفيتية، باعتباره مواليا للغرب و “خادما له”. وفي عام 1923 تم انتخاب كراتشكوفسكي عضوا في المجمع العلمي العربي بدمشق عرفانا بإسهاماته القيمة في مجال الاستعراب. وهذا يعني الاعتراف بشخصيته العلمية في المشرق.

  • استمرار المضايقات للمستعرب كراتشكوفسكي

وفي عام 1925 طلب كراتشكوفسكي ارساله ببعثة علمية الى بلاد الشام ومصر لمتابعة دراساته الاستعرابية، فتم الرفض عدة مرات.  وفي السنة التالية تقدم للإيفاد إلى السويد لإلقاء محاضرات في الجامعة فجاء الرد بالرفض. بينما كان علماء آخرون يسافرون الى الشرق والغرب بكل اريحية.

وهكذا تمت محاصرة كراتشكوفسكي وأصبحت اتصالاته محدودة مع العالم في وقت هو بأمس الحاجة لدراسات حديثة حول الأدب العربي. وتم إيقاف دراسة موضوعه المحبب وهو الأدب المسيحي العربي.

وتعرض كراتشكوفسكي لضغوطات من المعادين للدين، بسبب عمله على ترجمة القرآن الكريم، الذي بدأ منذ عام 1921 ولم ير النور إلا عام 1956 (بعد وفاته بخمس سنوات).

وقد كتب كراتشكوفسكي بحرقة قلب، لزميله فيلونينكو عام 1923، بأن وضعه سيء للغاية فما يكتبه يبقى على الرف، ولا يستطيع النشر إما لأن الرقابة لا تسمح أو لأن دور النشر لا تقبل أعماله. وفي هذه الحالة لا توجد لديه طاقة للعمل على مواضيع كبرى ومهمة وانما اقتصر على المواضيع الصغيرة.

وقد كتب مقالة مهمة بعنوان “الشعر العربي” في مجلة الشرق عام 1924 اعتبرت انها أول محاولة في أوروبا لإعطاء تقييم للإبداع الشعري العربي من بداية نشوئه وحتى الأيام الراهنة على أساس أسلوب جديد.

ويعتبر كراتشكوفسكي أول من لفت الانتباه الى اعمال الشيخ الطنطاوي[6] الذي عمل في روسيا بدعوة من وزارة الخارجية الروسية في تعليم اللغة العربية لعدة عقود في جامعة سان بطرسبورغ وتوفي فيها عام 1861.  وكان كراتشكوفسكي يحب كتابه عن الشيخ الطنطاوي بشكل استثنائي.

وكتب عنه كثيراً في كتابه “مع المخطوطات العربية” وروى قصة حياة الشيخ الأزهري الذي يرتدي الجلباب والعمامة ويتمشى في شوارع بطرسبورغ وعلى صدره وسام القديسة آنّا. وبعد هذا الكتاب بدأ العرب وخاصة المصريون بالكتابة عن الطنطاوي فوجدوا أنه مؤلف لكتب قيمة عن روسيا وفي أدب الرحلات، وكتب شعراً جميلاً وكتباً في اللغة العربية وكان أستاذاً لأجيال من المستعربين الروس والفنلنديين.

وتقول دولينينا: إن الباحثين الروس لم يولوا أية أهمية لكتابه مع المخطوطات العربية، ويبقى غير مفهوم سبب ذلك التعتيم على كتاب كراتشكوفسكي الجميل والرائع المملوء بالحب للعرب والأدب العربي وكل ما يتعلق بالثقافة العربية. بينما المستشرق الروسي إي.  شميدت كتب بأن الاستعراب الروسي، بفضل أعمال كراتشكوفسكي العلمية، انطلق من ميناء روسي الى بحر العلم العالمي.

وفي يوبيليه الثلاثيني العلمي كتب كراتشكوفسكي: “عندما احصل على شيء (يقصد مخطوطة او كتاب جديد) فإنني لا أستطيع النوم لأنها تؤرقني وعلي أن أغوص في الأعماق”.

وقد أصدر ابحاثا قيمة في هذه الفترة عن الادب العربي الحديث وقام بتحرير قاموس روسي- عربي للمستعرب خ. بارانوف.

وله قصة جميلة مع أبو علاء المعري وكيف حصل على مخطوطته “رسالة الملائكة” ونشرها لأول مرة، واعتبر أن “الملهاة الإلهية” لدانتي الألماني تشبهها. ولكن الاعلام السوفيتي رحب بكتاب المعري ليس تقديراً لقيمتها الأدبية والفكرية بل لتصنيفه ككتاب إلحادي. أما الشاعر اللبناني أمين الريحاني فكتب له رسالة حارة بما معناه: الله يحميك أيها الأخ الروسي المحترم. لقد بعثت الروح في “رسالة الملائكة” التي تنحني أمامك وتقبل الأرض التي تمشي عليها. والله لم نكن نتخيل أن تلمسها أنفاس حارة قادمة من الشمال وتمنحها الحياة وتبعثها بعد ألف سنة، لتتقد من جديد باللغة العربية مزينة باللغة الروسية.

وعمل كراتشكوفسكي في تحرير قصة “ألف ليلة وليلة” على مدى 12 عاماً حيث صدر المجلد الثامن عام 1939. كما ترجم قصة “كليلة ودمنة”.

  • كراتشكوفسكي ومعاناة مدرسة الاستعراب في لينينغراد

في عام 1930 قررت أكاديمية العلوم السوفيتية تأسيس معهد الدراسات الشرقية. ولكن الغريب أن قسم اللغة العربية لم يكن موجوداً في قائمة الأقسام المختصة باللغات الشرقية. وهذا أمر مستغرب أن تقوم أكاديمية العلوم الروسية بتجاهل اللغة العربية وهي لغة القرآن الكريم ومن أهم اللغات الشرقية، ويوجد فيها مختصون على أعلى مستوى مثل كراتشكوفسكي، ويبدو أن القرار له خلفية سياسية على أعلى المستويات!

وحينها قال كراتشكوفسكي إنه لأمر محزن أن يوضع الاستعراب في آخر قائمة اللغات وذلك غير مفهوم، وعبر عن مخاوفه من تعيين باحثين في المعهد انطلاقا من مبدأ الانتماء الحزبي والسياسي وليس العلمي. ولم يتوقف كراتشكوفسكي عن الكتابة والبحث في هذه الأجواء المتعبة له ولزملائه المستعربين فانتهى من تأليف كتاب عن الشيخ الطنطاوي وكتاب أسامة ابن المنقذ ورسالة الملائكة للمعري. وفي عام 1933 بمناسبة قدوم عام جديد كتب في مذكراته عن أمنياته للباحثين في اكاديمية العلوم منطلقاً من جملة قالها شاعره المحبب أمين الريحاني “قل كلمتك وامضي”[7]:

” يتعامل البعض بشكل سلبي مع العبارات التي من النوع “الطريقة الأكاديمية” والمواضيع الأكاديمية”. وأضاف: أنا لا اتفق مع ذلك سواء مع الباحثين الشباب أم كبار السن. تجربة السنوات الأخيرة زادتني قناعة بأن قلة الاهتمام بالعمل الأكاديمي ستعطي نتائج قاسية تقدمها الحياة نفسها، وستظهر النواقص عاجلاً أم آجلاً. فمثلاً الأعمال الاكاديمية المتعلقة بالمصادر العربية التي قام بدراستها وترجمتها المستعرب أ. كوفاليفسكي – كما تذكر دولينينا-  تعتبر في غاية الأهمية بالنسبة لتاريخ روسيا، مثل كتب المسعودي والغرناطي وأبو دلافة ورسالة ابن فضلان.

وبالرغم من كل الضغوطات التي مورست ضد المستعربين والباحثين في قسم الاستعراب فإن إدارة معهد الاستشراق في اجتماعها في عام 1937 اعترفت بالتجربة الناجحة لقسم الاستعراب التي انعكست في جلساته العلمية.

وكان كراتشكوفسكي شخصاً متواضعا ولا يحب المديح ولا الاحتفالات التي تخضه شخصياً، لذلك اتفق المشاركون في الدورة الأولى لرابطة المستعربين لعام 1934 على مفاجأة كراتشكوفسكي بتهنئته بمناسبة مرور ثلاثين عاماً على مسيرته العلمية. وهكذا حدث بحجة حفلة شرب شاي قدم المشاركون له تمثالاً مصنوعاً من البرونز لبدوي على حصان عربي. وتقول كلثوم عودة أن هذا التمثال الصغير وضع على طاولة كراتشكوفسكي طيلة السنوات التالية وأحبه جداً.

وشكلت الدورة الثانية لرابطة المستعربين التي عقدت في عام 1937 (بمناسبة الذكرى العشرين للاتحاد السوفيتي) ودعي إليها المستعربون من كافة جمهوريات الاتحاد السوفيتي، انتصارا لنهج كراتشكوفسكي في ابراز أهمية الاستعراب ليس فقط بالنسبة لروسيا وإنما لشعوب آسيا الوسطى والقوقاز. وفي تلك الاجتماعات القى كراتشكوفسكي مداخلات علمية موسعة حول تاريخ الاستعراب في الاتحاد السوفيتي ومهماته الأساسية.  ومما قاله: إن المستعرب الذي يعمل بفاعلية من أجل وطنه هو الذي يستفيد من كل ما انتجه العلم في العالم ويتعامل معه بوعي وإخلاص.

ولم يستطع كراتشكوفسكي ان يتحدث علنا وكتابة ويذكر أسماء المعتقلين من المستعربين الذين عملوا معه، وإنما تضمن تلك المعلومات في كتابه الذي صدر لاحقاً “موجز في تاريخ الاستعراب الروسي”.

 وكتبت لاحقا المستشرقة الكبيرة بيغوليوفسكايا الى كراتشكوفسكي عام 1939: لا يوجد أي مستشرق استطاع ان يؤسس هكذا مدرسة مثلك.

وبغض النظر عن الصعوبات المختلفة التي تحيط بمدرسة الاستعراب ونشاطاتها واصداراتها العلمية تمكن كراتشكوفسكي من اصدار رسالة أحمد بن فضلان عام 1939 من إعداد كوفاليفسكي بإشراف كراتشكوفسكي وتحريره. وفي عام 1956 بعد عودة كوفاليفسكي بعد الحرب قام بإعادة نشر رسالة ابن فضلان وكتب عليها “إهداء للأكاديمي كراتشوفسكي في ذكراه الخالدة”. وكان كوفاليفسكي معتقلاً ومثله اعتقل عام 1937 أ. اسكنديروف وكلثوم عودة (أطلق سراحها عام 1939). وفي 1938 اعتقل أ. الشامي وزوجته س. روغينسكايا   وهما من تلامذة كراتشكوفسكي.

وكذلك اعتقل المستعرب الشاب ت. شوموفسكي لمدة 18 عاماً وهو الذي قام بدراسة وترجمة ونشر المخطوطة العربية عن الجغرافيا البحرية وقصائد احمد بن ماجد دليل فاسكو دي غاما[8]. كما قام بترجمة القرآن الكريم شعراً لأول مرة.

وكانت كلثوم عودة تعتبر نفسها تلميذة كراتشكوفسكي، الذي كلفها بإلقاء محاضرات في الأدب العربي الحديث واعترف بأن تدريس اللغة العربية في معهد الاستشراق يستند بكامله على كلثوم عودة. وتتذكر كلثوم عودة الرعاية الإنسانية والحنان الذي أظهره كراتشكوفسكي لها ولبناتها وساعدها في العمل في المعهد.

لكن كراتشكوفسكي تحدث، في عام 1945، عن حزنه ويأسه من تلامذته الذين لا يبذلون جهداً كافياً لكي يتابعوا مسيرته الكبيرة، واعتبر أن ذلك قد يكون عقوبة القدر للأستاذ على أخطائه.

وبسبب صعوبة طباعة ونشر كتاب الشاعر عبد الله ابن المعتز داخل روسيا قام أصدقاؤه في لندن بالمساعدة في طباعته. بالإضافة الى نشره السيرة الذاتية لميخائيل نعيمة ومقالات أخرى تخص المسلمين اعتبرته القيادات السياسية أمر مستهجن ويتناقض مع السياسة السوفيتية.

بعد عملية “التنظيف” التي بدأت عام 1937 في صفوف اكاديمية العلوم بدأ هجوم واسع وقوي على “الاستشراق الأكاديمي الرجعي”. وبدأت تظهر سلسلة من المقالات المليئة بالحقد والاتهامات المزيفة ضد كراتشكوفسكي وصلت لحد اتهامه بأنه ضد ثورة أكتوبر ويقف في الصفوف الأولى للمستشرقين الرجعيين في الأكاديمية، المتخفين وراء شعراء القرون الوسطى والتراث القديم. وكتب أحد المزاودين الشيوعيين: مالنا ومال تاريخ الأدب الذي يصرف كراتشكوفسكي وقته عليه ولماذا لا يخصصون دراساتهم للاشتراكية. واتهمهم بأنهم يحلمون بعودة النظام الرأسمالي الغربي إلى روسيا!

فمثلا كلثوم عودة كتبت عن مشاركة المرأة المصرية في ثورة عام 1919 فاتهموها بأنها صورت الثورة البورجوازية كثورة شعبية وطنية.

باختصار فإن مطبلي السلطة السوفيتية وصلوا لاستنتاج خطير وهدام وهو أن الاستشراق الأكاديمي الذي يقوده كراتشكوفسكي خدم الرجعية على مدى 30 عاماً!   وللمفارقة فقد دعاه معهد الاساتذة الشيوعيين (الحمر) بإلقاء محاضرات عن تاريخ العرب!

  • كراتشكوفسكي في مرحلة الحرب العالمية الثانية

في أجواء من الهجمة التعسفية الظالمة على المستشرق الكبير كراتشكوفسكي وعلى مدرسة الاستعراب بدأت الحرب العالمية الثانية والتي يسميها الروس الحرب الوطنية العظمى، حيث فقد معهد الاستشراق خلالها أكثر من ثلث باحثيه.

وخلال الحرب وحصار لينينغراد الطويل ظهرت تحديات ومهمات جديدة لدى المستشرقين، ومنها إعداد أوراق سياسية وكتيبات حول دول الشرق وحول مكافحة الفاشية. وكذلك تعرض70 ألف مخطوطة في معهد الاستشراق للضياع نتيجة القصف والحصار. وتم تهجير أغلب المستشرقين إلى موسكو وقازان وطشقند، بينما رفض كراتشكوفسكي مغادرة المدينة المحاصرة خوفاً على المخطوطات من جهة وضماناً لاستمرار ابحاثه العلمية الكثيرة المرتبطة بوجود مخطوطات ومراجع بالقرب منه، وكذلك- كما قال-  سيكون موقفي مخجلاً أمام تلامذتي وباحثي المعهد الباقين في المدينة إذا فيما غادرت المدينة. وكان من أكبر مشاريعه اكمال كتاب تاريخ الأدب الجغرافي العربي[9].

كما أن كراتشكوفسكي كان مسؤول عائلياً عن أخته وأخت زوجته وزوجها الكبار بالسن ولم يقبل أن يغادر ويتركهم وحدهم في ظل الحصار القاسي، حيث كانوا يحصلون يومياً على كمية من الطعام بالبطاقات في مكان خاص بالمدينة، والأدوية قليلة جداً.

وفي هذه الفترة مرض كراتشكوفسكي، وبدأت صحته تتدهور، ونصحه الأطباء بمغادرة المدينة المحاصرة، وكان هو يؤجل الأمر. وفي تلك الأيام العصيبة كانت زوجة المستعرب الكبير فيرا كراتشكوفسكايا تكرس كل وقتها لرعايته والاهتمام بصحته.  وتحافظ على الشروط الصحية للحفاظ على حياته. وتذكر فيرا كراتشكوفسكايا بأن اغناطيوس كان يذهب يومياً إلى المعهد ولا يخشى القصف المكثف من الألمان على مدينة لينينغراد. وكان يعمل في مكتبه ليلاً فقط على ضوء لمبة صغيرة تعمل على الكيروسين. وقد كتب لاحقاً عرفاناً لزوجته الوفية: لولا زوجاتنا لكنا قد متنا في لينينغراد. إن زوجاتنا ملائكة الرحمة ويجب أن نقيم لهن التماثيل.

كما تم تعيين كراتشكوفسكي في فترة الحرب عضوا في اللجنة العليا التابعة لأكاديمية العلوم المسؤولة عن المؤسسات العلمية في لينينغراد. وفي أصعب الظروف كان يستقبل كراتشكوفسكي الباحثين والموظفين في شقته وأحيانا كانت زوجته تعتذر عن الاستقبال نظراً لحالته الصحية المتردية.

وعندما تدهورت صحته وبدأ يضعف جسمه أحضر الأطباء له أدوية وفيتامينات بالطائرة من خارج المدينة فتحسن وضعه قليلاً. وبالرغم من وضعه الصحي الخطير كان يعمل على كتابه الجغرافي فأنجز فصلاً كاملاً من الكتاب.

وفي ربيع 1942 اضطر كراتشكوفسكي للخضوع لقرار أكاديمية العلوم والأطباء ووافق على مغادرة لينينغراد المحاصرة إلى موسكو، حيث بقي فيها إلى أن عاد إل لينينغراد في أغسطس 1944 بعد تحريرها من المحتلين الألمان. ولكن الموقف أثناء مغادرته للينينغراد كان مؤلماً له لأنه مُنع من أخذ كتبه وقال حينها يريدونني أن أتوقف عن العمل! وفي عام 1944 منحت الحكومة السوفيتية كراتشكوفسكي وسام لينين تقديرا لجهوده العلمية والتنظيمية في الحفاظ على المخطوطات والمقتنيات الثمينة في معاهد ومتاحف لينينغراد المحاصرة، والتي تشكل ثروة وطنية كبيرة للبلاد.

وتحدث خلال إقامته في موسكو عن فقر معهد الاستشراق في موسكو بالمخطوطات العربية والمراجع العلمية. ومع ذلك كتب مقالة طويلة عن تاريخ الاستعراب في روسيا من القرن الثامن عشر حتى الوقت الراهن.

  • كتاب “مع المخطوطات العربية” والظروف الصعبة

أهم عمل انجزه كراتشكوفسكي في فتر ة الحرب خلال وجوده في موسكو وفي مصحات ضواحيها هو كتاب “مع المخطوطات العربية”، حيث كتبه اعتماداً على ذاكرته بدون مراجع. ولاحقاً يكتب كراتشكوفسكي عن هذا الكتاب الجميل الشيق بأنه شبه بمذكرات وأشبه بكتاب ثقافي ويشبه العمل الادبي. وقد لقي الكتاب اقبالاً منقطع النظير، حيث انتهت الطبعة الأولى بسرعة هائلة، وأعيد طبعه، خلال 3 سنوات، ثلاث مرات. وتمت ترجمته إلى أهم اللغات العالمية بما فيها العربية. ولقي الكتاب تفاعلاً غير مسبوق من القراء لما احتواه من قصص صادقة عن علاقة العالم بمخطوطاته وكيف يحصل عليها ويعتبر أن دراستها ونشرها جزء من واجبه. كما ترك الكتاب أثراً في نفسية القراء لأنه بث روح الإصرار والتفاؤل والأمل بنتائج البحث الطويل والجهود المضنية للحصول على مخطوطة ومعرفة ما في داخلها من معلومات قيمة. هذا الكتاب كان تلخيصاً وتجسيداً لمسيرة العالم المستعرب الباحث عن المعارف العربية في بطون الكتب والمخطوطات المنسية في بعض الأحيان. إنه كتاب تربوي أيضاً لما يرشد القارئ إلى طريق العلا والروعة. وهو بحسب التعليقات التي وردت إلى الكاتب يمثل صفحات رائعة من تاريخ الاستعراب الروسي، لأنه يكشف الغطاء عن الرومنسية في العمل، ويمثل دليلاً للطلبة وهو مكتوب بلغة رقيقة وشفافة والأهم من كل ذلك فهو مكتوب بلغة انسانية طيبة.

ومن تلك القصص قصة “القرآن بالخط الكوفي والجدة العربية”، حيث تبين أن حفيدة سليم نوفل[10] جاءت الى كراتشكوفسكي تعرض عليه صفحات من مخطوطة القرآن بالكوفية. وقد اكتشف كراتشكوفسكي أن الصفحات تعود لمكتبة السيد نوفل، وعرف أن الفتاة هي حفيدته، علما أنها زعمت أن المخطوطة تعود الى جدتها العربية (لتبعد الأنظار عن جدها العربي سليم نوفل) فاشترى منها المخطوطة مع كتب ومخطوطات أخرى.

وفي خريف 1944 عادت كلية الاستشراق في جامعة سان لينينغراد للعمل وبدأت مرحلة نهوض في مدرسة الاستعراب، حيث عمل عدد من الأكاديميين في رئاسة الأقسام الاستشراقية، ولكن كراتشكوفسكي لم يخف تشاؤمه من الطلبة الجدد قليلي الحماس والرغبة في دراسة اللغة العربية والمخطوطات. وكان تقريباً هو المدرس الوحيد في قسم الاستعراب. وكان الطلبة يحترمونه ويجلّونه على علمه وأخلاقه وحبه للاستعراب.

وتروي دولينينا ذكرياتها عن محاضرات كراتشكوفسكي قائلة: عندما كان يلقي المحاضرات يتذكر قصصه خلال زياراته لبلاد الشام ومصر ويتذكر الصوفي على باب الجامع وهو يردد “الله أكبر ، الله أكبر” ويتذكر كيف كان ينادي للقطة السورية “كيس كيس” (كما يفعلون في روسيا) فلا ترد عليه القطة، بينما تلتفت إليه عندما يناديها “بيس بيس” .

وكان يلقي محاضرات في تاريخ الأدب العربي وفي اللهجة السورية، وكذلك في تاريخ الشعر العربي القديم ويقدم نماذج من الأدب العربي الحديث. وكان كراتشكوفسكي يهتم بطلابه ويساعدهم في حياتهم العملية من تأمين عمل وتوفير سكن وغيرها.

وفي تلك الفترة تمكن من نشر  كتاب “موجز في تاريخ الاستعراب الروسي” وكذلك مقالة مهمة “المؤلفات العربية في شمال القوقاز”، وكتيب “الأدب العربي في القرن العشرين”[11]

وكانت الحرب العالمية الثانية التي انتهت عام 1945 “مرحلة الهزات الكبرى” في كافة المجالات، حيث بدأ كراتشكوفسكي بالشعور بتقدم العمر والمعاناة من المرض، وحاول الإسراع بإنجاز أهم اعماله العلمية.

وما أن انتهت الحرب حتى تدفقت قرارات الحزب الشيوعي والحكومة السوفيتية في مجال التضييق والضغط على الحياة الفكرية في البلاد. وأصبح العلماء والمثقفين أمام خيارات صعبة إما الولاء والتبعية للسلطة وأجهزتها وإما الحفاظ على الكرامة الشخصية وتجنب الخيانة والمشاركة في الاتهامات المزيفة وإدانة أصحاب الرأي الآخر. وفي هذه الأجواء الصعبة والمخيفة جاء كتاب كراتشكوفسكي ” مع المخطوطات العربية” ليقدم صورة أخرى للعالم ليس كما تصورها السلطة الشيوعية. فالعالم في تصوير كراتشكوفسكي رجل مناضل ومكافح من أجل الحقيقة والمعرفة ولديه قيم علمية وإنسانية كبرى.

وقد تجاهل كتاب كراتشكوفسكي مثقفو السلطة باستثناء بعض التعليقات التي أشارت إلى أن كاتب هذه الصفحات لا يمكن أن يكون إلا عالم لديه قلب ينبض بالمحبة والخير والإنسانية. لكن الكتاب الأوروبيون استوقفتهم في كتاب “مع المخطوطات العربية” الجوانب الإنسانية الخيرة تجاه الناس.

ولم يهمل كراتشكوفسكي آلاف الرسائل التي وصلت إليه حول كتابه “مع المخطوطات العربية” بالرغم من صعوبة الرد عليها جميعاً، ويبدو أن المشاعر الدينية قويت لديه في أواخر سنوات عمره، ولذلك قال إنه يشعر بارتياح كبير ويقوم بواجبه المسيحي بالرد على كل الرسائل.

  • الحملة الشرسة على الاستعراب في روسيا

وقد كتب عام 1948 في إحدى رسائله للصديقة سوتوغينا أ.: إنني أشعر بحالة عجز ويأس لأنني لا أجد من يهتم بأبحاثي ولا من هو مستعد لسماع مكتشفاتي في الاستعراب. وفي أواخر ذلك العام تم تجهيز عملين مهمين للنشر “الجغرافيون العرب عن شعوب الاتحاد السوفيتي” و “المصادر العربية في تاريخ شعوب الاتحاد السوفيتي”.

وفي ذلك العام عاد تلميذه ت. شوموفسكي من المعتقل واعتبره كراتشكوفسكي أمله الأخير في إنجاز شيء مهم في مجال الاستعراب. ولكن شوموفسكي اعتقل من جديد عام 1949 وحكم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات.  وتم طرد أحد أنشط الباحثين عام 1947 من قسم الاستعراب، وفي مارس/آذار 1948 قدم كراتشكوفسكي استقالته من معهد الاستشراق. وفي تلك السنوات القاتمة كتب كراتشكوفسكي عن طبيعة البحث العلمي وكأنه يراجع مسيرته المليئة بالنجاحات والتحديات واليأس، وانتقد نفسه في تقصيره في عمله العلمي والتربوي.

وبالرغم من إنجازات كرتشكوفسكي العلمية الهائلة في الاستعراب توصل إلى استنتاج بأنه لم ينجح بشكل عام في عمله لأسباب ذاتية وأخرى تاريخية خارجة عن إرادته، لكنه أقر بأن نتائج عمله إيجابية.  ويقول كراتشكوفسكي: “لطالما كررت كلمات شاليابين (موسيقي روسي كبير) بأن “حياته لم تكن مرضية”، ولو استطعت لبكيت بمرارة وذرفت دموع العجز واليأس. وأحيانا أتذكر قصة “العجوز والسمكة الذهبية” والتي انتهت بالعودة الى بداية الحكاية أمام الحوض المكسور. ويبدو أنني طرحت مشاريع كبيرة تفوق قدراتي.

وبدأ الاستشراق الروسي بالتدهور، بعد اجتماع أكاديمية لينين للعلوم الزراعية في أغسطس/آب 1948. والحقيقة أن تلك الحملة المعادية للاستشراق بدأت قبل ذلك في أكتوبر/ت1 عام 1947، عندما ألقى رئيس جامعة لينينغراد كلمة عصماء وجه فيها اللوم للدراسات الاستشراقية والمستشرقين، لأنهم ينحنون أمام العلم البورجوازي الغربي، ويتجاهلون إسهامات العلم الروسي. وأن المفروض التركيز على الظروف المعاصرة، بينما هم يهتمون بالاستشراق والعلوم القديمة.

واتضح بأن التوجه القادم هو تسييس التعليم والعلوم. وبدأت حالة من الفوضى في الجامعات وفي أكاديمية العلوم الروسية. وفي شهر أبريل/نيسان عام 1949، تقدم كراتشكوفسكي مرة أخرى بطلب الاستقالة وخاصة على أثر مرضه المزمن. وبالفعل ترك كراتشكوفسكي، بدءاً من خريف 1950، معظم أعماله في الكلية الشرقية، وبقي لديه بعض طلبة الدراسات العليا.

وفي نوفمبر/ت2 من عام 1949 ألقى رئيس أكاديمية العلوم الروسية الأكاديمي س. فافيلوف كلمة مطولة “عن تحسين العمل العلمي في مجال الاستشراق” ووصف وضع الاستشراق بأنه غير مرضي، لأنه لم يقدم في السنوات الأخيرة أي عمل مهم في مواضيع معاصرة تتعلق بتاريخ واقتصاد وثقافة بلدان المشرق”.

وهكذا فإن أكبر مؤسسة علمية في روسيا، والتي تنفذ توجيهات الحزب والسلطة الحاكمة أعلنت بوضوح موقفها السلبي من الاستشراق، لأنه يهتم بالقديم بينما البلاد بحاجة لدراسات معاصرة تخدم السياسة الخارجية السوفيتية بتوجهاتها الأيديولوجية، في حين أن أكبر مستعرب وهو الأكاديمي كراتشكوفسكي لم يدرس العلوم والتاريخ واللغة العربية بهدف سياسي وايديولوجي فلم يكن شيوعياً، وإنما كان مستعرباً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. وتم اتخاذ قرار تأسيس معهد واحد للاستشراق في الاتحاد السوفيتي مركزه في موسكو وفرعه في لينينغراد.

ومن يتابع مسيرة معهد الاستشراق في موسكو وتوجهاته البحثية يجد أنه يهتم بدرجة رئيسية بالأبحاث السياسية والاقتصادية والتاريخية والثقافية المعاصرة لبلدان وشعوب المشرق، بينما المستشرقون في لينينغراد استمروا بدراسة المخطوطات القديمة وأكثر من 90% منها موجود في مكتبات لينينغراد. وهكذا هو الحال حتى اليوم.

واستمرت الأمور بالتطور نحو الأسوأ. فهذا مستشرق مزاود اسمه ل. كليموفيتش ينشر مقالة في الصحيفة الأدبية (ليتيراتورنايا غازيتا) يتهم فيها المستعربين وعلى رأسهم كراتشكوفسكي بالشعوبية والخنوع للعلم البورجوازي، معتبراً أن رؤيتهم الاستشراقية السائدة إهانة للكرامة القومية لشعوب الاتحاد السوفيتي.

وظهرت انتقادات من مستشرقين موالين للسلطة السوفيتية وتوجهاتها الفكرية والعلمية، مفادها أن المطلوب دراسة تاريخ وثقافة الروس ولغتهم، وليس تاريخ العرب وثقافتهم. ومن هذه الانتقادات مثلاً: كيف ندرس المخطوطات العربية في داغستان ونفرضها على العمال ونلفق التهم للثقافة الروسية منطلقين من الأفكار الرجعية لرجال الدين المسلمين في داغستان.

ولم يكتف المعادون للاستعراب في روسيا بكتابة المقالات، بل بدأت المنظمات الحزبية الشيوعية بعقد اجتماعات موسعة يحضرها الأساتذة والباحثون وحتى الطلبة والإعلاميون لمناقشة وضع المستعربين وتقيم مستوى الدراسات الاستعرابية. وفي أحد هذه الاجتماعات تحدث مرة أخرى كليموفيتش متهماً كراتشكوفسكي بأنه لا يستخدم المراجع الماركسية ولا يذكرها في أبحاثه، واتهم كراتشكوفسكي بأنه يمجد في أبحاثه المستشرقين والمختصين الغربيين بالدراسات الإسلامية. واتهم كليموفيتش كراتشكوفسكي بأنه عروبي واسلاموي وشعوبي.

وفي هذه الفترة قام المستعربون في لينينغراد بالدفاع عن استاذهم بقوة وشكلوا نواة صلبة لحمايته من التهم الزائفة وتشويه صورته ومسيرته العلمية.

ودافع كراتشكوفسكي عن أهمية دراسة التاريخ العربي في آسيا الوسطى وشمال القوقاز، وأوضح أن كبار علماء آسيا الوسطى عملوا في ظل الدولة العربية الإسلامية ولا يمكن تجاهل انتماءهم الى شعوب آسيا الوسطى، لكنهم كتبوا باللغة العربية مثل البيروني والطوسي وابن سينا والخوارزمي والفارابي وغيرهم، وعدم دراسة هؤلاء العلماء “العرب بثقافتهم” والمسلمين، هو انتقاص وإهانة لشعوب آسيا الوسطى. وعن تلك الأيام تقول تلميذة كراتشكوفسكي دولينينا[12] : لقد تلقينا نحن الشباب درساً في شجاعة المواطن وكرامته العلمية.

  • الأشهر الأخيرة من حياة كراتشكوفسكي

في شهر فبراير/شباط 1950 طلبت المنظمة الحزبية في معهد الاستشراق من الأكاديمي كراتشكوفسكي إلقاء تقرير موسع حول “عمل قسم الاستعراب ومهماته القريبة”. وقد تحدث كراتشكوفسكي بجرأة وتفصيل حول الوضع المأساوي للمعهد. وأكد على ضرورة الربط بين التطور العلمي الداخلي للعلم وبين تلبية احتياجات المجتمع العلمي. وأشار الى عدم الخلط بين المهمات العلمية البحتة وبين المهمات السياسية وأن المستعرب يقوم بأعمال كبيرة في دراسة المصادر العربية المهمة لتاريخ شعوب الاتحاد السوفيتي ومن غير الواقعي أن نشغله بدراسة التاريخ المعاصر.

والحقيقة أن موقف كراتشكوفسكي يعتبر نموذجاً لشجاعة العالم في زمن القمع والملاحقات وفرض الرؤية السياسية في العمل العلمي، لأنه طرح رؤيته المختلفة مع رؤية رئاسة أكاديمية العلوم الروسية ومع رأي الحزب والحكومة.

وكتطور خطير في تاريخ الاستشراق والاستعراب صدر قرار في 1 يوليو 1950 من رئاسة اكاديمية العلوم الروسية يفيد بنقل الاستشراق بالكامل إلى موسكو وإبقاء قسم المخطوطات الشرقية والمكتبة. وشكل هذا القرار ضربة قوية للاستعراب وللمستعربين في لينينغراد، حيث تم طرد أكثر من 20 باحث في الاستشراق، منهم ثلاثة باحثين في الاستعراب. وتم في نفس العام اغلاق قسم الدراسات السريانية (السورية القديمة) والدراسات العبرية في الجامعة بشكل نهائي.

وقد مرّ  كر اتشكوفسكي في خريف وشتاء 1950 بظروف قاسية اتسمت بالصراع من أجل بقاء الاستعراب والمستعربين، واستطاع أن يحافظ على تقاليد المدرسة الاستعرابية وتابع اجتماعات المستعربين في شقته.

ومن الأخبار السارة غير المتوقعة في أواخر 1950، وبالضبط في نوفمبر/ت1 ، منح مجلس السلم العالمي ميدالية السلام الذهبية لمجلة “الطريق” اللبنانية والتي تحدث عنها كراتشكوفسكي، وكان ذلك انتصاراً معنوياً لكراتشكوفسكي الذي دافع عن الاستعراب وقضايا الثقافة والأدب العربي.

وفي 16 يناير/كانون الثاني 1951 بعث كراتشكوفسكي رسالة إلى مدير المعهد يطلب قبول استقالته نظراً لقناعته باستحالة إحياء الدراسات الاستعرابية وأنه لم يعد يرى جدوى من بقائه في المعهد.

وحضر مدير معهد الاستشراق في موسكو ن. تولستوي إلى لينينغراد لمقابلة كراتشكوفسكي وثنيه عن الاستقالة، ولكن تولستوي نفسه أعلن في اجتماع للباحثين في فرع المعهد بلينينغراد بأن عمل قسم الاستعراب يمكن تصنيفه بأنه غير ناجح ولذلك يجب إلحاقه بقسم اللغة التركية.

ويمكن أن نتصور مشاعر كراتشكوفسكي وحالته النفسية، وحديثه عن عدم قدرته في محاربة ممتهني الشعوذة والمنافقين، وشبه المشهد برجل يرتدي جزمة ثقيلة ويدوس بها بهمجية على حديقة ورد مزروعة بعناية فائقة.

وفي الساعة 12:40 من يوم 24 يناير/كانون الثاني عام 1951 رحل اغناطيوس كراتشكوفسكي أحد أهم وأكبر المستعربين في روسيا والعالم، بسبب أزمة قلبية حادة حسب التقرير الطبي.

وقد ذُهل رئيس اكاديمية العلوم الروسية الأكاديمي س. فافيلوف من خبر رحيل كراتشكوفسكي قائلاً بحسرة وألم: “واحسرتاه، أي أكاديمي خسرنا؟” وطلب تجهيز إكليل من الزهور باسمه لتوضع على ضريح الفقيد. واستعد للسفر الى لينينغراد للمشاركة في تشييع الجنازة.  ولكن حدث شيء غير متوقع في تلك الليلة وهو وفاة الأكاديمي فافيلوف نفسه.

وانتشر خبر رحيل الأكاديمي كراتشكوفسكي بشكل سريع داخل روسيا وخارجها ووصلت آلاف برقيات التعزية وبعضها مؤثر جداً مثل كلمة تلميذه ي. اوربيلي قائلاً: “أيها المواطنون لقد رحل عنا أحسن إنسان، الأكثر ذكاء والأكثر جمالاً…”   وقد حملوا نعشه وداروا به في شارع نيفسكي حملاً على الأيادي ونقل أخيراً إلى مقبرة فولكوف (دفن فيها الشيخ الطنطاوي أيضاً).

وقد كتبت دولينينا في كتابها “حبيس الواجب” بأن كراتشكوفسكي، الذي عاش حوالي 68 عاماً، رحل وهو في قمة مكانته العالمية وكان في حالة من الإبداع العلمي، بالرغم من تدهور صحته. لكنه في نفس الوقت كان يشعر بأنه إنسان غير سعيد إلى درجة كبيرة.  رحل كراتشكوفسكي وهو يعتقد أن كل شيء بناه مع طلابه سيتدمر، وأن التفكير العلمي الحر عنده وفي بلاده أصبح شيئا مستحيلاً. رحل المستعرب العلامة وهو يتألم من عدم اكتراث وطنه به”.

لقد رحل المستعرب الكبير اغناطيوس كراتشكوفسكي الذي أحب اللغة العربية والادب العربي والشعر العربي قديمه وحديثه، وأحب العرب، وهو الرجل العالم المسالم الذي اضطر في النصف الثاني من حياته بخوض صراع قاسي وثقيل من أجل الحقيقة والعدالة ومن أجل الحفاظ على نقاء العلم.  ويبدو أن القدر لم يكن رحيما بالاستعراب الروسي نظراً لما حل بشيخ المستعربين كراتشكوفسكي.

وتفيد تطورات الأحداث اللاحقة بعد رحيله ورحيل النظام الستاليني الاستبدادي العنيف، بحدوث انفتاح وانفراج في عمل الاستعراب في روسيا. وبدأ بالتبلور فريق ممتاز من المستعربين بعد عام 1956 في معهد المخطوطات الشرقية وفي الكلية الشرقية لجامعة لينينغراد.

وتأكيداً للوفاء لذكرى الراحل الكبير كراتشكوفسكي ، تم خلال الأعوام 1955-1960 نشر مؤلفاته الكاملة في 6 مجلدات[13] (حوالي 5 آلاف صفحة)، والتي تضمنت: أعماله الكلاسيكية المعروفة و”تاريخ الأدب الجغرافي العربي” و “كل المواد المنشورة وغير المنشورة سابقا عن عبد الله ابن المعتز والشعر العربي ومقالات ترجمت لأول مرة إلى اللغة الروسية، نشرها في مجلات مختلفة بما فيها في الموسوعة الإسلامية المشهورة. وصدرت ترجمة القرآن في طبعة مستقلة.

وعاشت زوجة كراتشكوفسكي السيدة فيرا بعده حوالي 23 عاماً (توفيت عن عمر يناهز التسعين عاماً في 4 يناير/كانون الثاني عام 1974)، وقد ساهمت بفعالية في إعداد ونشر مؤلفات كراتشكوفسكي الكاملة، وأهدت مكتبته الغنية جداً إلى قسم كتب بلدان آسيا وافريقيا في المكتبة الوطنية الروسية في بطرسبورغ. وكتبت مذكراتها ولم ينشر منها إلا القليل.

  1. ما أشبه الأمس باليوم: الأكاديمية والتعليم في عهدي ستالين وبوتين

تأسست أكاديمية العلوم الروسية في عهد الامبراطور بطرس الأول عام 1724، وكان أسمها أكاديمية بطرس للعلوم. وفي عام 1925 أصبحت تسمى أكاديمية العلوم السوفيتية. وفي عام 1991 أصبحت أكاديمية العلوم الروسية.

وشهدنا من خلال متابعة مسيرة المستعرب الكبير كراتشكوفسكي ما حل بأكاديمية العلوم السوفيتية ومعاهدها العلمية من تقزيم واقحام للسياسة في عملها على قاعدة محاربة الدراسات التي لها طابعاً قومياً أو دينياً مثل الدراسات الإسلامية والسريانية والعربية.

وفي العقدين الأخيرين من عصرنا الحالي، تعرضت أكاديمية العلوم الروسية ومعاهدها البحثية إلى هجمة غير مسبوقة من التهميش والتطفيش للباحثين وفق معايير سياسية تعسفية وليست علمية.

ففي عام 2013 تم تأسيس “الهيئة الفيدرالية للمؤسسات العلمية” (فانو) بقيادة شخصيات بيروقراطية غير علمية، سيطرت على كل ممتلكات أكاديمية العلوم الروسية وأكاديمية العلو م الطبية وأكاديمية العلوم الزراعية، من مباني ومختبرات وبنية تحتية، وتركوا الأكاديمية هيكلاً علمياً بلا موارد ولا تمويل مقبول.

كما تم إغلاق عدد من معاهد أكاديمية العلوم، وفصل أعداد كبيرة من الباحثين تصل نسبتهم إلى 50% بالرغم من وجود علماء كبار بينهم قضوا حياتهم في خدمة مجال علمهم والمعهد الذي عملوا فيه.

ولم تقتصر الهجمة على العلم والمؤسسات الأكاديمية بل شملت تغيير مناهج التعليم في روسيا في كافة مراحله تمشياً مع اتفاقية بولونيا، فأصبحت الجامعات مراكز للبزنس والقطاع الخاص وانتشر الفساد والرشوة فيها، وأصبحت الشهادات تباع وتشترى في بعض الجامعات وتدهور المستو ى العلمي لأغلب الجامعات.

وكتبت وسائل الاعلام الروسية عن طرق انتخاب أعضاء اكاديمية العلوم الروسية بالواسطة والمحسوبية واتباع طرق أخرى، والتي لم تكن مقبولة بشكل عام في العهد السوفيتي. مع أنه تم في المرحلة السوفيتية اقحام مجموعة من المفكرين السياسيين والفلاسفة الماركسيين والشيوعيين في أكاديمية العلوم لتمرير الأيديولوجيا الشيوعية في أعلى مؤسسة علمية في البلاد وإخضاع المؤسسات العلمية لأغراض القيادة السياسية، إلا أن التعليم كان ممتازاً وكذلك الأبحاث في مجال العلوم الطبيعية. لكن المشكلة كانت في العلوم الاجتماعية والإنسانية.

وبعد بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا في 24 فبراير/شباط 2022   أعلن وزير التعليم العالي عن التخلي عن نظام بولونيا العالمي لأنه غربي، ويبدو أن ذلك ردة فعل على العقوبات الغربية ضد روسيا.

وللأمانة فإن النظام التعليمي السوفيتي كان من أرقى أنظمة التعليم في العالم. وتشهد الوثائق على ذلك، حيث سبق وأن قامت لجنة أمريكية بدراسة سبب تفوق السوفييت في مجال غزو الفضاء وإرسال أول رائد فضاء سوفيتي إلى الفضاء الكوني، وهو يوري غاغارين. فتوصلت اللجنة الى استنتاج أساسي وهو تفوق النظام التربوي والتعليمي في الاتحاد السوفيتي بداية من روضة الأطفال وحتى الجامعة.

ولكن هيمنة رجال الأعمال الروس الليبراليين، التي أدت إلى تحطيم كل ما هو سوفيتي بإيجابياته وسلبياته، بما فيه نظام التربية والتعليم والجيد والسعي لنشر النظام الرأسمالي في روسيا، أدت الى تراجع التعليم والعلوم والمؤسسات الأكاديمية.

وللمفارقة فإن المسؤولين عن التعليم اليوم، أعلنوا تخليهم عن نظام بولونيا الغربي لأسباب سياسية متعلقة بالموقف السلبي الأوروبي والأمريكي من روسيا.

كما أن الجامعات وحتى المدارس الثانوية شهدت حوادث فصل المعلمين وأساتذة الجامعات من أعمالهم لمواقفهم المستقلة ومعارضتهم لسياسة الدولة في التدخل والتوسع في جورجيا وسوريا وأوكرانيا.

وتشهد روسيا اقحاما للسياسة والرقابة الحكومية غير مسبوق في مجالات العلم والتعليم وفي كل مسائل الفكر والبحث. وتفيد الأخبار عن ممارسات اضطهاد وقمع لأصحاب الرأي الآخر حتى لو كانوا من كبار العلماء. وكأن التاريخ يعيد نفسه. هكذا كان في عهد ستالين واليوم في عهد بوتين مع بعض الاختلافات.

وأقرب مثال على ذلك فصل كاتب هذه الأسطر من أكاديمية العلوم الروسية (معهد تاريخ العلوم والتكنولوجيا) لأسباب سياسية، بعد أن عمل لمدة 15 عاماً (من عام 2002) وأنجز عشرات الأبحاث التي عرضها في عشرات المؤتمرات العلمية الدولية. وسبب الفصل من العمل ليس علمياً بل سياسياً يتعلق بموقف الكاتب ومعارضته لنظام الأسد الاستبدادي الفاسد – حليف روسيا وانتقاده للسياسة الروسية في سوريا. وفي عام 2015 قال له دبلوماسي روسي رفيع بأن من يعمل في مؤسسات الدولة لا يمكنه انتقاد سياساتها فهذا غير مقبول، وكانت تلك رسالة تحذيرية قبل فصله.

  1. الخاتمة:

تتوجت مسيرة مدرسة الاستشراق الروسية (امتدت حوالي 300 سنة من العهد القيصري الى السوفيتي الى الروسي المعاصر) بظهور عشرات المستشرقين والمستعربين الذين قدموا خدمات جليلة في ترجمة ودراسة المخطوطات والمؤلفات العربية وتقديمها للقارئ الروسي، والتي اتسمت بالنظرة الموضوعية وإنصاف دور الإسهامات العربية في تطوير المعارف البشرية وتأثيرها الكبير على قيام النهضة الأوروبية.  وهذا يؤكد أن تطور الحضارات سلسلة متتالية من المراحل التي تعتمد على بعضها وتكمل بعضها.

وتأتي أهمية دور المستشرقين الروس من كونهم تعاملوا مع الدور الحضاري للعرب والمسلمين بمنهجية علمية غير متحيزة وغير عدائية، كما هو الحال مع العديد من المستشرقين الغربيين، الذين تحدث عنهم ادوارد سعيد في كتابه “الاستشراق”. ويمكن تفسير ذلك بالروح الشرقية لدى هؤلاء المستعربين الروس والشعور بأنهم ينتمون للشرق بقدر ما ينتمون لأوروبا وليس صدفة ان نسمع عن النظرية الأوراسية الروسية.

وقد تربع كراتشكوفسكي على قمة الاستعراب في روسيا والعالم، حيث قدم أعمالاً عظيمة لا تقدر بثمن في إحياء التراث الأدبي والشعري والجغرافي العربي والإسلامي، وقضى أكثر من أربعين سنة في بحثه المتواصل وكتاباته ودفاعه الشخصي المستميت عن أهمية مدرسة الاستعراب بصفتها قضيته الشخصية الأخلاقية، وضرورة الحفاظ عليها وتطويرها، وتعرض شخصياً لإهانات ومضايقات ومحاولات للانتقاص من أهمية أعماله الاستعرابية، هددت حياته الشخصية وصحته، وأوصلته الى حالة يأس فظيعة، انتهت بوفاته في بداية عام 1951.

لكن كتب كراتشكوفسكي مثل “مع المخطوطات العربية” و “تاريخ الادب الجغرافي العربي” و”موجز في تاريخ الاستعراب الروسي” ومئات الأبحاث والدراسات والترجمات، وخاصة الترجمة العلمية المتميزة للقرآن الكريم، ستبقى خالدة في المكتبات الروسية والعربية والعالمية كمراجع قيمة لا غنى عنها.

ومن واجب العرب والمسلمين إحياء ذكرى شيخ المستشرقين الروس المستعرب الكبير اغناطيوس كراتشكوفسكي، الذي أحب العرب وثقافتهم وأدبهم وشعرهم، كما أحبه كل من عرفه وقرأ مؤلفاته.

المراجع:

  1. محمود حمو الحمزة. الاستشراق الروسي والعالم الإسلامي. من تاريخ الاستشراق ودراسة المخطوطات العلمية في روسيا. 2022 (464 ص). الناشر: مؤسسة وعي للدراسات والأبحاث. الدوحة. قطر.
  2. إ. كراتشكوفسكي، المؤلفات الكاملة. 6 أجزاء. لينينغراد. 1956
  3. كراتشكوفسكي أ. سيرة حياته. مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق سنة 1927
  4.  ت. شوموفسكي. آخر أسود البحار العربية”. منشورات جامعة سان بطرسبورغ عام 1969.
  5. إغناطيوس كراتشوفسكي – نبذة من تاريخ الاستعراب الروسي. موسكو -لينينغراد.  1950.
  6. أغناطيوس كراتشكوفسكي. مع المخطوطات العربية. صفحات من الذكريات عن الكتب والبشر”. تعريب الدكتور محمد منير مرسي – الناشر دار النهضة العربية. 1969.
  7. آ. دولينينا. حبيس الواجب. السيرة العلمية للأكاديمي كراتشكوفسكي. سان بطرسبورغ. 1994.
  8. كراتشكوفسكي إ.، تاريخ الأدب الجغرافي العربي، ترجمة صلاح الدين عثمان، الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، من جزئين القاهرة، 1957.
  9. المسعودي أبو الحسن. مروج الذهب ومعادن الجوهر، المكتبة العصرية، صيدا- بيروت، 1987. ويقول كراتشكوفسكي في الجزء الأول من كتابه بأن المسعودي يحتل المكانة الأولى بلا منازع بين “أكثر الكتاب الجغرافيين أصالة في القرن العاشر للميلاد”
  10. من مقدمة كتاب “تاريخ الأدب الجغرافي العربي” بقلم زوجة المؤلف فيرا  كراتشكوفسكايا وهي عالمة سوفيتية ذات شهرة عالمية في ميدان النقوش الإسلامية.
  11. الحلبي بولص. رحلة البطريرك الانطاكي مكاريوس إلى روسيا 1765.  ترجمت للروسية من قبل جرجس مرقص عام 1898. دار نشر سويكين.  موسكو 
  12. رسالة ابن فضلان (أحمد بن فضلان بن العباس بن راشد بن حماد) في وصف الرحلة إلى بلاد الترك والخزر والروس والصقالبة سنة 309 هـ – 921 م). حققها وعلق عليها وقدم لها الدكتور محمد سامي الدهان عضو المجمع العلمي العربي بدمشق. مطبوعات المجمع العلمي العربي بدمشق. 1959.
  13.   كراتشكوفسكي إغناطيوس . كتاب حياة الشيخ محمد عيّاد الطنطاوي. 1929. ترجمة كلثوم عودةالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب بمصر. 1964.
  14. كراتشكوفسكي، دراسات في تاريخ الأدب العربي. ترجمة من الروسية بإشراف كلثوم عودة. 1965
  15. إدوارد سعيد، الاستشراق، ترجمة: كمال أبو ديب، ط 7، لبنان، مؤسسة الأبحاث العربية، 2005 م، ص 38
  16. حبيب بوزوادة.  الأدب العربي في عيون المستشرقين الروس. قراءة في كتابات كراتشكوفسكي. العدد 23. مجلة دراسات استشراقية. 2020

[1]  محمود الحمزة. الاستشراق الروسي والعالم الإسلامي. مؤسسة وعي للأبحاث والدراسات. الدوحة. قطر. 2022

[2] كان كراتشكوفسكي يفضل استخدام كلمة الاستعراب بدلا من الاستشراق نظرا لأن موضوع دراستها يخص الثقافة والتاريخ والأدب والجغرافيا والشعر العربي منذ القدم وحتى المرحلة المعاصرة في القرن العشرين. كما أن الروس يعتبرون أنفسهم جزءا من الشرق ولذلك ينادون بفكرة الأوراسيا والتي تعني انتمائهم الى أوروبا وآسيا في نفس الوقت.

[3]  آ. دولينينا. حبيس الواجب. السيرة العلمية للأكاديمي كراتشكوفسكي. سان بطرسبورغ. 1994.

[4]  إ. كراتشكوفسكي. مع المخطوطات العربية. صفحات من الذكريات عن الكتب والبشر”. تعريب الدكتور محمد منير مرسيالناشر دار النهضة العربية. 1969.

[5] كلثوم عودة (1892-1965) فلسطينية مسيحية من الناصرة درست في المدرسة الروسية في فلسطين وتزوجت من شاب روسي، عادت معه الى روسيا قبيل الحرب العالمية الأولى وشاركت مع زوجها الطبيب في الحرب، حيث قتل وترك لها عدة بنات. أصبحت مستعربة معروفة. وكان كراتشكوفسكي يودها كثيراً ويصفها بابنة الناصرة. ولها مؤلفات عن كراتشكوفسكي. وكتب عنها الشاعر الفلسطيني توفيق زياد والمستعرب الروسي يفغيني بريماكوف بكل تقدير واحترام.

[6]  إ. كراتشكوفسكي . حياة الشيخ محمد عيّاد الطنطاوي. 1929. ترجمة كلثوم عودةالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب بمصر. 1964.

[7]   إ. كراتشكوفسكي. مع المخطوطات العربية. صفحات من الذكريات عن الكتب والبشر”. تعريب الدكتور محمد منير مرسيالناشر دار النهضة العربية. 1969.

[8] ت. شوموفسكي. آخر أسود البحار العربية”. منشورات جامعة سان بطرسبورغ عام 1969.

– اصدر الموسوعة البحرية العربية باللغة الروسية.

– وكتب المستعرب شوموفسكي عن الاستعراب والعرب: هناك الكثير من الكلمات الروسية مصدرها اللغة العربية وبعض لغات الشعوب المسلمة. ويمكن القول الكثير عن العرب، انهم شعب رائع وأغنوا الحضارات الإنسانية بالكثير من العلوم.

[9]  إ. كراتشكوفسكي، تاريخ الأدب الجغرافي العربي، ترجمة صلاح الدين عثمان، الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، من جزئين القاهرة، 1957.

[10]  سليم نوفل جاء للعمل بالخارجية الروسية بعد مرض الشيخ الطنطاوي، وكان نوفل معادياً للإسلام وهو عربي مسيحي من طرابلس الشام.

[11]  إ. كراتشكوفسكي، المؤلفات الكاملة. 6 أجزاء. لينينغراد. 1956

[12] آ. دولينينا. حبيس الواجب. السيرة العلمية للأكاديمي كراتشكوفسكي. سان بطرسبورغ. 1994.

[13]  إ. كراتشكوفسكي. المؤلفات الكاملة. 6 مجلدات. لينينغراد. 1956.