يوم واحد هزّ الدولة الروسيةأو كيف انقلب السحر على الساحر
Политические статьи · 08.10.2023
في 24 فبراير/شباط 2022 بدأت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وفي 24 يونيو/حزيران 2023 حصل تمرد عسكري قاده صاحب شركة فاغنر العسكرية الخاصة يفغيني بريغوجين.
شركة فاغنر الروسية:
تأسست عام 2014 بهدف القتال في أوكرانيا بعد هروب رئيسها المقرب من الكريملين يانوكوفيتش وضم روسيا لشبه جزيرة القرم. ولكن هذه الشركة التي تحمل اسم فاغنر وهو موسيقي نازي، مارست نشاطات واسعة في افريقيا وليبيا ومالي وسوريا وأوكرانيا وفي مناطق أخرى وما يميزها هو دعمها للأنظمة الشمولية باستخدام أساليب وحشية كما فعلوا في سوريا عندما قطعوا شابا من دير الزور وعلقوه واحرقوه تحت أنغام الموسيقى والرقص. ولم تحرك السلطات الروسية ساكنا لاستنكار هذه الجريمة المروعة. ونذكر كيف قضت القوات الامريكية في دير الزور على عدة مئات من مرتزقة فاغنر دون ان تعترف الحكومة الروسية بهم بل أعلنت وزارة الخارجية ان 5 مواطنين روس قتلوا. والحقيقة ان الحكومة الروسية كانت تنفي وجود مثل هذه الشركة وتتنصل من افعالها إلى أن جاءت الحرب الروسية في أوكرانيا لتكشف كل الأوراق ونعرف من خلالها ان فاغنر شركة مدعومة من القيادة الروسية وتتلقى السلاح وكل ما يلزمها من الجيش الروسي، خاصة وان مؤسس فاغنر يوصف بطباخ الكريملين لأنه كان يمتلك مطعما ويقدم الأطعمة الفاخرة لفلاديمير بوتين عندما كان نائبا لمحافظ مدينة سان بطرسبورغ.
مقابل مكاسب اقتصادية مثل النفط والغاز في سوريا والذهب والالماس في السودان وافريقيا الوسطى والمال في مالي ومصالح أخرى في ليبيا. وبالنتيجة فإن فاغنر هي الذراع الخفية الضاربة للقيادة الروسية فهي تحمي مصالحها الجيوسياسية وتكسب أرباحا.
لقد حارب مقاتلو فاغنر بشراسة في أوكرانيا واكتسبوا سمعة جيدة بين اغلب الروس الموالين للحرب في أوكرانيا. وعلى ما يبدو فإن بريغوجين كان يتلقى الدعم من قبل الكريملين ومن قبل أوساط مهمة في النخبة الروسية الحاكمة المدنية والعسكرية والأمنية وهذا ما شجعه ليتطاول على وزير الدفاع ورئيس الأركان العامة ويوجه لهم الاهانات بالصوت والصورة، بينما كان بوتين صامتا لغاية في نفس يعقوب.
وعندما قرر بريغوجين الانسحاب من مدينة باخموت التي ساهم مقاتلوه بشكل رئيسي في الاستيلاء عليها بعد ان تدمرت بشكل كامل، قال بأن الجيش الروسي قصف مواقع فاغنر وقتل العشرات فقرر حينها بريغوجين دخول روستوف والتوجه الى موسكو.
وشاهد العالم كيف سيطر بريغوجين على مقر القيادة العسكرية الجنوبية الواقعة على الحدود مع أوكرانيا بدون قتال يذكر وسيطر على المطارات العسكرية، وأسقط طائرة عسكرية قتل طاقمها وكذلك عدة مروحيات لأنها حاولت قصف مواقعه.
وبينما كان بريغوجين مدللا لدى الكريملين ويصول ويجول في روسيا وخارجها، فقد انقلبت الأمور في يوم 24 يونيو/حزيران حيث وجه له الرئيس بوتين تهمة الخيانة وضرورة محاسبته بأقسى العقوبات. وهكذا انقلب السحر على الساحر.
قراءة في أسباب وابعاد تمرد بريغوجين:
تحدث العديد من المحللين السياسيين والعسكريين الروس والأجانب عن خطر تضخم شركة فاغنر وامتلاكها للأسلحة الثقيلة، الذي انعكس في الانتقادات الحادة للقيادة العسكرية ممثلة بشخصي وزير الدفاع ورئيس الاركان، ثم تحول لاحقا الى انتقاد للقيادة السياسية مطالبا بمحاربة الفساد والبيروقراطية وترتيب البيت الداخلي وهدد بان روسيا مقبلة على ثورة تشبه ثورة 1917، ورفض تنفيذ قرار وزارة الدفاع الأخير الذي ايده بوتين والذي يقضي بضرورة تسجيل كل المقاتلين من الشركات الخاصة بما فيها فاغنر في وزارة الدفاع وهذا يعني انهاء فاغنر عمليا. فرفض بريغوجين قرار بوتين وقال لن ننتسب الى طريق “العار”. ومع ذلك فان بريغوجين أعلن لاحقا بانه لم يخطط لقلب السلطة في روسيا بل لإرسال رسالة بضرورة معاقبة المتخاذلين في قيادة الجيش وهي عبارة عن مسيرة تبحث عن العدالة. ولكنه تمرد على قرارات بوتين علنا بالرغم من انه لم يطالب بتنحيته، باستثناء تصريح له بان رئيس جديد لروسيا قادم.
وفي تصريح لبريغوجين مؤخرا بأنه رفض محاولات الجيش حل قوات فاغنر وقد يكون هذا أحد أسباب التمرد.
وهناك من يقول انه راهن على دعم عسكري وشعبي وأمني ولم يرى ذلك، مما دفعه للتراجع.
إن ما حدث يوم الرابع والعشرين ممن شهر يونيو بأن الحرب في أوكرانيا تركت اثرا بالغا على الوضع السياسي الداخلي في روسيا وابرزت صراعات بين النخب الحاكمة العسكرية والسياسية والأمنية والدليل هو كثرة التصريحات التي تنال أكبر المسؤولين وتتجاوز الخطوط الحمراء في الحياة الروسية. فمتى كان يستطيع كائن من كان انتقاد واهانة قيادة الجيش الروسي ولا يتعرض للقضاء والعقاب؟ بينما هناك من قال كلمة او كتب بوستا قصيرا في الفيسبوك وتعرض للسجن لسنوات طويلة.
يقول المثل إذا فعلت خيرا يرد اليك في وقت غير متوقع، وإذا فعلت شرا فانه أيضا يرتد عليك.
لقد كانت اعمال فاغنر قذرة بكل المقاييس وها هي ترتد على من كان يدعمها. وفاغنر لن تختفي من الحياة الروسية بسهولة. وتوديع فاغنر في مدينة روستوف دليل على تعاطف شعبي معها وهناك الصامتون والمتذمرون مما يجري يعتبرون قنبلة موقوتة.
نتائج تمرد بريغوجين:
كان هذا التمرد هزة حقيقية للدولة الروسية برمتها. فقد انقسم المجتمع الروسي بين مرحب بانتصار فاغنر على الجنرالات، وبين من طالب يقمع التمرد بسرعة لأنه خطر على النظام السياسي في روسيا. وقد تحدث الرئيس بوتين شخصيا عن خطر التمرد واثارته للفتنة التي ستدمر الدولة الروسية . ويرى البعض بأن ارسال رمضان قاديروف رئيس الشيشان قواته الى روستوف لمقاتلة فاغنر وكذلك ارسال مجموعة أخرى الى موسكو لمقابلة فاغنر قد تكون لعبت دورا حاسما في صد فاغنر. فالقوات الشيشانية هي الوحيدة في روسيا الى جانب فاغنر يتقنون حرب الشوارع في المدن.
ولكن التمرد انتهى حاليا بوساطة الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو بالتنسيق مع صديقه فلاديمير بوتين. ويبدو ان بريغوجين استنتج بانه امام حربا طاحنة ولم يكن متأكدا من وجود دعم حقيقي له، فقرر حماية مقاتليه وقبول اتفاقية مع بوتين ليغادر الى بيلاروسيا ولا نعرف الى متى؟ ولكن الاخبار تفيد بان قوات فاغنر التي ترفض الانضمام الى القوات المسلحة الروسية ستنسحب الى بيلاروسيا حيث أقيمت معسكرات خصيصا لهم على الأراضي البيلاروسية. ولا نعرف ما هو الدور المناط بهم لاحقا.
ومن المؤكد ان شركة فاغنر بشكلها الحالي انتهت عمليا لان صاحبها ومؤسسها بريغوجين فقد ثقة القيادة الروسية. ولا نعرف كيف سيكون وضع فاغنر في خارج روسيا؟
ولكن هذا التمرد لن يمر مرور الكرام بل سيكون له تبعاته في كافة المجالات لأن ما تحدث عنه بريغوجين ليس قضية شخصية بل قضايا تمس الدولة الروسية والمجتمع الروسي بمكوناته العسكرية والمدنية والسياسية. وان غادر بريغوجين روسي سياتي بريغوجين آخر فالشركات الأمنية عددها يزيد على 800 شركة وكلهم مدربون على حمل السلاح.
وبدلا من البحث عن معالجة أسباب التمرد وفيها الكثير من الحقيقة يخرج سيرغي لافروف بفكرة بأن تمرد فاغنر قد يكون وراءه استخبارات اجنبية. يعني رجعنا الى نظرية المؤامرة الكونية التي يعرفها السوريون جيدا.
وهكذا شهدنا يوما واحدا هز الدولة الروسية بكاملها فماذا لو استمر التمرد عدة أيام؟