π Prof. Dr. Mahmoud Hammo Al-Hamza Professor of Mathematics, Historian of Science · Researcher in Russian Orientalism · Political Expert

← Articles

تحولات السياسة الخارجية الروسية في الشرق الأوسط في سياق الحرب الروسية الأوكرانية (2022-2026)

Political articles · سلسلة دراسات وتقارير متخصصة (75) — المعهد العالمي للأبحاث الاستراتيجية · 09.10.2026

شهدت السياسة الخارجية الروسية خلال العقدين الأخيرين تحولاً ملحوظاً في توجهاتها الجيوسياسية، خاصة في منطقة الشــرق الأوسط التي أصبحت إحدى الساحات الرئيسية لإبراز عودة روسيا كقوة دولية مؤثرة. هذا التوجه قد تعزز بشكل واضح منذ التدخل العسكري الروسي في سوريا عام/2015م، الذي شكل نقطة تحول أولية في دور موسكو الإقليمي والدولي. ومع ذلك، فإن الحرب الروسية الأوكرانية التي بدأت في عام /2022م، شكلت تحديات جديدة للسياسة الخارجية الروسية وغيرت أولوياتها الاستراتيجية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الشــرق الأوسط. ومن خلال الحرب على أوكرانيا، تسعى روسيا إلى تحقيق هدف رئيسي وهو إعادة بناء النظام العالمي ونظام الأمن الأوروبي، بحيث تعترف الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، بروسيا كدولة عظمى لها دور نشط في العــالم.

كلمة المركز:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد:

يأتي هذا التقرير: تحولات السياسة الخارجية الروسية في الشــرق الأوسط.. في سياق الحرب الروسية الأوكرانية (2022-2026)، إعداد أ. د. محمود الحمزة، الخبير والمستشار في مكتب وزيرة التربية والتعليم، والتعليم العالي، جامعة حمد بن خليفة - الدوحة.

هذا التقرير

ماجد التركي ـ رئيس المركز

  1. المقدمة:

شهدت السياسة الخارجية الروسية خلال العقدين الأخيرين تحولاً ملحوظاً في توجهاتها الجيوسياسية، خاصة في منطقة الشــرق الأوسط التي أصبحت إحدى الساحات الرئيسية لإبراز عودة روسيا كقوة دولية مؤثرة. هذا التوجه قد تعزز بشكل واضح منذ التدخل العسكري الروسي في سوريا عام/2015م، الذي شكل نقطة تحول أولية في دور موسكو الإقليمي والدولي. ومع ذلك، فإن الحرب الروسية الأوكرانية التي بدأت في عام /2022م، شكلت تحديات جديدة للسياسة الخارجية الروسية وغيرت أولوياتها الاستراتيجية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الشــرق الأوسط. ومن خلال الحرب على أوكرانيا، تسعى روسيا إلى تحقيق هدف رئيسي وهو إعادة بناء النظام العالمي ونظام الأمن الأوروبي، بحيث تعترف الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، بروسيا كدولة عظمى لها دور نشط في العــالم.

تكمن أهمية الشــرق الأوسط بالنسبة لروسيا في مجموعة من العوامل الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية. فالمنطقة تمثل مركزاً استراتيجياً للطاقة العالمية، كما أنها تشكل حلقة وصل بين أوروبا وآسيا وإفريقيا ([1])، فضلاً عن كونها ساحة للتنافس بين القوى الكبرى. ولذلك تسعى موسكو إلى الحفاظ على حضور سياسي وعسكري واقتصادي فعال في المنطقة، بما يعزز مكانتها في النظام الدولي المتغير ويحد من الهيمنة الغربية، خاصة الأمريكية.

وقد أدت الحرب الأوكرانية إلى تسريع بعض التحولات في السياسة الروسية تجاه الشــرق الأوسط. فمن جهة، سعت موسكو إلى تعميق علاقاتها مع عدد من دول المنطقة لتعويض آثار العقوبات الغربية، ومن جهة أخرى حاولت الحفاظ على شبكة علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف الإقليمية، بما في ذلك الدول المتنافسة مثل إيران وإسرائيل وتركيا ودول الخليج.

وكان يفغيني بريماكوف المستعرب ورجل الدولة الروسي المعروف، مدافعا عن استقلال روسيا السياسي وخاصة موقفه الحاد من قصف يوغسلافيا (1998) وهو الذي وضع أسس النظام العالمي متعدد الأقطاب، وضرورة توجه روسيا نحو الشــرق. وقد أشار يوري أوشاكوف – مساعد الرئيس الروسي للسياسة الخارجية إلى أن يفغيني ببريماكوف () كان مدركاً للتطور العالمي، لذلك حذر في التسعينيات من ان الانتقال الى تعدد القطبية لن يمر بسهولة وقد يكون دمويا، والحرب الأوكرانية دليل على ذلك.

تسعى هذه الدراسة إلى تحليل التحولات في السياسة الخارجية الروسية في الشــرق الأوسط بعد الحرب الأوكرانية، من خلال دراسة أهدافها الاستراتيجية وأدواتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، بالإضافة إلى تقييم مدى نجاحها في عدد من الملفات الإقليمية الرئيسية. وهناك تركيز على العلاقات الروسي مع اهم دول المنطقة، وخاصة مع دولة قطر. وتطرقت الدراسة بشكل سريع إلى مستجدات الحرب في إيران وانعكاسها على الأمن والاستقرار وخاصة تأثيرها على سوق الطاقة.

تتلخص إشكالية الدراسة فيما يلي: إلى أي مدى أثرت الحرب الأوكرانية في طبيعة وأدوات السياسة الخارجية الروسية في الشــرق الأوسط، وما هي حدود نجاح هذه السياسة في تحقيق أهدافها الاستراتيجية في المنطقة؟

وتنطلق الدراسة من فرضية رئيسية مفادها أن الحرب الأوكرانية لم تؤد إلى تراجع الدور الروسي في الشــرق الأوسط بقدر ما دفعت موسكو إلى إعادة ترتيب أولوياتها وتعزيز شراكاتها الإقليمية ضمن إطار السعي نحو بناء نظام دولي متعدد الأقطاب.

واعتمدت الدراسة على منهج التحليل الجيوسياسي ومنهج تحليل السياسة الخارجية، إضافة إلى الاستفادة من الأعمال المتعلقة بالموضوع باللغات العربية والروسية والانجليزية.

  1. أركان السياسة الخارجية الروسية في الشــرق الأوسط:

لفهم السياسة الخارجية الروسية في اتجاهاتها المختلفة نتوقف عند الوثائق والرؤى الأساسية التي تصف استراتيجية السياسة الخارجية ووثيقة الأمن القومي والعقيدة العسكرية واستراتيجية الأمن الاقتصادي والعقيدة النووية الروسية.

رؤية السياسة الخارجية الروسية([2]):

وقع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يوم 31 مارس 2023، على وثيقة العقيدة الجديدة (رؤية جديدة) للسياسة الخارجية الروسية كتحديث ([3]) للنسخة السابقة للوثيقة التي تم توقيعها عام 2016.

وأكدت روسيا بأنها لا تقبل ممارسة ضغوطات عليها سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو غيرها، كما أنها تحتفظ لنفسها بحق "الرد القوي على تصرفات عدائية تجاهها، بما في ذلك تعزيز أمنها القومي" واتخاذ خطوات مضادة.

  • نصت الرؤية على "ازدياد دور القوة في القضايا الدولية". وقالت إن روسيا لها الحق في الرد على التهديدات الدولية من خلال تحسين دفاعاتها واتخاذ القرارات المناسبة والمتكافئة على الأفعال التي يقوم بها الغرب ضد روسيا، مثل العقوبات الاقتصادية وتوسع حلف الناتو بالقرب من الحدود الغربية لروسيا.
  • وأشارت الوثيقة إلى أن روسيا لا تعتبر نفسها عدوا للغرب ولا تنعزل عنه وليست لديها نوايا معادية تجاهه. وتأمل روسيا أن تدرك الدول الغربية مستقبلا عبث سياستها النزاعية وطموحاتها للهيمنة، وأن تعود إلى التعاون البراغماتي مع روسيا انطلاقا من مبادئ المساواة في السيادة واحترام مصالح الطرف الآخر. 
  • وأبرزت الأهمية المتزايدة للدول الإسلامية الصديقة لروسيا باعتبارهم شركاء موثوقين أكثر فأكثر في قضايا ضمان الأمن وحل المسائل الاقتصادية. 
  • ونصت الوثيقة على أن روسيا تنوي التركيز على تطوير التعاون الشامل والموثوق مع إيران، وتقديم دعم شامل لسوريا، وتعميق الشراكة متعددة الأوجه متبادلة المنفعة مع تركيا والسعودية ومصـر والدول الأعضاء الأخرى في منظمة التعاون الإسلامي انطلاقا من درجة سياديتها والطابع البناء في سياستها من روسيا.
  • ستعمل روسيا على بناء هيكل شامل ومستقر للأمن الإقليمي والتعاون في الشــرق الأوسط وشمال إفريقيا على أساس توحيد إمكانات جميع الدول والمنظمات الدولية في المنطقة.
  • وتشمل الرؤية المحدثة بندا جديدا يحدد مبادئ استخدام روسيا القوة العسكرية وتم إدراجه على خلفية النزاع المسلح مع أوكرانيا.
  • تنطلق روسيا من أنه يمكنها استخدام قواتها المسلحة وفقا لمبادئ وقواعد القانون الدولي المعترف بها عموما والمعاهدات الدولية للاتحاد الروسي وتشريعات الاتحاد الروسي. تعتبر روسيا المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة أساسا قانونيا ملائما وغير قابل للمراجعة لاستخدام القوة في الدفاع عن النفس.
  • يمكن استخدام القوات المسلحة إلى صد ومنع هجوم مسلح على روسيا و(أو) على حلفائها، وحل الأزمات، ودعم السلام وفقا لقرار من مجلس الأمن الدولي، وهياكل أخرى للأمن الجماعي بمشاركة روسيا في منطقة مسؤوليتها، لضمان حماية مواطنيها في الخارج، لمكافحة الإرهاب الدولي والقرصنة.

يشير الخبير الروسي والمدير السابق لمركز كارنيغي في موسكو دميتري ترينين أن السياسة الروسية في الشــرق الأوسط هي جزء من سعي أوسع لروسيا لتأكيد نفسها كمركز قوة مستقل في عالم متعدد الأقطاب، وفقًا لمصادر مجلة "روسيا في السياسة العالمية". ترينين يبرز المبادئ الأساسية للسياسة الروسية في الشــرق الأوسط: 1) البراغماتية والتعددية في البحث عن المصالح وليس نشر ايديولوجية ما، وتنويع العلاقات مع التركيز على تعددية الأقطاب، و 2) تستخدم روسيا مجموعة محدودة، ولكن فعّالة من الأدوات (القوة العسكرية والدبلوماسية)، مع إدراك أنها لا تستطيع أن تحل محل الولايات المتحدة كقوة مهيمنة

استراتيجية روسيا للأمن الاقتصادي 2030:

وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على المرسوم الخاص  بـ "استراتيجية الأمن الاقتصادي 2030"([4])  في 15 مايو 2017، إذ تحدد هذه الوثيقة الأهداف ذات الأولوية، تعزيز السيادة الاقتصادية، وضمان الطابع المستدام للاقتصـــــــــاد وصموده أمام التحديات الخارجية، بما في ذلك العقوبات. كما تنص الاســـــــــتراتيجية على دعم قطاع الانتاج العسكري وزيادة مستوى المعيشة.

العقيدة العسكرية الروسية([5]):

صدق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 26 ديسمبر 2014 على الصيغة الجديدة للعقيدة العسكرية الروسية، والتي تعتبر حشد القدرات العسكرية للناتو من أهم الأخطار الخارجية. وقد خضعت لتعديلات لاحقة. منها للعقيدة النووية لروسيا([6]).

وتشير الوثيقة الجديدة إلى 14 خطرا عسكريا خارجيا أساسيا على روسيا، بما في ذلك نشاطات أجهزة الاستخبارات والمنظمات الأجنبية المخربة، والتهديدات المتصاعدة للتطرف والإرهاب في ظروف عدم كفاية التعاون الدولي في هذا المجال، وأيضا انتشار أسلحة الدمار الشامل والصواريخ وتقنياتها.

وحسب بنود العقيدة العسكرية فإن روسيا تحتفظ بحق استخدام السلاح النووي كرد على استخدام هذا السلاح أو أي نوع من أسلحة الدمار الشامل ضدها أو ضد حلفائها. كما يحق لروسيا استخدام السلاح النووي لدى استهدافها بأسلحة تقليدية في حال هدد ذلك وجود الدولة. وقرار استخدام الأسلحة النووية يعود للرئيس الروسي.

تحديث العقيدة النووية الروسية (2024):

  • الرئيس الروسي هو الذي يقرر استخدام الأسلحة النووية.
  • الأسلحة النووية هي آخر وسيلة لحماية سيادة الدولة.
  • تتضمن العقيدة النووية المحدثة المعايير التي تسمح باستخدام الأسلحة النووية.
  • تشمل العقيدة المحدثة توسيعاً لفئة الدول والتحالفات العسكرية التي يتم استخدام الردع النووي ضدها.
  • يمكن استخدام الردع النووي في حال إطلاق واسع النطاق للصواريخ المجنحة والطائرات المسيرة وغيرها من الطائرات وعبورها للحدود الروسية.
  • يتم تنفيذ الردع النووي فيما يتعلق بعدو محتمل، ويعني الدول والتحـــــــالفات العسكريــــــة التي تعتــــــــــــــبر روسـيا عــــدواً محتمــــــــــــــلاً وتمــــــــــــــتلك.
  • أسلحة نووية و(أو) أنواعاً أخرى من أسلحة الدمار الشامل أو لدى قواتها إمكانات قتالية كبيرة.
  • تحتفظ روسيا بالحق في استخدام الأسلحة النووية رداً على استخدام الأسلحة النووية و (أو) أنواع أخرى من أسلحة الدمار الشامل ضدها و(أو) ضد حلفائها، وكذلك في حالة العدوان على روسيا و (أو) جمهورية بيلاروس باعتبارها عضو في "دولة الاتحاد" باستخدام الأسلحة التقليدية التي تشكل تهديداً خطيراً لسيادتها و(أو) وحدة أراضيها.

استراتيجية الأمن القومي الروسي لعام 2021:

  • تكمن إحدى أبرز نقاط الاختلاف بين استراتيجية الأمن القومي الجديدة([7]) للدولة الروسية وسابقتها في إعارة اهتمام أكبر بكثير للتحديات القائمة في مجال الإنترنت.
  • وتنص الاستراتيجية الجديدة التي صادق عليها الرئيس فلاديمير بوتين عام 2023 على إضافة الأمن السيبراني([8]) إلى قائمة الأولويات القومية الاسـتراتيجية للدولـــة الروسية، وتضم قسـما مخصصا للأمن المعلوماتي

أشارت استراتيجية الأمن القومي الجديدة للدولة الروسية في مجال الأمن المعلوماتي إلى:

  • التطوير الســريع لتكنولوجيات المعلومات والاتصالات يجلب زيادة احتمال ظهور مخاطر على أمن المواطنين والمجتمع والدولة.
  • توسع نطاق استخدام تكنولوجيات المعلومات والاتصالات للتدخل في شؤون دول وتقويض سيادتها ووحدة أراضيها يشكل خطرا على الأمن والسلام الدوليين.
  • زيادة عدد الهجمات على الموارد المعلوماتية الروسية ومعظمها ينفذ من خارج البلاد.
  • المبادرات الروسية الرامية إلى ضمان الأمن المعلوماتي الدولي تواجه معارضة من قبل دول أجنبية تسعى إلى الهيمنة في الفضاء المعلوماتي العالمي.
  • أجهزة استخباراتية أجنبية تكثف أنشطتها الرامية لتنفيذ عمليات في المجال المعلوماتي الخاص بروسيا.
  • روسيا تواجه حملات تضليلية وتخريبية في الإنترنت تستهدف بالدرجة الأولى الشباب (منها تداول أنباء كاذبة عن خطر تنفيذ هجمات إرهابية ودعوات للانتحار ونشر مواد متطرفة والتحريض على ارتكاب أعمال غير قانونية وترويج تناول المخدرات وغيرها).
  • شركات دولية عملاقة تسعى إلى ترسيخ احتكارها في الإنترنت والسيطرة على كل الموارد المعلوماتية من خلال فرض الرقابة غير القانونية وإغلاق موارد معلوماتية بديلة.
  • رواد الإنترنت يواجهون محاولات تهدف إلى فرض رؤية مشوهة عليهم إزاء الحقائق التاريخية والتطورات في روسيا والعالم لدواع سياسية.
  • استخدام تكنولوجيات المعلومات والاتصالات الأجنبية في روسيا يزيد من خطر تعرض الموارد المعلوماتية في البلاد لمحاولات التأثير عليها من الخارج.
  • هدف ضمان أمن روسا المعلوماتي يكمن في تعزيز سيادة البلاد في المجال المعلوماتي.

وتحدد الاستراتيجية طرق تحقيق هذا الهدف، منها:

  • إنشاء الفضاء الآمن لتداول المعلومات الموثوق بها.
  • تحصين البنى التحتية الخاصة بالمجال المعلوماتي في روسيا. 
  • منع التأثير التخريبي بالوسائل المعلوماتية والتكنولوجية على الموارد المعلوماتية الروسية.
  • تهيئة الظروف الملائمة لكشف ومنع الجرائم في الإنترنت.
  • زيادة مدى تحصن القطاع الروسي من شبكة الإنترنت ومنع أي سيطرة أجنبية على أنشطته.
  • تقليص عدد حالات تسرب بيانات سرية وشخصية إلى أدنى حد ممكن.
  • تعزيز الأمن المعلوماتي الخاص بقوات الجيش الروسي ومنتجي الأسلحة والمعدات العسكرية.
  • تطوير وسائل وأساليب ضمان الأمن المعلوماتي باستخدام تكنولوجيات حديثة منها الذكاء الاصطناعي.
  • إعطاء الأفضلية إلى استخدام التكنولوجيات محلية الصنع في البنى التحتية المعلوماتية في روسيا.
  • تعزيز التعاون مع الشركاء الأجانب في مجال ضمان الأمن المعلوماتي بما يخدم خاصة إنشاء نظام دولي جديد خاص بهذا الشأن.

ملامح السياسة الخارجية الروسية في عهد بوتين([9]):

  • صرح الرئيس فلاديمير بوتين أكثر من مرة بأنه أراد خلال فترة رئاسته الأولى (2000-2004) الانتساب الى النظام الأوروبي والغربي، فلم يرحبوا به فأدار وجهته نحو الشــرق، وقد اتبع بوتين سياسة براغماتية تقوم على المصلحة وليس على الأيديولوجيا كما كان الحال في العهد السوفيتي الشيوعي.
  • وفي مؤتمر الامن الأوروبي في ميونيخ عام 2007 انتقد بوتين ما أسماه الهيمنة الاحتكارية للولايات المتحدة في العلاقات العالمية، و"الاستخدام المفرط للقوة في العلاقات الدولية دون قيود تقريبًا". وأصبح الخطاب معروفًاً، خاصة في روسيا، باسم خطاب ميونيخ. فقال إن نتيجة هذه الهيمنة هي "أنه لا أحد يشعر بالأمان! إذ لا يمكن لأحد أن يشعر أن القانون الدولي يشبه الجدار الحجري الذي سيحميهم. وبطبيعة الحال، تحفز هذه السياسة سباق التسلح". ويطالب بوتين دائماً بتعددية الأقطاب وإعادة بناء النظام العالمي وأن روسيا من حقها الدفاع عن وجودها ومصالحها القومية باستخدام كافة الوسائل (بما فيها النووي). وهذا كان من اهم اهداف التدخل الروسي في سوريا وأوكرانيا لإيجاد مكاناً يجلس عليه في طاولة اللاعبين الكبار.
  • كما عبر بويتن عن طموحه في التوسع واستعادة "روسيا التاريخية العظمى" والدفاع عن الروس أينما كانوا وفق نظرية "العالم الروسي" ، التي تبرر التدخل في أي مكان يعيش فيه روس بحجة الدفاع عنهم.
  • ومن التوجهات السياسية الروسية التعامل مع دول الجوار من منطلق الهيمنة الاقتصادية والسياسية والجيوسياسية، والتي أدت إلى نتائج سلبية في أوكرانيا وآسيا الوسطى. ونشير إلى الكلمة التي ألقاها رئيس جمهورية طاجكستان رحمون إمام موجها كلامه للرئيس بوتين أمام رؤساء آسيا الوسطى خلال اجتماع قمة في سمرقند (أوزبكستان) في عام 2022، أمام عدسات الكاميرات قائلاً نحن نحترمكم ونراعي مصالحكم ونطلب منك ان تحترمونا([10]).
  • من أهم سمات السياسة الخارجية لروسيا التعاون والصداقة مع الأنظمة الشمولية في العالم ومحاربة الثورات والديمقراطية باعتبارها مشاريع غربية يراد منها تغيير الأنظمة ونشر العولمة ومحو الثقافات.
  • هناك نظرة محافظة وقومية ومسحة ارثوذكسية في الموقف الروسي. لذلك تمسكت موسكو بنظام الأسد الذي لعب بورقة الأقليات والنعرة الطائفية وادعى حمايتها من الأغلبية السورية (وهم من العرب السنة). وهناك تصريح للوزير لافروف لراديو كوميرسانت، بأنه إذا انتصرت الثورة السورية فإنهم سيقتلون العلويين.

العوامل والأحداث التي أثرت في بلورة السياسة الخارجية الروسية:

  • انهيار الاتحاد السوفيتي 1991 والتدخل العسكري الغربي في يوغسلافيا وأفغانستان والعراق وليبيا 
  • الحركات الإسلامية الجهادية (حروب الشيشان والدعم العربي للمقاتلين الجهاديين في القوقاز والمد الاسلامي في اسيا الوسطى)
  • يذكر الروس دائماً بأن الاحتلال الامريكي للعراق كان تحت شعار نشر الديمقراطية في العالم ويقولون انظروا الى اين وصل العراق بعد 20 سنة من النهب والفساد والتدمير.
  • بعد ما جرى في العراق وفي ليبيا بشكل خاص ترفض روسيا تغيير الأنظمة سواء بالقوة من الخارج او بالثورات من الداخل
  • روسيا لها موقف عدائي واضح ضد الثورات الملونة([11]) التي حدثت في دول الجوار واتهمت الغرب بتنظيمها وأنها تشكل تهديداً للأمن القومي الروسي (في جورجيا (2003) وفي أوكرانيا (2004) وفي قيرغيزيا (2005) ومحاولة في اوزبكستان (2005) وفي بيلاروس (2006) وفي أرمينيا (2008) واحتجاجات في صربيا (2005) واضرابات في مولدافيا (2009)
  • ويعكس تصريح لافروف (2012) جوهر الموقف الروسي، حيث قال إن الربيع العربي هو ثمرة البذور التي زرعها جورج بوش الابن بإطلاقه لمشــروع الشــرق الأوسط الكبير ودمقرطة المنطقة بكاملها وكذلك صرح لافروف أكثر من مرة حول موقفه من الثورات الملونة([12]).
  • وتســـــــعى روسيا مع شركائها في منظمــــــــــــــات بريكس ومنظمة شنغهاي والاتحاد الاقتصادي الاوراسي لبلورة نظام عالمي جديد على مبدأ تعدد الأقطاب.

وتعتمد السياسة الروسية في الشــرق الأوسط على مجموعة من الأسس التي تحدد طبيعة حضورها في المنطقة:

  1. الجيوسياسي:

تتمثل الركيزة الجيوسياسية في سعي روسيا إلى تعزيز نفوذها في الشــرق الأوسط كجزء من استراتيجية موازنة النفوذ الغربي، خاصة الأمريكي. وقد برز هذا التوجه بوضوح منذ التدخل العسكري الروسي في سوريا عام 2015، الذي سمح لموسكو بتعزيز حضورها العسكري والسياسي في المنطقة([13]). كما تسعى روسيا إلى استخدام علاقاتها مع دول الشــرق الأوسط كوسيلة لتوسيع نفوذها في النظام الدولي، وإظهار قدرتها على لعب دور فعال في إدارة الأزمات الإقليمية.

  1. العسكري:

تعد القوة العسكرية أحد أهم أدوات السياسة الروسية في الشــرق الأوسط. ويظهر ذلك بشكل خاص في سوريا، حيث أنشأت روسيا قاعدتين عسكريتين رئيسيتين هما قاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية. وقد سمح هذا الوجود العسكري لروسيا بتعزيز موقعها الاستراتيجي في شرق البحر المتوسط، كما أتاح لها اختبار مئات الاصناف من الأسلحة الجديدة وتطوير قدراتها العسكرية([14]).

  1. الاقتصادي:

تلعب المصالح الاقتصادية دوراً مهماً في السياسة الروسية تجاه الشــرق الأوسط، خاصة في مجالات: الطاقة – التجارة - الاستثمارات - مبيعات السلاح. وقد شهدت العلاقات الاقتصادية بين روسيا وعدد من دول المنطقة نمواً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع دول الخليج وتركيا وإيران. كما أصبح التعاون في إطار تحالف OPEC+ أحد أهم عناصر التنسيق بين روسيا والسعودية في سوق النفط العالمي وكذلك التعاون مع قطر من خلال منتدى الدول المصدرة للغاز.

  1. الدبلوماسية المتوازنة:

تتميز السياسة الروسية في الشــرق الأوسط بقدرتها على الحفاظ على علاقات متوازنة مع أطراف متنافسة في المنطقة. فعلى سبيل المثال، تحتفظ روسيا بعلاقات وثيقة مع كل من: إيران وإسرائيل - تركيا وسوريا الجديدة- السعودية وإيران. ويمنح هذا التوازن الدبلوماسي موسكو قدرة على لعب دور الوسيط في عدد من الأزمات الإقليمية. ويرى الباحث نيكولاي كوجانوف([15]) أن هذه السياسة تمثل أحد أهم عناصر نجاح الدبلوماسية الروسية في الشــرق الأوسط، حيث تسمح لها بالحفاظ على علاقات مع جميع الأطراف دون الانخراط الكامل في الصراعات الإقليمية

ويتضح من التحليل السابق أن السياسة الخارجية الروسية في الشــرق الأوسط تستند إلى مجموعة من الركائز الجيوسياسية والعسكرية والاقتصادية والدبلوماسية التي تهدف إلى تعزيز نفوذ موسكو في المنطقة وإعادة تأكيد دورها كقوة عالمية مؤثرة.

غير أن اندلاع الحرب الأوكرانية في عام 2022 أدى إلى ظهور تحديات جديدة أمام هذه السياسة، مما دفع روسيا إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية في الشــرق الأوسط. ولذلك يصبح من الضروري تحليل التحولات التي طرأت على هذه السياسة بعد الحرب الأوكرانية، وهو ما سيتم تناوله في الجزء التالي من هذه الدراسة. ولفهم التحولات في السياسة الخارجية الروسية بعد عام 2022 لا بد من القاء نظرة على الازمة الأوكرانية أسبابها وتأثيرها في السياسة الدولية وفي النظام الدولي.

  1. الأزمة الأوكرانية وأسباب الحرب الروسية في أوكرانيا:

أولاً: الخلفية التاريخية للأزمة الأوكرانية:

تعود جذور الأزمة بين روسيا وأوكرانيا إلى عوامل تاريخية وجيوسياسية منذ تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991، حيث أصبحت أوكرانيا دولة مستقلة. وقد أدى هذا التحول إلى تغير كبير في التوازنات الاستراتيجية في أوروبا الشــــــــرقية، حيث فقدت روسيا جزءاً مهماً من مجالها الجيوسياسي التقليدي([16]) .

بالنسبة لروسيا، تعتبر أوكرانيا دولة ذات أهمية استراتيجية خاصة، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، بل أيضًا بسبب الروابط التاريخية والثقافية والدينية والاقتصادية بين البلدين. لذا اعتبرت موسكو أن تحول أوكرانيا نحو الغرب يشكل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.

وشهدنا تَعمَقاً لفكرة الأوراسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 من الفيلسوف الروسي القومي المحافظ ألكسندر دوغين([17]) الذي ينادي بمحاربة الغرب وتشكيل تحالف روسي عربي فارسي تركي أساسه المسيحية والإسلام السني والشيعي. وتوجد ابعاد مختلفة لفكرة الأوراسيا تتعلق بالهوية والجيوسياسة والسياسة الخارجية والتماسك الداخلي. وقد تفاقمت الأزمة بعد الأحداث السياسية التي شهدتها أوكرانيا عام 2014، عندما أدت الاحتجاجات الشعبية المعروفة باسم ثورة الميدان الأوكرانية إلى الإطاحة بالرئيس الأوكراني الموالي لروسيا فيكتور يانوكوفيتش، ما اعتبرته موسكو انقلاباً مدعوماً من الغرب.

ثانياً: الأسباب الرئيسية للأزمة الأوكرانية:

  1. توسع حلف الناتو شرقاً: يعد توسع حلف شمال الأطلســي نحو شرق أوروبا أحد أهم أسباب التوتر بين روسيا والغرب. فمنذ تسعينيات القرن العشرين انضمت عدة دول من أوروبا الشرقية إلى الحلف، وهو ما اعتبرته موسكو تهديداً مباشراً لأمنها القومي. وقد زادت المخاوف الروسية مع طرح إمكانية انضمام أوكرانيا وجورجيا إلى الناتو([18])، حيث نظرت موسكو إلى احتمال وجود بنية عسكرية للحلف على حدودها يمثل خطاً أحمراً استراتيجياً.
  2. الصراع الجيوسياسي بين روسيا والغرب: تعكس الأزمة الأوكرانية صراعاً أوسع بين روسيا والغرب حول شكل النظام الدولي ومناطق النفوذ في أوروبا الشرقية. من ناحية، تهدف الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون إلى تعزيز استقلال أوكرانيا وتعزيز علاقاتها مع المؤسسات الغربية مثل الاتحاد الأوروبي والناتو. من جهة أخرى، تسعى روسيا إلى الحفاظ على نفوذها التقليدي في الفضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي.
  3. وفي هذا الإطار قدم دوغين رؤيته الكبرى للعالم وقسَّمه إلى حضارتين متصارعتين: حضارة بحرية تُمثِّلها الولايات المتحدة والغرب الليبرالي، وحضارة برية تُمثِّلها روسيا، باعتبارها نواة لإمبراطورية أوراسية روحية تواجه الغرب. واعتبر دوغين أن "روسيا ليست دولة، بل مصير، وهذه المعركة ليست معركة حدود، بل معركة بين كينونتَيْن"([19]). وهو من دعا لضم شبه جزيرة القرم وكذلك السيطرة على أوكرانيا بحرب استباقية (كما قعل بوتين بالضبط في فبراير 2022)، واعتبر ان أوكرانيا جزء من العالم الروسي والمشكلة ليست بالأرض، بل بالجانب الحضاري والجيوسياسي.
  4. الانقسام الداخلي في أوكرانيا: تلعب العوامل الداخلية في أوكرانيا دوراً مهماً في الأزمة. فالمجتمع الأوكراني يتميز بوجود انقسام سياسي وثقافي بين مناطق تميل إلى أوروبا الغربية وأخرى ذات اغلبية روسية ترتبط تاريخياً وثقافياً بروسيا. هذا الانقسام أدى إلى صراعات سياسية متكررة داخل أوكرانيا، خاصة بعد عام 2014، عندما اندلعت الحرب في شرق البلاد بين القوات الأوكرانية والانفصاليين في منطقة دونباس.
  5. أزمة شبه جزيرة القرم: في عام2014 قامت روسيا بضم شبه جزيرة القرم بعد استفتاء محلي، وهو ما اعتبرته الدول الغربية انتهاكاً للقانون الدولي. وقد أدى هذا الحدث إلى فرض عقوبات اقتصادية على روسيا وزيادة التوتر بين موسكو والغرب([20]).
  6. عبر المفكر الأمريكي جون ميرشايمر عن وجهة نظره حول الحرب الروسية الأوكرانية في مقابلة مع قناة الجزيرة في نوفمبر 2025 قائلاً: كانت الحرب وقائية من جانب الرئيس بوتين ولا يوجد أدلة على أن روسيا ارادت احتلال أوكرانيا كاملة. وسبب الحرب هو منع أوكرانيا من الانضمام الى الناتو الذي أعلن في بوخارست عام 2008 ان الحلف ينوي ضم أوكرانيا له. أوكرانيا بدأت بالفعل تتحول الى قاعدة لحلف الناتو وهذا هو السبب الأساسي للحرب الروسية على أوكرانيا، وأضاف ميرشايمر بأن الروس سيخرجون بنصر بشع وأوكرانيا ستخسر([21]).

ثالثاً: الأبعاد الدولية للازمة الأوكرانية وتأثيرها على منطقة الشــرق الأوسط:

في 24 فبراير 2022م أعلنت روسيا بدء عملية عسكرية (خاصة) واسعة في أوكرانيا([22]). وقدمت لها عدة مبررات:

  • ما من شك بأن الصراع حول اوكرانيا لا يتعلق فقط بسياسة النظام الحاكم في اوكرانيا وتطلعاته نحو اوروبا الغربية ورغبته في الانضمام الى الناتو والذي تعتبره روسيا خطاً أحمراً في صراعها مع الغرب، بل هي معركة كبرى جيوسياسية وجيواستراتيجية حول توزيع مناطق النفوذ في العالم واعادة ترتيب النظام العالمي الجديد.
  • يمكن اعتبار الأزمة الأوكرانية اختبارًا لمدى رد الغرب على جهود روسيا لإعادة تشكيل النظام الأمني في أوروبا والعالم بشكل عام، مما يؤدي إلى قطع النظام الدولي الذي استفردت فيه الولايات المتحدة كقوة أحادية باستخدام حلف الناتو.
  • سعت روسيا في السنوات الأخيرة إلى كســر الهيمنة الأمريكية باتباع تكتيكات واستراتيجيات مختلفة منها: تحصين محيطها السوفيتي السابق عبر اتفاقيات أمنية وسياسية واقتصادية، وبناء تحالفات سياسية واقتصادية وعسكرية مع القوى العظمى مثل الصين والهند والبرازيل، والانفتاح على الأحزاب اليمينية والقومية في أوروبا وتقويتها من أجل عدم بناء جبهة أوروبية موحدة ضدها. 
  • نظرا لتشابك العلاقات السياسية والمصالح الاقتصادية، ومناخات نشوء نظام عالمي جديد لا يعرف حتى الآن شكله الواضح والعلاقات المُنظمة له، يصعب القول إن روسيا نجحت في إعادة بناء علاقاتها كما كان في زمن الاتحاد السوفيتي، ولكن واضح أنها حققت تقدما كبيرا في هذا الإطار عبر استغلال الأزمات الدولية والتذمر من النظام الحالي في الدخول مرة أخرة إلى الشــرق الأوسط، وافريقيا، وأمريكا اللاتينية.  
  • نلاحظ تورط غير مباشر من قبل الدول الإسلامية الكبيرة مثل تركيا وإيران في الصراع الروسي الغربي في أوكرانيا من خلال بيع إيران لروسيا طائرات مسيرة واتخاذ موقف سياسي وسطي من الحرب الروسية، وتقديم تركيا طائرات بيرقدار المسيرة لأوكرانيا ودعمها للموقف الاوكراني بوضوح.
  • الصراع في أوكرانيا أدى الى ازدياد دور الميليشيات الخاصة مثل فاغنر الروسية والمرتزقة القادمين من دول مختلفة والذين سينشطون في المنطقة العربية والإسلامية بعد انتهاء الحرب في أوكرانيا.
  • من أسباب الحرب الروسية في أوكرانيا هو الدفاع عن الروس مواطني أوكرانيا- من التمييز تجاه اللغة والحقوق الثقافية. وتمكنت روسيا بعد حرب تستمر لأكثر من 4 أعوام، من ضم أربعة أقاليم اوكرانية بشكل رسمي في الدستور الروسي وهي: دونيتسك- لوغانسك- زابوروجيه- خيرسون.
  • الاعتبارات الأمنية: تؤكد روسيا أن أحد أهم دوافع الحرب هو منع توسع الناتو إلى أوكرانيا، الذي تعتبره تهديداً مباشراً لأمنها القومي. ويرى بعض الباحثين أن القيادة الروسية اعتبرت أن الوقت قد حان لوقف التوسع الغربي في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي.
  • الحفاظ على النفوذ الجيوسياسي: ترى موسكو أن أوكرانيا تمثل جزءاً أساسياً من مجالها الجيوسياسي التقليدي، وأن فقدانها لصالح الغرب سيؤدي إلى تقليص دور روسيا في أوروبا. وقد أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في عدة خطابات أن روسيا لا يمكنها قبول تحول أوكرانيا إلى قاعدة عسكرية غربية على حدودها. وليس صدفة أن يقول المفكر الاستراتيجي الأمريكي بريجينسكي([23]) بأن أوكرانيا هي الرئة التي تتنفس منها روسيا، وان روسيا بدون أوكرانيا ليست دولة عظمى.
  • حماية السكان الناطقين بالروسية: تقول روسيا إن أحد أهداف العملية العسكرية هو حماية السكان الناطقين باللغة الروسية في شرق أوكرانيا، خاصة في منطقتي دونيتسك ولوغانسك. غير أن الدول الغربية وأوكرانيا ترفض هذا التبرير وتعتبره ذريعة للتدخل العسكري.
  • الأزمة الاوكرانية والصين: يربط البعض بين ما يجري من صراع روسي امريكي وبين موقف الصين المتحالفة مع روسيا اقتصاديا وسياسيا، ولكن الصين لا يمكن الرهان عليها في دعم روسيا ضد الغرب، لان الصين تتبع سياسة القوة الناعمة وتركز على الاقتصاد كأولوية. والصين أيضًا تسعى لتحسين علاقاتها مع اوروبا وامريكا دون استخدام القوة العسكرية. علماً أن بعض المحللين يرى أنه لو نجحت روسيا بالسيطرة على اوكرانيا بسهولة وسرعة لقامت الصين بالاستيلاء على تايوان. ولكن ذلك لم يتحقق.

رابعاً: آفاق الأزمة الأوكرانية:

لا يزال مستقبل الحرب في أوكرانيا غير واضح، لكن يمكن تصور عدة سيناريوهات محتملة.

  1. استمرار الحرب لفترة طويلة: يرى عدد من الباحثين أن الحرب قد تتحول إلى صراع طويل الأمد، خاصة في ظل الدعم العسكري الغربي المستمر لأوكرانيا.
  2. تسوية سياسية: من الممكن أن يتم التوصل إلى تسوية سياسية، تشمل ترتيبات أمنية جديدة في أوروبا وضمانات متبادلة بين روسيا والغرب.
  3. تجميد الصــراع: هناك احتمال آخر يتمثل في تجميد الصــراع دون حل نهائي، على غرار بعض النزاعات الأخرى في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي.

وتعود الأزمة الأوكرانية إلى مجموعة معقدة من العوامل التاريخية والجيوسياسية والسياسية التي دفعت روسيا إلى شن عملية عسكرية في أوكرانيا عام 2022، بهدف منع تحول البلاد إلى جزء من البنية الأمنية الغربية والحفاظ على نفوذها في المنطقة. ومع استمرار الحرب، يبقى مستقبل الأزمة مفتوحاً على عدة احتمالات، تتراوح بين استمرار الصراع أو التوصل إلى تسوية سياسية تعيد تشكيل التوازنات الأمنية في أوروبا. ويبدو حالياً أن الحرب في أوكرانيا تحولت الى حرب استنزاف متعادلة. وتراجع الدعم الغربي بعد وصول ترامب الى الرئاسة في الولايات المتحدة معتبراً أن سببها هو الرئيس الديمقراطي جو بايدن.

  1. تحولات السياسة الخارجية الروسية في الشــرق الأوسط بعد الحرب الأوكرانية:

يرى الباحث الروسي المختص بالسياسة الدولية فيودور لوكيانوف([24]) بأنه بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، تحولت سياسة روسيا في الشــرق الأوسط من دور "الوسيط النشط" إلى تعزيز التحالفات مع القوى المناهضة للغرب (مثل إيران)، واستخدام المنطقة كوسيلة للالتفاف على العقوبات الاقتصادية

وتواصل روسيا الحفاظ على نفوذها من خلال صادرات النفط، ووجودها العسكري في سوريا، والحوار مع الدول العربية، في محاولة لصــرف انتباه الغرب. ولكي نفهم أكثر التحولات التي أثّرت في الموقف الروسي وتطوره وتفاعله مع السياسات الدولية نذكّر بألكسندر دوغين الذي يعتبر من مفكراً وفيلسوفاً اشكالياً ويعتبره البعض من ملهمي الرئيس بوتين، الذي تذكر افعاله بأفكار دوغين في السياسة الخارجية الروسية.

صموئيل راماني([25]) يعتقد أن الأهداف الأساسية لروسيا لم تتغير بعد حرب أوكرانيا، بل أصبحت أكثر وضوحًا، وتشمل: استعادة مكانة روسيا كقوة عظمى وذلك من خلال استخدام الشــرق الأوسط كمنصة وساحة لإظهار القوة والنفوذ مقابل الهيمنة الغربية

كما تعتبر روسيا نشاطها في الشــرق الأوسط كوسيلة لتحقيق الأمن الجيوسياسي وذلك بمحاربة التطرف ومحاولات زعزعة الاستقرار في روسيا نفسها. ويؤكد راماني بأن روسيا لم تغادر الشــرق الأوسط بعد أوكرانيا، لكنها تحولت من قوة صاعدة إلى قوة "مُقيَّدة" تعتمد على البراغماتية والتوازن.

ومن جانبه يشير الخبير الروسي المعروف أندريه كورتونوف([26]) كان مدير المجلس الروسي للشؤون الخارجية التابع للخارجية الروسية) إلى تحول روسيا تحت ضغط العقوبات بعد الغزو الروسي لأوكرانيا 2022، في النقاط التالية:

      • جرى تحول استراتيجي في السياسة الروسية نحو الشــرق وخاصة الصين، حيث أدّى هذا التحول إلى نشوء اعتماد أحادي الجانب على الصين في مجالات التكنولوجيا والسلع الاستهلاكية، وكذلك في تصريف صادرات الطاقة، بعد إغلاق الأسواق الغربية
      • وقامت روسيا بإعادة توجيه الاقتصاد من خلال إعادة توجيه سلاسل إمدادات الطاقة الروسية نحو آسيا، خاصة إلى الصين والهند، للتعويض عن فقدان الأسواق الأوروبية.
      • رغم تجنب العزلة الكاملة، واجهت روسيا صعوبات في هذا التحول بسبب محدودية القدرات التكنولوجية، ومخاطر "العقوبات الثانوية" التي قد تؤثر على شركائها، إضافة إلى القيود اللوجستية.
      • وعملت روسيا على الخروج من نظام دولي تهيمن عليه الدول الغربية، وبناء نظام جديد أكثر توافقًا مع المصالح الروسية، بالاعتماد على شراكات مع دول غير غربية.
      • ويقول كورتونوف إن هذا التغيير ليس مجرد رد فعل مؤقت، بل هو تغير بنيوي في السياسة الخارجية الروسية وفي الجغرافيا الاقتصادية للبلاد.

ويناقش الباحث (Hanna Notte) ([27]) طبيعة المصالح الروسية في الشــرق الأوسط. ويرى أن روسيا سعت دائمًا إلى إبعاد التهديدات عن حدودها، ومنع انتقال عدم الاستقرار أو التطرف من الشــرق الأوسط إلى الداخل الروسي. كما حرصت روسيا على رسم "خط أحمر" في مواجهة ما تعتبره تغييرًا للأنظمة بدعم غربي أو نشـرًا للديمقراطية، خاصة بعد التدخل العسكري في ليبيا 2011. ويشير الباحث إلى بروز بُعد أمني إضافي تجسد في استخدام القاعدة البحرية في طرطوس والقاعدة الجوية في حميميم في اللاذقية —كجزء من قوس ردع في مواجهة حلف شمال الأطلســي. وروسيا مجبرة على التنويع في العلاقات الاقتصادية خاصة بعد ضم شبه جزيرة القرم 2014 وما تبعه من عقوبات غربية.

ومع ذلك، كانت المصالح الاقتصادية أقل أهمية من المصالح الأمنية. من أبرز هذه المصالح: تصدير الأسلحة، وبناء محطات الطاقة النووية، وتصدير الحبوب، بالإضافة إلى السياحة الروسية إلى دول مثل تركيا ومصر. إلى جانب ذلك، هناك بُعد مرتبط بالمكانة الدولية، حيث تسعى روسيا إلى أن تكون حاضرة في جميع ملفات النزاع في المنطقة لإبراز نفسها كقوة عظمى.

هذه المصالح الأساسية لم تتغير مع الحرب الروسية الأوكرانية 2022، إذ ترى موسكو أن القطيعة مع الغرب طويلة الأمد، وأن المواجهة معه ستستمر. في هذا السياق، تزداد أهمية الشــرق الأوسط وشمال أفريقيا والجنوب العالمي بالنسبة لروسيا، وإن لم يصل إلى مستوى أولوية الحرب في أوكرانيا التي تستنزف قدرًا كبيرًا من الموارد.

أفكار ألكسندر دوغين مصدر إلهام سياسة بوتين: 

  • النظرية السياسية الرابعة: يرى دوغين أن النظريات الليبرالية (في الغرب) والشيوعية (في الدول الاشتراكية) والفاشية (الألمانية والإيطالية) فشلت وبقي ان تقود روسيا تشكيل تحالف جيوسياسي أوراسي في ظل تعددية قطبية، وأن يتشكل تحالف بين روسيا والصين وإيران ودول اسيا الوسطى والدول العربية والإسلامية وتركيا يسميه التحالف البري ضد التحالف البحري بقيادة أمريكا. ويدعو دوغين إلى:
  • الحفاظ على القيم والتقاليد المحافظة الدينية والقومية. 
  • فرض المصالح الروسية بالقوة (واتخاذ خطوات استباقية في جورجيا وأوكرانيا وهذا الذي حصل عملياً).
  • إقامة إمبراطورية أوراسية لضمان مكانة لائقة لروسيا في العالم المعاصر.
  • أن يكون للشعب الروسي الأرثوذكسي اليد العليا في التحالف الجيوسياسي الأوراسي.
  • ويعادي دوغين الليبرالية الديمقراطية الغربية بشكل كبير. 
  • أن تكون للروس الأرثوذكس اليد العليا في التحالف الجيوسياسي الأوراسي دوغين يكره الليبرالية الديمقراطية الغربية بشكل كبير.
  • اعتبر أن تمسك روسيا بالأسد هو جزء من نظرية الجيوبوليتيك الاوراسي وتخلي بوتين عن الأسد يعني الانتحار السياسي لروسيا ووفاة العالم متعدد الأقطاب. 

تأثير الحرب الأوكرانية على الاستراتيجية الروسية العالمية:

أدت الحرب بين روسيا وأوكرانيا التي بدأت في فبراير 2022، إلى تغيرات عميقة في البيئة الدولية، كما فرضت تحديات كبيرة على السياسة الخارجية الروسية. فقد واجهت موسكو عقوبات اقتصادية غير مسبوقة من قبل الدول الغربية، الأمر الذي دفعها إلى إعادة توجيه سياستها الخارجية نحو مناطق أخرى من العالم، وفي مقدمتها الشــرق الأوسط وآسيا وإفريقيا. وقد سعت روسيا في هذا السياق إلى تعزيز علاقاتها مع دول الشــرق الأوسط بهدف تخفيف آثار العقوبات الاقتصادية الغربية، إضافة إلى توسيع شبكة شركائها الاقتصاديين والسياسيين. ويرى العديد من الباحثين أن الحرب الأوكرانية لم تؤد إلى انسحاب روسيا من الشــرق الأوسط، بل دفعتها إلى زيادة اعتمادها على المنطقة باعتبارها شريكاً اقتصادياً وسياسياً مهماً. ومن ناحية أخرى، سعت موسكو إلى استخدام علاقاتها في الشــرق الأوسط لتعزيز خطابها السياسي حول ضرورة إقامة نظام دولي متعدد الأقطاب، في مواجهة ما تعتبره هيمنة غربية على النظام الدولي.

إعادة توجيه العلاقات الاقتصادية الروسية نحو الشــرق الأوسط:

أحد أهم التغيرات التي حدثت في السياسة الروسية بعد الحرب الأوكرانية هو أنها بدأت تركز جزء كبير من نشاطها التجاري والاقتصادي على الشــرق الأوسط، فقد فرضت العقوبات الغربية قيوداً كبيرة على التجارة الروسية مع أوروبا، مما دفع موسكو إلى البحث عن أسواق بديلة لتصدير النفط والغاز والمنتجات الأخرى.

وفي هذا السياق، برزت أهمية التعاون بين روسيا وعدد من دول الخليج، خاصة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحد وقطر. وقد لعب التعاون في إطار تحالف أوبك+ ، دوراً مهماً في تنسيق سياسات إنتاج النفط بين روسيا والسعودية، مما ساهم في استقرار أسعار النفط في الأسواق العالمية. كما شهدت العلاقات التجارية بين روسيا ودول الخليج نمواً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت الإمارات أحد المراكز المالية والتجارية المهمـــــــــة للشــــــــــــركات الروسية بعد فرض العقوبات الغربية. قطر أيضًا استثمرت الكثير من المال في قطاع النفط الروسي (حوالي 10 مليار دولار في عام 2016).

ومن جهة أخرى، شهدت العلاقات الاقتصادية بين روسيا وتركيا توسعاً كبيراً، خاصة في مجالات الطاقة والسياحة والتجارة. فقد أصبحت تركيا إحدى القنوات الرئيسية لتبادل السلع بين روسيا والأسواق العالمية، كما ازداد التعاون في مشاريع الطاقة، مثل مشــروع خط أنابيب الغاز المعروف باسم ترك ستريم.

تعميق الشراكة الاستراتيجية مع إيران:

من أهم التغييرات في السياسة الروسية بعد الحرب الأوكرانية هي زيادة التعاون الاستراتيجي مع إيران. فقد أدت الضغوط الغربية المشتركة على البلدين إلى تعزيز التقارب السياسي والعسكري بين موسكو وطهران.

ويجب التنبيه إلى أن العلاقات الروسية الإيرانية دائما قلقة وقابلة للانقلاب بسبب بذور عدم الثقة بين النظامين فكل منهما يخشــى أن يقدم الآخر على صفقة مع الغرب على حساب شريكه الآخر ([28]). وقد شمل هذا التعاون عدة مجالات، من بينها التعاون العسكري والتكنولوجي، إضافة إلى التنسيق السياسي في عدد من الملفات الإقليمية، خاصة في سوريا. ويرى بعض الباحثين أن العلاقة بين روسيا وإيران تحولت خلال السنوات الأخيرة من علاقة تكتيكية إلى شراكة استراتيجية شبه دائمة ([29]). كما يسعى البلدان إلى تطوير التعاون الاقتصادي بينهما، بما في ذلك مشاريع النقل والطاقة ضمن إطار ممر النقل الدولي المعروف باسم الممر الدولي للشمال–الجنوب الذي يربط روسيا بإيران والهند عبر بحر قزوين.

الحفاظ على التوازن في العلاقات مع القوى الإقليمية:

رغم تعميق علاقاتها مع إيران، حاولت روسيا الحفاظ على سياسة التوازن في علاقاتها مع القوى الإقليمية الأخرى في الشــرق الأوسط. فقد استمرت موسكو في الحفاظ على علاقات سياسية واقتصادية مع عدد من الدول التي تختلف مصالحها أو سياساتها مع إيران.

فعلى سبيل المثال، حافظت روسيا على علاقات وثيقة مع إسرائيل، خاصة بما يتعلق بالتنسيق العسكري في الأجواء السورية. كما استمرت في تطوير علاقاتها مع دول الخليج، بما في ذلك السعودية والإمارات وقطر. هذه السياسة تعكس ما يمكن تسميته بـ"الدبلوماسية المتوازنة"، التي تهدف إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية دون الانخراط الكامل في الصراعات بينها.

محدودية الموارد الروسية وتأثيرها في الدور الإقليمي:

على الرغم من الجهود الروسية لتعزيز حضورها في الشــرق الأوسط، فإن الحرب الأوكرانية فرضت قيوداً واضحة على قدرة موسكو على توسيع دورها في المنطقة. فقد أدى تركيز الموارد العسكرية والاقتصادية على الحرب في أوكرانيا إلى تقليص قدرة روسيا على تنفيذ عمليات عسكرية أو مبادرات سياسية واسعة النطاق في الشــرق الأوسط.

ومع ذلك، يعتقد بعض الباحثين أن روسيا لا تزال قادرة على الحفاظ على نفوذها في المنطقـــــة من خلال علاقاتها السياسية والعسكرية التي بنتها على مر السنين، بالإضافة إلى قدرتها على لعب دور الوسيط في بعض النزاعات الإقليمية. وإلى قدراتها العسكريــــــــة النووية وثرواتها الاقتصادية الكبيرة وحضورها في المنظمات الدولية مثل عضويتها الدائمة في مجلس الأمن.

  1. أدوات السياسة الروسية في الشــرق الأوسط بعد الحرب الأوكرانية:

تعتمد روسيا في سياستها تجاه الشــرق الأوسط على مجموعة من الأدوات التي تمكنها من الحفاظ على نفوذها في المنطقة رغم التحديات الدولية، ويمكن وصفها بالأسلحة الجيوسياسية الروسية([30]):

  • سلاح النفط والغاز: تمتلك روسيا 12 %   من احتياطي النفط بالعالم و32 % من احتياطي الغاز الطبيعي. وتشكل عائدات النفط الروسي نصف ميزانية الدولة، وثلث واردات الغاز الروسي كانت تذهب الى أوروبا قبل الحرب الروسية على أوكرانيا.
  • ملف الطاقة هو أحد أخطر أسباب الصراعات الدولية.
  • وكانت منطقة الخليج الغنية بالنفط دائما منطقة مصالح قومية لأمريكا.  لذلك نشهد وضعا قلقا وغير مستقر لدول الخليج بسبب العلاقات الاستراتيجية مع الغرب والارتباط الاقتصادي والعسكري بالدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة، واليوم تحاول بعض الدول الخليجية اتخاذ سياسة مستقلة عن الغرب وفقا لمصالحها الوطنية مثل التعاون السعودي والاماراتي والقطري مع روسيا في مجال النفط والغاز وخاصة تخفيض انتاج النفط والذي استفز الولايات المتحدة في حينه وتوعدت برد قوي على المملكة العربية السعودية.
  • ولطالما استخدمت روسيا الطاقة كسلاح سياسي للضغط على الدول الأخرى وظهر ذلك بقوة في العلاقة مع بيلاروسيا وأوكرانيا ومؤخرا مع الدول الأوروبية.
  • كما أن روســـــــــــيا استفادت من الحصار والعقوبات على إيران فقامت باستيراد النفط الإيراني بأسعار مرخصة وبيعها الغذاء. والآن في ظل الحصار على الدولتين اتفق البلدان على تبادل النفط الروسي بالغاز الإيراني.
  • وكذلك تقوم أوروبا وامريكا باستخدام سلاح النفط والغاز كوسيلة ضغط وعقوبة على روسيا بإيقاف استيراد النفط والغاز الروسي.
  • وقد يكون الغاز المكتشف في البحر المتوسط أحد أهم أسباب الصراعات الدولية والإقليمية في البحر المتوسط ويبدو ان التفاهمات بين دول المنطقة والمتدخلين الخارجيين هناك لم تكتمل بعد.
  • تصدير تكنولوجيا الطاقة النووية الروسية: تقوم شركة "روس اتوم" الروسية الحكومية ببناء محطات كهرونووية في مصر وإيران والسعودية وتركيا ومع الأردن والامارات. ووفقًا لتقرير "روس اتوم" لعام 2020، بلغت محفظة الطلبات الخارجية للشركة لمدة عشر سنوات 138.3 مليارات دولار. وشكّلت إنشاءات محطات الطاقة الذرية في الخارج 89.1 مليار دولار من هذه الطلبات.
  • كما أن القوة العسكرية لا تزال أحد أهم أدوات السياسة الروسية في الشــرق الأوسط. هذا واضح في محاولة روسيا الحفاظ على أي وجود عسكري أو تعاون عسكري في سوريا، واستمرار وجوده في ليبيا ومناطق أخرى.
  • ويسمح هذا الوجود لروسيا الحفاظ على موقع استراتيجي مهم في شرق البحر المتوسط، إضافة إلى تعزيز قدرتها على التأثير في التطورات الإقليمية.
  • الدبلوماسية متعددة المسارات: تعتمد روسيا أيضًا على الدبلوماسية النشطة في تعاملها مع قضايا الشــرق الأوسط. وقد شاركت موسكو في عدد من المبادرات السياسية المتعلقة بالنزاعات الإقليمية، مثل مسار أستانا الخاص بالأزمة السورية، الذي شاركت فيه روسيا إلى جانب تركيا وإيران.
  • كما تسعى روسيا إلى تعزيز دورها في القضايا الإقليمية الأخرى، بما في ذلك القضية الفلسطينية، حيث تؤكد موسكو دعمها لحل الدولتين وفق قرارات الشــرعية الدولي وبنفس الوقت تحرص روسيا على الحفاظ على علاقات متوازنة مع الجانب الفلسطيني ومع إسرائيل وهذا يعكس جوهر السياسة الخارجية الروسية في الشــرق الأوسط كونها تتبع "السياسة البراغماتية المتوازنة".
  • التعاون في مجال الطاقة: يعتبر قطاع الطاقة أحد أهم مجالات التعاون بين روسيا ودول الشــرق الأوسط. تعاون روسيا والسعودية في إطار تحالف أوبك + أدى إلى تعزيز التنسيق في سياسات إنتاج النفط.
  • كما تسعى روسيا إلى توسيع تعاونها مع عدد من دول المنطقة في مجالات الطاقة النووية السلمية والغاز الطبيعي.
  • في مجال أمن الطاقة: الأزمة في قطاع الطاقة العالمي تزيد من حدة الخلافات بين دول المنطقة على حقول الغاز والنفط (إسرائيل، مصر، لبنان، تركيا، اليونان، قبرص) وهناك مؤشرات عديدة إلى انخفاض اعتماد الدول العربية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية على الولايات المتحدة بما في ذلك في مجال الأمن. وقد حاولت الولايات المتحدة إقناع حلفائها، خاصة دول الخليج، برفض قرار منظمة أوبك+ الأخير، ساعية إلى زيادة صادرات النفط العالمية لضمان انخفاض الأسعار، بما في ذلك من أجل الحد من إيرادات روسيا. أبرز هذا القرار الخليجي، المتزامن مع المواجهة المتصاعدة بين روسيا والغرب، وجود خلافات في العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها في الشــرق الأوسط، الذين لم يخضعوا لضغوط الإدارة الأمريكية.
  • واعتبرت إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن خفض الإنتاج بمستوى مليوني برميل "كارثة مطلقة". واعتبر انتوني بلينكن أن بلاده تدرس "عددا من خيارات الرد" بشأن العلاقات مع السعودية بعد دعمها قرار خفض إنتاج النفط.
  • وحديثاً نجد كيف أن الإدارة الأمريكية لا تقوم بحماية حلفائها في منطقة الخليج (حدث هذا عندما تعرضت دولة قطر للحصار عام 2017 وتكرر ذلك مرة أخرى حين لم تبلغ الولايات المتحدة دولة قطر (الوسيط في التفاوض) بخطة إسرائيل استهداف وفد حماس المفاوض في مقر اجتماعه في قطر 2025 ، ومرة جديدة يحدث ذلك منذ 28 فبراير 2026، حيث تقوم إيران بالاعتداء على دول الخليج مجتمعة والولايات المتحدة لا تبالي)
  • وقد بين ذلك الاتفاق وجود تفاهم سياسي بين روسيا والسعودية في قطاع الطاقة، واستعدادهما لحماية مصالحهما في هذا المجال. كما يدل موقف السعودية على سعيها إلى اتباع نهج أكثر استقلالا في الساحة الدولية رغم ضغوط الولايات المتحدة عليها. 
  • بعض الخبراء مع ذلك يعتقدون أن روسيا لا تريد حقًا عودة إيران إلى سوق الطاقة التي تعتبر منافسًا قويًا لروسيا في تصدير النفط والغاز.
  • تجارة السلاح: تعد روسيا واحدة من أكبر مصدري السلاح في العالم، وقد شكلت منطقة الشــرق الأوسط أحد أهم أسواق السلاح الروسي خلال العقود الماضية. ورغم أن الحرب الأوكرانية أثرت في قدرة روسيا على تصدير بعض أنواع الأسلحة، فإنها لا تزال تحتفظ بمكانة مهمة في سوق السلاح العالمي. وتستخدم روسيا السلاح لأغراض اقتصادية وجيوسياسية.
  • يتضح مما سبق أن الحرب الأوكرانية أدت إلى مجموعة من التحولات في السياسة الخارجية الروسية تجاه الشــرق الأوسط. فقد دفعت العقوبات الغربية موسكو إلى تعميق علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع عدد من دول المنطقة، خاصة إيران وتركيا ودول الخليج. وفي الوقت نفسه، حاولت روسيا الحفاظ على سياستها التقليدية القائمة على التوازن في العلاقات مع القوى الإقليمية المختلفة، مع الاستمرار في استخدام أدواتها العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية لتعزيز نفوذها في المنطقة. لكن نجاح هذه السياسة يعتمد على عدد من العوامل، منها تطورات الحرب في أوكرانيا، وطبيعة العلاقات بين القوى الكبرى في النظام الدولي، بالإضافة إلى التحولات الجيوسياسية في منطقة الشــرق الأوسط نفسها.
  1. روسيا والنظام الدولي متعدد الأقطاب:
  2. التحول في بنية النظام الدولي:

شهد النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة تحولات عميقة في بنيته وتوازناته. ففي تسعينيات القرن العشرين ظهر ما يُعرف بـ"النظام الدولي الأحادي القطبية"، حيث أصبحت الولايات المتحدة القوة المهيمنة على النظام العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991. وقد تميزت هذه المرحلة بزيادة التدخلات العسكرية الغربية في عدد من مناطق العالم، بما في ذلك الشــرق الأوسط. لكن في العقدين الماضيين، ظهرت قوى دولية جديدة مثل الصين وعادت روسيا إلى الساحة الدولية كقوة فاعلة.

وقد أدى ذلك إلى تزايد الحديث في الأدبيات السياسية عن انتقال تدريجي نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، تتوزع فيه القوة والنفوذ بين عدة قوى كبرى. ويرى عدد من الباحثين ومنهم تسيغانكوف أن هذا التحول يعكس تغيرات بنيوية في الاقتصاد العالمي وتوازنات القوة العسكرية والتكنولوجية، الأمر الذي يقلل من قـــــــدرة أي دولة واحدة على الهيمنة الكاملة على النظام الدولي([31]).

  1. الرؤية الروسية للنظام الدولي متعدد الأقطاب:

تُعتبر فكرة التعددية القطبية من المفاهيم الأساسية في الفكر الاستراتيجي الروسي المعاصر. منذ بداية الألفية الثالثة، أكدت القيادة الروسية مراراً رفضها للنظام الدولي الأحادي القطبية، ودعت إلى إقامة نظام عالمي أكثر توازناً يقوم على احترام سيادة الدول وتعدد مراكز القوة.

وقد ارتبط هذا التوجه بما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ"عقيدة بريماكوف"، التي طرحها حين كان وزيراً للخارجية الروسية في تسعينيات القرن العشــرين([32]). وتقوم هذه العقيدة على فكرة إقامة نظام دولي متعدد الأقطاب يضم عدداً من القوى الكبرى مثل روسيا والصين والهند، بما يحد من الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي. وفي هذا السياق، ترى موسكو أن الشــرق الأوســــــــط يمثل إحدى الساحات الأساسية لإظهار هذا التحول في ميزان القوى العالمي. فمن خلال تعزيز حضورها السياسي والعسكري في المنطقة، تسعى روسيا إلى إثبات قــــــــدرتها على التأثير في القضايا الدولية الكبرى.

وقد ذهب ميرشايمر([33]) إلى أنه من المرجَّح أن تكون هناك ثلاثة أنظمة واقعية مختلفة في المستقبل المنظور: نظام دولي "هزيل" ونظامان "محدودان قويان"، أحدهما يُقاد من طرف الصين، والآخر يُقاد من طرف الولايات المتحدة، وسوف يكون النظام الدولي الهزيل مهتمًّا أساسًا بالإشراف على اتفاقيات الحد من التسلح وجعل الاقتصاد العالمي يعمل بفعالية، ويمنح اهتمامًا جديًّا بمشكلات متعلِّقة بالتغيُّر المناخي، وسوف تركِّز المؤسسات التي تشكِّل النظام الدولي بتسهيل التعاون البيني بين الدول. وسوف يكون هناك سمتان أساسيتان للعالم الجديد متعدِّد الأقطاب تشكِّلان على نحو عميق الأنظمة الصاعدة:

      1. بافتراض استمرار الصين في صعودها، فإنها ستنخرط في منافسة أمنية شديدة مع الولايات المتحدة، وسيكون ذلك بمنزلة السمة المركزية للسياسة الدولية على مدار القرن الحادي والعشرين، وسيقود هذا التنافس إلى خلق أنظمة محدودة يُهيمَن عليها من طرف الصين والولايات المتحدة.
      2. التحالفات العسكرية ستكون جزءًا مركزيًا من هذين النظامين، وهما الآن بصدد التشكُّل، وسيشبهان النظامين اللذين قادتهما الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة خلال مرحلة الحرب الباردة. لكن في بعض الأحيان، سيكون لدى الصين والولايات المتحدة أسباب تدفعهما للعمل معًا في مسائل عسكرية معينة. وهذا سيكون ضمن نطاق النظام الدولي، كما كان في السابق أثناء الحرب الباردة، حيث سيكون التركيز على اتفاقيات الحد من الأسلحة، وستشارك روسيا في هذا الجهد كما ستفعل الصين والولايات المتحدة.
      3. ومن المرجَّح أن تظل المعاهدات والاتفاقيات الموجودة التي تتعامل مع مسألة الانتشار النووي في مكانها، نظرًا لأن كل القوى العظمى الثلاث تريد الحد من انتشار الأسلحة النووية. لكن سيكون على الأطراف الثلاثة التفاوض على معاهدات جديدة تحد من ترسانتهما العسكرية، مثلما فعلت القوتان العظميان أثناء الحرب الباردة.
      4. وجود قدر ضخم من التواصل الاقتصادي بين الصين والولايات المتحدة، وبين الصين وحلفاء الولايات المتحدة في شرق آسيا، كما أن الصين والولايات المتحدة أيضًا تُتاجران وتستثمران عبر كل أنحاء العالم. وليس من المرجَّح أن تُقلِّص المنافسة الأمنية بين النظامين المحدودين هذه التدفقات الاقتصادية، فالمكاسب المتأتية من التجارة المستمرة مهمة ومطلوبة، حتى لو حاولت الولايات المتحدة الحد من تجارتها مع الصين، فبإمكان الأخيرة أن تُعوِّض ذلك من خلال تجارتها مع الشركاء الآخرين.

لذلك، قال ميرشايمر([34]) إنه من المحتمل أن يكون المستقبل مثل الوضع في أوروبا قبل الحرب العالمية الأولى؛ حيث كان هناك تنافس أمني شديد بين الحلف الثلاثي (النمسا- المجر- وألمانيا- وإيطاليا) والوفاق الثلاثي (بريطانيا العظمى - وفرنسا - وروسيا)، ولكن كان هناك تفاعل اقتصادي كبير بين هذه البلدان بشكل عام. نتيجة لذلك، ستؤدي المنافسة بين النظامين المحدودين اللذين تديرهما الصين والولايات المتحدة إلى صراع اقتصادي وعسكري كامل، كما حدث مع النظامين المحدودين اللذين سيطرت عليهما موسكو وواشنطن خلال الحرب الباردة، وبحسب رؤية نيكولاس غفوسديف، تهدف استراتيجية روسيا العالمية إلى تفكيك النظام الأحادي القطب الذي تقوده الولايات المتحدة، وذلك عبر إرساء نظام متعدد الأقطاب، وترسيخ مكانة روسيا كدولة حضارية مستقلة وقوة أوراسية. هذا النهج يركز على تعزيز الشراكة الأوراسية الكبرى، وتوطيد العلاقات مع دول الجنوب، واستخدام استراتيجية نفوذ هجينة لمواجهة الضغوط الغربية([35]).

  1. الشــرق الأوسط جزء أساسي في الاستراتيجية الخارجية الروسية:

تعتبر روسيا منطقة الشــرق الأوسط واحدة من المناطق الرئيسية في سياستها الخارجية، ولهذا أصبحت ساحة رئيسية للتنافس بين القوى الكبرى في النظام الدولي، مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين. وفي هذا السياق، تسعى روسيا إلى تعزيز نفوذها في المنطقة من خلال مجموعة من الأدوات، مثل التعاون العسكري والاقتصادي والدبلوماسي مع عدد من دول الشــرق الأوسط.

وتأتي أهمية المنطقة بالنسبة لروسيا من خلال:

        • الموقع الجيوسياسي للمنطقة الذي يربط بين ثلاث قارات ويجعلها مركزاً للطاقة والتجارة الدولية.
        • أهمية المنطقة في سوق الطاقة العالمي، حيث تضم أكبر احتياطات النفط والغاز في العالم.
        • وجود عدد من الصراعات الإقليمية التي تتيح لروسيا لعب دور الوسيط أو القوة المؤثرة في إدارة الأزمات.

ويرى الباحث الروسي ديمتري ترينين أن روسيا ترى الشــرق الأوسط “ساحة" لإظهار عودتها كقوة عالمية قادرة على التأثير في القضايا الدولية الكبرى"([36]).

كما يشير روبرت ليغفولد إلى أن السياسة الروسية في الشــرق الأوسط تمثل جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة روسيا إلى موقعها كقوة عظمى في النظام الدولي([37]).

الخبير الروسي المستشرق فيتالي نعومكين يؤكد على العلاقة التاريخية المستقرة والقريبة، وإن كانت معقدة، بين روسيا والعالم الإسلامي. ويستعرض تطور هذه الروابط منذ العصور الوسطى لروسيا الكييفية حتى الوقت الحاضر، مبرزًا كيف أن تنامي عدد المسلمين داخل روسيا والعوامل الجيوسياسية المتعلقة بدول المشرق الإسلامي مثل تركيا قد فرضت على روسيا أداء دور فريد كجسر بين الشــرق والغرب. ويؤكد نعومكين أن إدارة هذه العلاقة تتطلب موازنة دقيقة بين المصالح التاريخية والثقافية والأمنية المشتركة ضمن الفضاء الأوراسي([38]).

ويُعدّ سيرغي كاراغانوف من أبرز منظّري السياسة الخارجية الروسية ويدعو أيضًا إلى التوجه نحو الشــرق للاندماج في أوراسيا لتتحول من "أطراف أوروبا" إلى قلب القارة، وهو ما يعزز موقعها الجيوسياسي. كما يؤكد أن النظام الدولي السابق يشهد انهيارًا نهائيًا، وأن هناك صراعًا قائمًا لبناء نظام جديد تلعب فيه روسيا دورًا مستقلًا ومحوريًا.

ويتفرد كاراغانوف بدعوته إلى استخدام الردع النووي ويشدد على ضرورة إعادة التفكير في دور الأسلحة النووية بوصفها ضمانة أساسية للأمن في ظل تصاعد حالة عدم الاستقرار العالمي. ويتقاطع مع دوغين في رأيه بضرورة أن تتخلى روسيا عن محاولات "اللحاق بالغرب"، والتركيز بدلًا من ذلك على القيم الحضارية الخاصة بروسيا وهويتها المستقلة.

كما يؤكد كاراغانوف بأن روسيا يجب أن تكون "قوة قوية" لا تكتفي بالتكيّف مع الواقع الدولي، بل تسهم في صياغته وإعادة تشكيله([39]).

  1. الاستراتيجية الروسية في الشــرق الأوسط:

يمكن فهم الاستراتيجية الروسية في الشــرق الأوسط من خلال ثلاثة أهداف رئيسية:

        • موازنة النفوذ الغربي: تسعى روسيا إلى الحد من الهيمنة الغربية في الشــرق الأوسط، خاصة نفوذ الولايات المتحدة. ويظهر ذلك في معارضة موسكو لبعض السياسات الغربية في المنطقة، مثل التدخلات العسكرية أو العقوبات الاقتصادية.
        • تعزيز المكانة الدولية لروسيا: تعتبر موسكو أن تعزيز حضورها في الشــرق الأوسط يساهم في دعم مكانتها كقوة عالمية مؤثرة. وقد ظهر ذلك بوضوح في التدخل العسكري الروسي في سوريا عام 2015، الذي اعتبره العديد من الباحثين نقطة تحول في السياسة الخارجية الروسية، التي لم تحقق نتائج مستدامة.
        • توسيع الشـــراكات الاقتصادية: تسعى روسيا أيضًا إلى توسيع علاقاتها الاقتصادية مع دول الشــرق الأوسط، خاصة في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار. وقد أصبحت المنطقة أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لروسيا خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد العقوبات الغربية التي فرضت عليها عقب الحرب في أوكرانيا.
  1. حدود الدور الروسي في النظام الدولي الجديد:

على الرغم من النجاحات التي حققتها روسيا في تعزيز حضورها في الشــرق الأوسط، فإن قدرتها على لعب دور قيادي في النظام الدولي متعدد الأقطاب لا تزال تواجه عدداً من التحديات. ومن أهمها:

        • القيود الاقتصادية الناتجة عن العقوبات الغربية (إيقاف استيراد النفط والغاز الروسي من قبل أوروبا).
        • التنافس مع قوى دولية أخرى مثل الصين (الصين لديها مقومات اقتصادية هائلة وتقدم تكنولوجي وعسكري).
        • تعقيد الصراعات الإقليمية في الشــرق الأوسط (اخراج روسيا من سوريا إلى حد كبير).

ومع ذلك، يرى بعض الباحثين أن روسيا تمكنت من ترسيخ موقعها كفاعل دولي مهم في المنطقة، وأن دورها في الشــرق الأوسط سيظل جزءاً أساسياً من استراتيجيتها العالمية خلال السنوات القادمة.

ويمكن القول إن السياسة الروسية في الشــرق الأوسط لا يمكن فهمها بمعزل عن التحولات الأوسع في النظام الدولي. فروسيا تنظر إلى المنطقة باعتبارها ساحة مهمة لإعادة تشكيل توازنات القوة العالمية، وإثبات قدرتها على لعب دور مؤثر في النظام الدولي متعدد الأقطاب. من المحتمل أن يستمر هذا التوجه في المستقبل، خاصة مع استمرار التنافس بين القوى الكبرى وزيادة أهمية الشــرق الأوسط في الاقتصاد والسياسة العالميين.

ويرى بوليانسكي (Mikhail Polianskii)([40]) بأن الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022 أدى إلى تقويض العديد من الافتراضات المتعلقة بمحددات السياسة الخارجية الروسية، مما شكّل تحديًا جوهريًا لدراسات روسيا. وقام بوليانسكي بمراجعة نقدية للإنجازات السابقة وأوجه القصور في حقل دراسات السياسة الخارجية الروسية، مع تقييم مدى ملاءمتها في سياق ما بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، وأشار إلى أن العديد من الدراسات للسياســـــــــة الخــــــــــــارجية الروســـــــــــية تقدم إجابات قديمــــــــة لأسئلة جديدة، ولذلك نحتاج لدراسات معمقة تفتح آفاق بحثية جديدة لمعالجة هذه الإشكالية.

  1. روسيا والممرات المائية وســــــلاسل الإمداد في الشــرق الأوسط:

الممرات والمضايق العالمية وتأثيرها على السياسة الروسية:

تواجه روسيا في هذه المرحلة من تاريخها تحديات غير مسبوقة على خلفية تداعيات الحرب الأوكرانية، والتغيرات المتسارعة للوضع السياسي والأمني، إن كان عالمياً، أو في محيطها القريب الذي يدخل ضمن نطاق مصالحها الحيوية، ويشكل جزءاً من مشاريع واعدة تسعى روسيا إلى تحقيقها في مجال النقل الدولي والإقليمي. هذه التعقيدات في المشهدين الدولي والإقليمي تشكل مخاطر متعددة تواجه روسيا، بما في ذلك تهديد مصالحها التاريخية المرتبطة بمنافذها على البحار الدافئة، وجهودها لتحويل البحار الشمالية المتجمدة إلى ممرات تجارية دولية تنافس قنوات كبرى مثل قناة السويس وقناة بنما. تختلف أنواع المخاطر التي تهدد المنافذ والممرات المائية التي تؤثر على روسيا، حسب كل منطقة

فالمخاطر في البحر الأسود ناتجة عن تحول المنطقة إلى مسرح عمليات عسكرية بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا في فبراير 2022، مع تأثير واضح على التجارة الخارجية لروسيا ونفوذها في البحار العالمية، ورغبتها بضمان إمدادات لأساطيلها، لاسيما في البحر الأبيض المتوسط. وهناك اهتمام تاريخي روسي بالبحر الأسود، لم يتراجع في عهد الدولة الروسية الحديثة التي نشأت بعد تفكك الاتحاد السوفياتي. هذا البحر لا يزال له أهمية خاصة في استراتيجية روسيا الاقتصادية الخارجية.

فروسيا ثاني أكبر مُصدّر للنفط في العالم، ويمر 22% من شحناتها عبر موانئ البحر الأسود، بالإضافة الى تصدير الحبوب الى العالم، سيما وأن روسيا تعتبر ثاني أكبر منتج للقمح في العالم (تنتج روسيا أكثر من 100 مليون طن من القمح سنويا). بينما تعود المخاطر في بحر البلطيق إلى اشتداد التنافس مع الغرب ممثلا بقوات حلف الناتو، وتصاعد حدة التوتر هناك على خلفية رد الفعل الأوروبي والغربي بشكل عام على العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا. أما المخاطر التي تحدق بمشــروع ممر بحار الشمال فهي مرتبطة بموقف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومواقف الدول المطلة على المنطقة القطبية إزاء رؤية روسيا لمستقبل تلك المنطقة. وأخيراً هناك التحديات حول بحر قزوين ومشــروع النقل الدولي "شمال- جنوب"، وذلك بسبب التوتر في منطقة الخليج العربي والتصعيد حول إيران، وبقاء الوضع هناك مفتوحاً على مختلف الاحتمالات.

تشكل الممرات البحرية في الشــرق الأوسط والخليج العربي أحد أهم عناصر الجغرافيا السياسية العالمية، إذ تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية. وتتمثل أهم هذه الممرات في مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، التي تشكل عقداً استراتيجية في شبكة التجارة العالمية.

بالنسبة لروسيا، فإن هذه الممرات تمثل جزءاً من معادلة جيوسياسية أوسع تتعلق بإعادة تشكيل النظام الدولي، حيث تسعى موسكو إلى تقليل الهيمنة الغربية على طرق التجارة وتعزيز الممرات الأوراسية البديلة.

يضاف الى ذلك الأخطار الناتجة عن التوتر في منطقة الخليج العربي ومحاولات إغلاق إيران لمضيق هرمز الذي يمر منه حوالي 20% من النفط والغاز العالمي. وكذلك الاخطار المحدقة بمضيق باب المندب في اليمن الذي يتم التصعيد فيه خاصة بعد سيطرة الحوثيين على مساحات من اليمن وامتلاكهم أسلحة إيرانية فتاكة مثل الصواريخ الباليستية التي تهدد بضرب السفن التي مر بالبحر الأحمر من مضيق باب المندب ومن قناة السويس.

ويُعدّ البحر الأسود قاعدةً رئيسيةً لبسط النفوذ البحري الروسي خارج حدود المنطقة المباشرة. وقد وفّر أسطول البحر الأسود الدعم اللوجستي للعملية الروسية في سوريا، ما مكّن روسيا من فرض منطقة سيطرة محدودة ومؤقتة في شرق البحر الأبيض المتوسط([41]).

يبقى التحدي الأهم الذي تواجهه روسيا بخصوص البحر الأسود هو استعادة استقراره وقدرة روسيا على الحفاظ على ما تعتبره انجازات تاريخية حققتها حين تمكنت من السيطرة على مناطق شرق أوكرانيا المطلة على شريط طويل من ساحل البحر الأسود، وكذلك على بحر آزوف ومع أن رد فعل الغرب على العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا أثر بشكل واضح على الاقتصاد الروسي، إلا أن تأثيره، بالإضافة إلى تحول البحر الأسود إلى مسرح عمليات قتالية، لم يؤد إلى وقف النشاط التجاري الروسي عبر موانئ البحر الأسود بشكل تام، "وفي عام 2024، بلغت صادرات روسيا الزراعية 43 مليار دولار، أي ضعف مستوى صادرات الأسلحة قبل الأزمة، والتي تُعدّ مصدراً مهماً للدخل في الميزانية الروسية. ويمر جزء كبير من صادرات الحبوب عبر موانئ البحر الأسود"([42]).

تصاعدت حدة التوتر بين روسيا الاتحادية وحلف الناتو في بحر البلطيق بصورة غير مسبوقة في السنوات الأخيرة. ومع أن هذا البحر كان دوماً مسرح تنافس بين الجانبين، إلا أنه منذ إعلان روسيا في فبراير 2022م، عن بدء العملية العسكرية في أوكرانيا، تحول بحر البلطيق إلى مسرح عمليات عسكرية غاية في الخطورة([43])، ينذر بتفجر صراع عالمي خطير بين قوى نووية كبرى مثل روسيا والناتو الذي يضم دولا نووية منها الولايات المتحدة وفرنسا.

وكان انضمام فنلندا (2023) والسويد (2024) إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) أحد أبرز مظاهر تصاعد التوترات الحادة بين روسيا والغرب. وسيؤثر الوضع الناتج حتمًا على موقف روسيا في منطقة البلطيق وفي أوروبا عمومًا. ويتضح أكثر فأكثر اختلال التوازن الجيوسياسي والعسكري بين روسيا والغرب، وهو ما لا يصب في مصلحة روسيا في ظل التصعيد الحاد للمواجهة الروسية الغربية. ولا تزال أمام روسيا فرص عديدة لحماية مصالحها وتجنب العزلة التامة في المنطقة، فضلاً عن منع أخطر تطور للمواجهة، والذي قد يؤدي إلى صدام عسكري مباشر مع الناتو ([44]).

ومما يزيد من مخاطر تحول البلطيق إلى ساحة مواجهة عالمية بين قوى نووية كبرى، المخاوف التي عبر عنها الجانب الروسي من احتمال أن تقدم دول البلطيق على إغلاق خليج فنلندا الذي تطل روسيا عبره على هذا البحر، أو حتى إغلاق المضيق الدنماركي الذي يربط بحر البلطيق ببحر الشمال وعبره بالمحيط الأطلسي أمام حركة السفن الروسية، لاسيما على خلفية نقاشات مستمرة داخل الاتحاد الأوروبي بشأن إمكانية تقييد مرور ناقلات النفط التي تحمل الخام الروسي عبر المضائق الدنماركية بشكل كامل([45]).

ومع أن منطقة البحر الأسود لا تزال الأكثر توتراً من حيث احتمالية نشوب صدام بين روسيا وحلف الناتو، مع مواجهات غير مباشرة بين روسيا ودول الحلف مع استمرار النزاع الأوكراني، فإن استمرار التوترات في العلاقات بين روسيا والغرب في منطقة البلطيق، ونظراً لطبيعتها السياسية والجيوستراتيجية، يُنذر بأن تصبح هذه المنطقة ساحة رئيسية للعمليات العسكرية. وعلى عكس منطقة البحر الأسود، حيث تُعدّ تركيا وجورجيا من بين الدول الساحلية التي تُفضّل عدم قطع العلاقات مع روسيا بسبب الصراع الأوكراني، فإن دولاً مماثلة غير موجودة في منطقة البلطيق، تنظر روسيا إلى دول البلطيق الأعضاء في حلف الناتو كتهديد محتمل والعكس صحيح([46]).

مضيق هرمز وأهميته الجيوسياسية والاقتصادية:

يعتبر مضيق هرمز من أهم الممرات البحرية لمصادر الطاقة في العالم، إذ يربط الخليج العربي بالمحيط الهندي عبر خليج عمان. ويشكل المضيق نقطة عبور رئيسية لــ20-21 مليون برميل من النفط يومياً، وكميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال وخاصة من قطر إلى الأسواق العالمية. ومن هنا فالحرب الدائرة في المنطقة في منطقة الخليج تنعكس بشكل مباشر على أسواق الطاقة، وكذلك تؤثر سلباً على مصالح روسيا ونفوذها في المنطقة وتعرقل إنشاء سلاسل امداد عبر إيران الى الهند. وبعد ما يقارب الشهر من بدء الحرب في الشــرق الأوسط التي بدأت بالهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير 2026، وانتشرت إلى دول الخليج العربية والأردن ولبنان وإسرائيل، وشهدت تصعيداً كبيراً طال المنشآت الاقتصادية والطاقة بشكل خاص، تحول موضوع اغلاق مضيق هرمز إلى أحد أهم ساحات الصراع الدولية، حيث يشكل الصراع على اغلاق المضيق خطراً مباشراً يهدد بأزمة اقتصادية عالمية ظهرت بوادرها بارتفاع الأسعار في كل أنحاء العالم، وأصبح مضيق هرمز أداة جيوسياسية واقتصادية كبرى في مجرى الصراع العسكري والجيوسياسي القائم.

وتجدر الإشارة إلى أن طريقة حل أزمة مضيق هرمز قد تحدد مصير المنطقة والعالم وخاصة الولايات المتحدة ومكانتها في العالم. فهناك من يقارن انهيار الإمبراطورية البريطانية بعد فشلها في الحفاظ على سيطرتها على قناة السويس وهي ممر بحري عالمي.

مشــروع ممر "شمال- جنوب" الاستراتيجي من روسيا إلى الهند:

يعتبر ممر شمال- جنوب مشــروع نقل دولي كبير تشارك فيه روسيا وإيران والهند (دول مؤسِسة) وسلطنة عمان، وتركيا، وكازاخستان، وأرمينيا، وقرغيزستان، وطاجيكستان، وبيلاروسيا، وأوكرانيا، وسورية، وبلغاريا، ويتكون "ممر الشمال – الجنوب" من شبكة خطوط بحرية وبرية وسكك حديدية يبلغ طولها 7200 كيلومتر، ويبدأ من بومباي بالهند ليربط المحيط الهندي ومنطقة بحر عمان مع بحر قزوين مروراً بإيران، ثم يتوجه إلى سان بطرسبورغ الروسية، ومنها إلى شمال أوروبا وصولاً إلى العاصمة الفنلندية هلسنكي. ويعتبر هذا المشــروع أحد أرخص الطرق الرابطة بين قارتي آسيا وأوروبا، وبذلك ينافس قناة السويس، حيث تتقلص تكاليف النقل عبره بمقدار 2500 دولار مقابل كل 15 طنًا، هذا فضلا عن أن ذلك يستغرق 14 يومًا فقط، في مقابل 40 يومًا عبر طريق قناة السويس، ولكن المشــروع يتعثر تنفيذه بسبب العقوبات الدولية على إيران، وكذلك بسبب الحرب الدائرة في إيران والتي تشارك فيها الولايات المتحدة وإسرائيل (منذ 28 فبراير 2026).

وتقدر جودة المشــروع اقتصاديا بأنها مرتفعة، لأنه سيقلص تكاليف النقل بين الهند وروسيا بنحو 30%، والزمن الذي تستغرقه بنحو 40%، مقارنة بالطرق التقليدية، بحسب تقرير لـ (The Diplomat) بتاريخ 4 مايو 2015، وسيرتبط الخط الرئيسي للممر بخطوط فرعية تخترق وسط آسيا وشرق أوروبا، قبل وصول الممر إلى سان بطرسبورغ، ومنها إلى الأسواق الأوروبية براً وبحراً، الأمر الذي يزيد من أهمية المشــروع الاقتصادية والاستراتيجية.

ممر بحار الشمال- ذوبان الجليد يثير تنافساً بين روسيا والغرب:

في السنوات الأخيرة، وفي ظل العقوبات الغربية الشديدة على روسيا، ومحاولات الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية عزل روسيا عبر إغلاق سلاسل النقل والخدمات اللوجستية الدولية، تزايد دور ممر بحر الشمال بشكل كبير، ويُعدّ حاليًا بوابة روسيا المباشرة إلى الأسواق العالمية. ونظراً لعدم استقرار طرق النقل والخدمات اللوجستية الدولية حالياً، يُعدّ الوصول المباشر إلى دول جنوب شرق آسيا والهند والخليج العربي وأفريقيا، التي تشهد علاقاتها التجارية تطوراً مستمراً، أمراً بالغ الأهمية لروسيا([47]).

ويُعَدُّ طريق بحر الشمال جزءًا من ممر النقل عبر القطب الشمالي، وهو ممر وطني روسي تاريخياً، يمتد عبر مياه المحيط المتجمد الشمالي على طول الساحل الشمالي لروسيا. وهو أقصـــر بنسبة 40% من الطريق من سان بطرسبورغ إلى فلاديفوستوك عبر قناة السويس، إلا أن فترة الملاحة على طول طريق بحر الشمال لا تتجاوز شهرين إلى أربعة أشهر، ولا تسمح باستخدامه على مدار العام إلا كاسحات الجليد([48]). ويوفر طريق بحر الشمال الوصول إلى الموارد الغنية للجرف القاري القطبي ورواسب سيبيريا. حيث يُنتج القطب الشمالي 10% من نفط العالم و25% من غازه الطبيعي، ويقع ما يقارب 80% من إجمالي النفط والغاز في القطب الشمالي في شمال روسيا، ويتركز معظمه على جرفي بحر كارا وبحر بارنتس ([49]).

وتعلق روسيا الآمال بأن يصبح طريق بحر الشمال مع الوقت بديلا أو منافسا للطرق المتاحة حاليا، مثل قناة السويس. إلا أن خبراء يشككون بقدرة الممر الشمالي على منافسة ممر مثل قناة السويس، لجملة أسباب، وفي مقدمتها طبيعة المناخ في القطب الشمالي، حيث لا تستطيع السفن التحرك هناك إلا خلال فترة محدودة من السنة (3 - 4 أشهر فقط) وغير ذلك ستكون السفن التجارية بحاجة لمرافقة كاسحة جليد، ما يؤدي إلى طول الزمن خلال الرحلة. هذا بالإضافة إلى مسائل أخرى مثل الأفضلية أن تكون الحمولة قادرة على تحمل البرد القارس([50]).

بحر قزوين أمام تهديد حقيقي بأن تشعله نيران الحرب في إيران:

على خلاف الوضع في البحر الأسود وبحر البلطيق، لم يكن بحر قزوين مسرحا لتنافس مباشر بين روسيا والغرب، ولا منطقة تهدد بنشوب مواجهة مباشرة بينهما. وفي أغسطس 2018م، في مدينة أكتاو الكازاخستانية، وقع قادة خمس دول - روسيا وأذربيجان وإيران وكازاخستان وتركمانستان - اتفاقية الوضع القانوني لبحر قزوين، التي حددت قواعد تنظم الملاحة والصيد والبحث العلمي وإنشاء خطوط الأنابيب وغيرها.

إلا أن حالة الاستقرار في بحر قزوين خلال العقود الماضية، باتت اليوم مهددة بصورة مباشرة، وذلك على خلفية الهجوم الإسرائيلي – الأمريكي على إيران (28 فبراير 2026). إذ لم يعد التصعيد في الشــرق الأوسط مجرد "أخبار من بعيد" بالنسبة لسكان جنوب روسيا. فالحرب بين إيران والتحالف الإسرائيلي الأمريكي تُثير تساؤلات حول استقرار بحر قزوين الهش([51]). ويحذر مراقبون من أنه في حال طالت أمد الحرب، ستعتمد إيران مجدداً على الدعم الروسي. وقد تحول بحر قزوين بالفعل إلى هدف لهجمات صاروخية من الطائرات الأمريكية والإسرائيلية([52]).

حيث كشفـت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن تنفيذ إسرائيل ضربة بحرية استهدفت موقعا في بحر قزوين، في هجوم غير مسبوق يطال أحد أهم مسارات الدعم الروسي لإيران، ويصيب خط إمداد تستخدمه موسكو وطهران لنقل الذخائر والطائرات المسيّرة وأسلحة أخرى. وتم تدمير عدد من السفن الإيرانية.

ومن جهة أخرى يبحث الروس انشاء الممر الهندي "الممر الاقتصادي بين الهند والشــرق الأوسط وأوروبا" (IMEEC)، الذي يهدف إلى إعادة تشكيل اللوجستيات العامة في المحيط الهندي وإنشاء منطقة اقتصادية ذات محورين وهما الساحل الغربي للهند والخليج العربي. ويتكون الممر الهندي من ممرين منفصلين، أحدهما يربط الهند بالخليج العربي والآخر يربط الخليج العربي بأوروبا، ويمتد هذا الطريق من موانئ الهند إلى الولايات المتحدة عبر دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية والأردن ثم إسرائيل وإيطاليا.

كيف ستواجه روسيا هذه التحديات للحفاظ على نفوذها البحري:

حددت روسيا آليات مواجهتها التحديات التي تؤثر على نفوذها في البحار والمحيطات بموجب "العقيدة البحرية"، التي أُقرت عام 2022م، وتؤكد على هدف تعزيز مكانة روسيا كقوة بحرية رائدة عالمياً. وتضاف إليها المبادرة الروسية للأمن في منطقة الخليج التي اقترحتها منذ سنوات، وتنظر روسيا إلى الممرات البحرية في الشــرق الأوسط من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية: أمن الطاقة العالمي، والتوازن الجيوسياسي، والنظام الدولي متعدد الأقطاب. تعتقد موسكو أن استقرار الممرات البحرية في الخليج ضروري للحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة. لذلك تدعو موسكو إلى ضمان حرية الملاحة الدولية وعدم احتكار إدارة الممرات الاستراتيجية من قبل قوة واحدة([53]). ويعكس هذا الموقف الرؤية الروسية للنظام الدولي بوصفه نظاماً متعدد الأقطاب يقوم على توازن القوى بين الدول الكبرى. موسكو قادرة ومضطرة للتدخل العسكري في الممرات البحرية المجاورة لها، لكن ليس في الممرات العالمية مثل مضيق باب المندب ومضيق هرمز وقناة السويس، بل يمكنها البحث عن ممرات بديلة .

روسيا والممرات والأمن الغذائي:

        • تؤثر العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا بشكل مباشر على الأوضاع الاقتصادية في الدول العربية، وخاصة الدول العربية الأكثر فقراً.
        • تعتمد اغلب الدول العربية على استيراد القمح والذرة والزيت من روسيا وأوكرانيا وقد تضررت تجارة الحبوب نتيجة الحرب وأدى ذلك الى شبه انقطاع للتصدير الروسي والى تصدير محدود للحبوب الأوكرانية (توقيع اتفاقية في إسطنبول بوساطة تركية ومن الأمم المتحدة في إسطنبول في يوليو 2022).
        • تهيمن روسيا وأوكرانيا معا على إنتاج حوالي ربع احتياجات العالم من القمح، أي حوالي 55 مليون طن، وتستورد الدول العربية حوالي 20 مليون طن سنويا من روسيا وأوكرانيا. حيث تستورد مصـــر أكثر من  (60%) من احتياجاتها من القمح الروسي والأوكراني وتونس (60%) ولبنان (80%) وليبيا (90%) والمغرب (20-30 %) واليمن (40-50%) والإمارات من القمح الروسي والأوكراني، فيما يعتمد المغرب على البلدين معا، بحيث تزوده روسيا بحوالي 10.5%، وأوكرانيا بحولي 19%، وتعتمد السودان على روسيا بحوالي 46%، واليمن بـ31% من روسيا و 6.8% من أوكرانيا، في حين تستورد تونس حوالي نصف احتياجاتها من القمح من أوكرانيا. وتعتمد سوريا كليا على القمح الروسي([54]).
        • تستطيع دول الخليج تجنب أزمة الغذاء بسبب امكانياتها الاقتصادية وامتلاكها لمصادر الطاقة.
        • أبرزت الحرب الروسية في أوكرانيا وأزمة الغذاء في العالم ومشاكل الطاقة، الخلل في النظام العربي وغياب مشــروع أمن قومي عربي أو إسلامي مستقل عن التحالفات والتكتلات الكبرى.
  1. الحرب الأوكرانية كنقطة تحول في النظام الدولي: من الأحادية القطبية إلى التعددية القطبية:

منذ نهاية الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة التي تسيطر على النظام الدولي، وهو ما يعرف بالنظام الأحادي القطبية. ومع ذلك، فإن الأحداث الأخيرة، وخاصة الحرب الروسية الأوكرانية 2022، وبعدها الحرب في إيران (2026) قد اثبتت أن هذه الهيمنة تواجه تحديات كبيرة. وتشكل الحرب الأوكرانية نقطة تحول أساسية في النظام الدولي، حيث أظهرت: ضعف قدرة الغرب على فرض إرادته بالكامل، وبروز تحالفات جديدة بين القوى الكبرى، وتعزيز دور القوى الصاعدة في آسيا وأمريكا اللاتينية والجنوب العالمي.

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الأزمة الأوكرانية من منظور النظام الدولي متعدد الأقطاب وتوضيح آثارها على توازن القوى العالمي.

أولاً: الخلفية التاريخية والسياسية للحرب:

        • تفكك الاتحاد السوفيتي واستقلال أوكرانيا: بعد عام 1991م، فقدت روسيا السيطرة على أوكرانيا، التي أصبحت دولة مستقلة مع توجهات أوروبية غربية.
        • الثــــــــــــــورات والاضطرابات الداخليــــــــة: في عام 2014 حدثت ثورة الميدان في 2014 (Euromaidan) في أوكرانيا، وأطاحت بالرئيس يانوكوفيتش الموالي لموسكو، مما زاد من التوتر بين روسيا والغرب([55]).
        • توسع الناتو شرقاً: اعتبرت موسكو عرض انضمام أوكرانيا لحلف الناتو تهديداً مباشراً لأمنها القومي([56]).

ثانياً: لماذا تريد روسيا الحرب:

هناك جملة من الأسباب التي تبرر روسيا هجومها على أوكرانيا ومنها:

        • موضوع الأمن القومي الروسي ومقاومة التوسع الغربي: ترى موسكو أن وجود الناتو قرب حدودها يمثل تهديداً استراتيجياً. لكن من المثير للاهتمام أن فنلندا والسويد انضمتا حديثا إلى الناتو بعد عام 2022 ، حيث تتشارك فنلندا مع روسيا بحدود طولها قرابة 1200 كم.
        • ضرورة الحفاظ على النفوذ الجيوسياسي: أوكرانيا جزء من المجال الاستراتيجي الروسي، وفقدانها يعزز الهيمنة الغربية في أوروبا الشرقية. قد تنجح روسيا بمنع انضمام أوكرانيا للناتو ولكنها على الأغلب أنها ستنضم إلى الاتحاد الأوروبي.
        • حماية روسيا للسكان الناطقين بالروسية في أوكرانيا: استخدمت روسيا هذا المبرر لتبرير تدخلها العسكري في منطقتي دونيتسك ولوغانسك ولاحقا ضمك أربعة أقاليم اوكرانية إلى روسيا. وتتمسك روسيا بمشــروع "العالم الروسي" الذي يعني أن الروس أينما كانوا فهم جزء من روسيا وحمايتهم واجب على الدولة الروسية.

ثالثاً: تأثير الحرب على النظام الدولي:

        • كشفت الحرب عن ضعف قدرة الغرب على فرض إرادته، وأظهرت استقلالية بعض القوى الكبرى مثل الصين والهند، مما يعزز التحول إلى نظام دولي متعدد الأقطاب([57]).
        • ازداد التماسك داخل حلف الناتو ورفع الميزانيات العسكرية، وتعميق التعاون بين روسيا والصين وإيران وبعض الدول الإفريقية والآسيوية.
        • تغيرت أسواق الطاقة والغذاء العالمية، وتغيرت سلاسل الإمداد والتجارة العالمية، وزاد الاعتماد على تحالفات بديلة خارج نطاق الهيمنة الغربية.
        • الصين تعزز مكانتها الاقتصادية والسياسية، بينما تتبع الهند والبرازيل وتركيا سياسات خارجية مستقلة نسبيًا.

رابعاً: الأبعاد النظرية للحرب في إطار تعددية النظام الدولي:

        • تؤكد الواقعية الكلاسيكية على أن الصراع هو من أجل القوة والمصالح الوطنية، ما يفسر دوافع روسيا للحفاظ على مجال نفوذها التقليدي.
        • من وجهة نظر الواقعية الجديدة، يعتقد بعض الباحثين أن الحرب تمثل محاولة من روسيا لاستعادة توازن القوى العالمي ضد الهيمنة الغربية([58]).
        • وأظهرت الحرب من منظور النظام الدولي متعدد الأقطاب، التحولات في مراكز القوة العالمية، حيث يزداد الاعتماد على شراكات غير -غربية، وتصبح القرارات الدولية أقل مركزية([59]).

خامساً: سيناريوهات مستقبلية للنظام الدولي:

  1. استمرار التوتر طويل الأمد: تحول الحرب إلى نزاع ممتد قد يعيد تشكيل النظام الدولي تدريجياً.
  2. جزء من التسوية السياسية: اتفاقيات جديــــدة حول الأمن الأوروبي والناتو.
  3. نظام عالمي متعدد الأقطاب متوازن: قوى كبرى متعددة تتشارك النفوذ العالمي، مع دور متزايد لدول الجنوب العالمي.

ويمكن الاستنتاج بأن الحرب الأوكرانية مثلت نقطة تحول تاريخية في النظام الدولي، مسرعة التحول نحو تعددية القوة لأنها:

        • أعادت تشكيل التحالفات وأبرزت استقلالية بعض القوى الكبرى.
        • أظهرت محدودية القدرة الغربية على السيطرة المطلقة على النظام الدولي.
        • الحرب لا تزال مستمرة، ونتائجها النهائية ستحدد شكل النظام الدولي في العقود القادمة.
  1. السياسة الروسية في الشــرق الأوسط – دراسة حالات:
        • تستند السياسة الخارجية الروسية في الشــرق الأوسط على مبادئ نظرية تنسجم مع القانون الدولي وسيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية واحترام حقوق الإنسان وتدعو للأمن والاستقرار وعلاقات تعاون مختلفة من أجل المنفعة المتبادلة. لكن هناك بعض الحالات التي تظهر بوضوح التناقض بين النظرية والتطبيق في السياسة الروسية، وهذه ليست حالة فريدة من نوعها.
        • فالدول الغربية التي تسمى دولا ديمقراطية فيها مؤسسات وقوانين وحريات وفيها ديمقراطية الى حد كبير، ولكن سياساتها الخارجية للأسف الشديد لا تنسجم دائما مع قيم الحرية والمساواة والديمقراطية.
        • من الواضح أن القيادة الروسية تفضل التعاون مع الأنظمة السياسية ذات حكم الفرد الواحد، لذلك تتجاهل انتهاكات حقوق الإنسان وإرادة الشعوب العربية التي نادت بالحرية والكرامة، بحجة اعترافها بالأنظمة الشرعية.
        • وكلمة "شرعية" تحتاج لتدقيق فتلك الأنظمة التي كانت تمثل حركة تحرير وطني وتمثل أنظمة وطنية تقدمية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي تحولت الى أنظمة قمعية فاسدة وفقدت شرعيتها الشعبية لأن الممارسات الانتخابية تجرى بطريقة غير صحيحة وتفرض نتائج معينة على الناس.
        • ومن المفيد التذكير بنموذج التعاون الروسي مع أنظمة المنطقة: لم تتمكن روسيا من اقناع العرب بأنها يمكن أن تكون حليفاً موثوقاً في الصراعات لأن تجربة الدعم الهائل الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي والإعلامي والعسكري والأمني وخاصة التدخل العسكري الروسي عام 2015 للحفاظ على نظام الأسد والقضاء على الثورة السورية، اثبتت أنها كانت فاشلة ومنيت روسيا بهزيمة جيوسياسية واستراتيجية كبرى في الشــرق الأوسط.
        • والوضع يختلف مع دول الخليج التي تحكمها أنظمة ملكية فهي تختلف عن الأنظمة الجمهورية الشمولية القمعية، وهنا تلعب دورا وجود ثروات وتقاليد مجتمعية واحترام للمجتمعات المحلية وتنمية وازدهار وتوفر خدمات جيدة وتمارس سياسات معتدلة. لذلك يجب أن يكون النموذج الروسي في التعامل هنا منطقي ومتوازن.
        • ومن مصلحة الدول العربية والاسلامية دعم التوازن في العلاقات الدولية وتنويع التعاون وتأييد تعددية القطبية وإيجاد نظام أمن في منطقة الخليج والشــرق الأوسط بعد حل النزاعات الإقليمية، وبعد تحجيم الدول الإيراني ومنعها من التدخل في شؤون المنطقة العربية والإسلامية لضمان أمن واستقرار المنطقة واحترام سيادة الدول. 
        • تقوية التعاون بين الدول العربية والإسلامية أولا لما فيه مصالح هذه الدول وشعوبها وبناء علاقات متوازنة مع الدول الإقليمية والعالمية.
          1. الموقف الروسي في سوريا:

تُعد سوريا أهم ساحة لوجود روسيا في الشــرق الأوسط منذ التدخل العسكري الروسي([60]) عام 2015. فقد سمح هذا التدخل لموسكو باستعادة دور روسيا كفاعل رئيسي في قضايا المنطقة، حيث وقف الجيوبوليتيك الروسي في مجابهة ثورات الربيع العربي، معتبرًا تمسك موسكو بنظام الأسد ركيزة استراتيجية في "الأوراسية" ونظرية العالم متعدد الأقطاب، ولم تتمكن من الحفاظ على بقاء نظام الأسد، وأصبح وجودها العسكري والأمني محدودا جدا في شرق البحر المتوسط.

علما أن روسيا روجت لأسلحتها الجديدة من خلال تجريبها في سوريا ولتعاونها الاقتصادي، وبالرغم من أن موسكو لعبت دوراً رئيسياً في إطلاق مسار التسوية السياسية المعروف باسم مسار أستانا بالتعاون مع تركيا وإيران، إلا أنه وصل الى طريق مسدود وفقد أهميته بالكامل. ولم تتمكن من الحفاظ على بقاء نظام الأسد، وأصبح وجودها العسكري والأمني محدودًا جدًا في شرق البحر المتوسط. ولم يحسم مصير القواعد العسكرية الروسية في طرطوس وحميميم حتى اليوم، وعلى الأغلب ستتحول الى قواعد للخدمات الإنسانية المتعلقة باستيراد المواد الإنسانية والتي تحتاجها سوريا في مرحلة إعادة البناء الاقتصادية والبنية التحتية وغيرها.

وفي مرحلة تحرير سوريا من نظام الأسد استدركت روسيا بعد تحرير حلب بأن النظام آيل للسقوط وفقد كل أوراقه لذلك تعاونت مع قيادة عملية ردع العدوان التي حررت سوريا، ولم تعرقل مسيرة الفصائل المعارضة المسلحة، وكان الشرط الروسي أن تضمن الإدارة الجديدة سلامة وأمن السفارة الروسية في دمشق وكذلك القواعد العسكرية بما تحتويه من طائرات وقوات مسلحة. من وجهة نظر التوازن الجيوسياسي في المنطقة، يرى المسؤولون في سوريا (هذا يلبي مصلحة الروس) بأن التعاون مع روسيا ضرورة كبيرة . وقد أثبتت الأحداث أن الاعتماد على التعاون مع الدول الغربية فقط فيه مخاطرة، والأفضل تنويع العلاقات وتصفير المشاكل.

وبعد سقوط حليف روسيا في دمشق في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 استدركت موسكو الوضع الناشئ وفتحت حوارا نشيطا مع الإدارة السورية الجديدة، وحصلت عدة زيارات بين دمشق وموسكو على اعلى المستويات ومنها زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو مرتين (في 15 أكتوبر 2025، وفي 28 يناير 2026). واتفق الطرفان على إعادة تقييم العلاقات السابقة بما فيها كل الاتفاقيات الموقعة في عهد الأسد، وان تقوم العلاقات على أسس جديدة عمادها احترام استقلالية سوريا وسيادتها الوطنية وتحقيق المصالح المتبادلة. واعتبر الرئيس الشرع بأن سوريا تريد علاقات استراتيجية مع روسيا. ويبدو أن الكريملين حسم موقفه بالكامل للعمل فقط مع القيادة السورية الجديدة، علما أنه كانت لموسكو علاقات قوية مع ضباط من النظام البائد([61]) ومع قوات قسد الكردية وغيرهم.

          1. العلاقات بين روسيا وإيران:

شهدت العلاقات بين روسيا وإيران تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا. فقد أدى تقاطع المصالح بين البلدين في مواجهة الضغوط الغربية إلى تعزيز التعاون بينهما في عدد من المجالات. ويشمل التعاون العسكري والتكنولوجي، إضافة إلى التنسيق السياسي في القضايا الإقليمية، خاصة في سوريا ومنطقة القوقاز. ويشمل التعاون العسكري والتكنولوجي، بالإضافة إلى التنسيق السياسي في القضايا الإقليمية، خاصة في سوريا ومنطقة القوقاز.

كما يسعى البلدان إلى تعزيز التعاون الاقتصادي من خلال مشاريع النقل (مشــروع شمال-جنوب من أوروبا الى الهند عبر روسيا وايران) والطاقة (النفط والغاز). وتربط البلدين معاهدة شراكة استراتيجية([62]) تشمل كافة المجالات ما عدة الدفاع المشترك. وتهدف المعاهدة إلى تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب وتجاوز العقوبات الغربية وتتضمن الاتفاقية التعاون بين أجهزة الاستخبارات، ومكافحة الإرهاب، وصناعات دفاعية([63])، مع تقارير تشير إلى دعم روسي لإيران بمسيرات وصور أقمار صناعية. ومع ذلك، لا تخلو العلاقة بين روسيا وإيران من عناصر المنافسة، خاصة في أسواق الطاقة وفي بعض مناطق النفوذ الإقليمي.

          1. العلاقات بين روسيا وتركيا:

وصلت العلاقات الروسية التركية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية التي تتجسد في علاقات اقتصادية واسعة من استثمارات بين البلدين والاف الشركات التركية تعمل في روسيا والتعاون في مجال الغاز الطبيعي حيث تصدر روسيا الغاز لتركيا ولأوروبا عن طريق تركيا. وتتميز العلاقات السياسية بين روسيا وتركيا بطابع مركب يجمع بين التعاون والتنافس في آن واحد.

فعلى الرغم من وجود خلافات بين البلدين في عدد من القضايا الإقليمية، مثل الأزمة السورية سابقا، فإنهما نجحا في تطوير مستوى عالٍ من التعاون السياسي انعكس في التعاون بين البلدين مع إيران أيضًا في الملف السوري من خلال مفاوضات استانا. التعاون في مجال الطاقة النووية قد تطور بشكل كبير، حيث أن مشــروع محطة أكويو النووية هو مثال مهم على التعاون الاستراتيجي بين البلدين.

ولم تعترف تركيا بالعقوبات الغربية على روسيا، وبنفس الوقت تدعم تركيا أوكرانيا بالمسيرات. ولعبت تركيا دوراً مهماً في الوساطة بين روسيا وأوكرانيا في عدد من القضايا، مثل اتفاق تصدير الحبوب عبر البحر الأسود. في المجال العسكري باعت روسيا لأنقرة منظومة صواريخ دفاع جوي من نوع اس-400، وهذا دليل على التفاهم الاستراتيجي، وقد تكون سياسة روسيا بإحداث شرخ في حلف الناتو، كون تركيا عضو فيه.

وفي السنوات الأخيرة يبدو أن روسيا شعرت بالغبن تجاه الدور التركي المتعاظم في الملف السوري على حساب النفوذ الروسي.

          1. العلاقات بين روسيا وإسرائيل:

تتسم العلاقات الروسية الإسرائيلية بالاستراتيجية والثبات، على الرغم من تقلباتها، فإنها لا تؤثر على الاتجاه العام للعلاقات بين البلدين.

وقد أعرب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن تمسك موسكو بضمان أمن إسرائيل، محذرا من تحويل أراضي سوريا إلى ساحة لتصفية الحسابات بين دول أخرى([64]).

الحقيقة أن روسيا ليست مستعدة للدخول في صراع عسكري مع اسرائيل التي تقف وراءها امريكا. وهناك تصريحات من اعلى المستويات في روسيا تؤكد على أن أمن اسرائيل هو أولوية ليس فقط للولايات المتحدة الأمريكية وإنما لروسيا أيضًا. كما أن العلاقات الروسية الاسرائيلية تحمل طابعا استراتيجيا راسخاً([65]) ولا يمكن ان تتأثر بتوريد الصواريخ اس-300 لسوريا كما يؤكد الخبير كيريل سيميونوف.

منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، لا تزال روسيا تحافظ على علاقات سياسية واقتصادية مع إسرائيل. كانت هذه العلاقات تتميز بقدر من البراغماتية، خاصة فيما يتعلق بالتنسيق العسكري في الأجواء السورية لتجنب الاحتكاك المباشر بين القوات الروسية والإسرائيلية.

ولكن العلاقات بين البلدين شهدت بعض التوتر بعد اندلاع الحرب الأوكرانية، حيث اتخذت إسرائيل مواقف أقرب إلى الدول الغربية فيما يتعلق بإدانة العمليات العسكرية الروسية. ومع ذلك، لا تزال موسكو تحرص على الحفاظ على قنوات الاتصال مع إسرائيل، نظراً لأهمية هذا الملف في التوازنات الإقليمية.

العلاقات الودية بين بوتين واليهود:

هناك موقف ودي بين الرئيس الروسي والجالية اليهودية في روسيا([66]) أكدتها مؤخراً تصريحات الحاخام الأكبر لليهود في روسيا لازار([67]) الذي قال أن الرئيس بوتين سبق وأن تعهّد بـ"أن يعيش اليهود في روسيا بفخر". روسيا تهتم كثيراً بعلاقتها مع "إسرائيل"، حيث تحدث بوتين دائماً عن أمن "إسرائيل".

وبقي الأمر على هذا النحو حتى غزو روسيا أوكرانيا في فبراير/ شباط 2022، إذ بدأ الكرملين يصف فولوديمير زيلينسكي بـ "الرئيس اليهودي لأوكرانيا" وبأنّه نازي، فأهان بذلك "إسرائيل" مباشرة في هذه المسألة.

العلاقات مع دول الخليج:

شهدت العلاقات بين روسيا ودول الخليج([68]) تطوراً ملحوظاً خلال العقد الأخير، خاصة مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر. حيث برز التعاون في مجال الطاقة كأحد أهم محاور هذه العلاقات، خاصة من خلال التنسيق في إطار أوبك +.

وقد ســـــــــــــاهم هذا التعاون في تعزيز التنسيق بين روسيا والسعودية في سياسات إنتاج النفط. كما شهدت العلاقــــــــــات الاقتصاديــــــــــة والاستثماريــــــــــة بين روسيا ودول الخليج نمواً ملحوظاً، حيث أصبحت بعض الدول الخليجية مراكز مهمة للاستثمارات والتجــــــــــــــــــــارة الروسية بعد فرض العقوبات الغربية. وازدهرت السياحة بين روسيا ودول الخليج وخاصة هاجر ما يقارب المليون روسي من رجال أعمال ومختصين في تكنولوجيا المعلومات الى دبي بعد بدء الحرب الروسية في أوكرانيا ومغادرة الاف الشركات الأجنبية روسيا، حيث كان الشباب الروس يعملون فيها، وكذلك رحل الشباب هربا من الخدمة العسكرية. وبعد بدء الحرب الإيرانية (في 28 فبراير 2026) انتشرت الأخبار عن أن آلاف الروس من رجــــــــــال الأعمال غادروا دولة الامارات العربية المتحدة.

العلاقات بين روسيا وقطر متوازنة ومعتدلة. هناك تعاون جيد في مجالات الاستثمار والرياضة والثقافة والسياحة. وتنسيق سياسي في المواقف الدولية في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى.

          1. الموقف الروسي من القضية الفلسطينية:

تحافظ روسيا على موقف تقليدي داعم لحقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة. وقد أكدت موسكو مراراً دعمها لحل الدولتين استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية.

وتسعى روسيا إلى لعب دور في جهود التسوية السياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، رغم أن تأثيرها في هذا الملف يبقى محدوداً مقارنة بالدور الأمريكي. وتحرص موسكو على الحفاظ على علاقات مع مختلف الأطراف الفلسطينية، بما في ذلك السلطة الفلسطينية وعدد من الفصائل السياسية. وقد كان للقيادة الروسية مواقف قوية ضد العدوان الصهيوني على غزة.

  1. أحدث تطورات السياسة الروسية في المنطقة بعد الحرب الإيرانية:

بعد الحرب الأوكرانية 2022 كان اهتمام روسيا موجه إلى:

        1. تعزيز التحالف مع إيران: تحولت سياسة روسيا في الشــرق الأوسط من دور الوسيط النشط إلى تعزيز التحالفات مع القوى المناهضة للغرب (مثل إيران)، فأصبحت إيران شريكًا استراتيجيًا لروسيا، إذ توفر لها التكنولوجيا (مثل الطائرات المسيّرة) والممرات اللوجستية، ما يجعل علاقتهما حلقة أساسية تربط بين الصراع في أوكرانيا والتوترات في الشــرق الأوسط.
        2. البراغماتية الاقتصادية: تستخدم روسيا بشكل نشط صادرات النفط والتعاون ضمن إطار "أوبك+" للحفاظ على ارتفاع أسعار النفط، وهو ما يسهم في تمويل العمليات العسكرية. واستخدام المنطقة كوسيلة للالتفاف على العقوبات الاقتصادية. وتواصل روسيا الحفاظ على نفوذها من خلال صادرات النفط، والحوار مع الدول العربية، في محاولة لصرف انتباه الغرب.
        3. الخطاب المناهض للغرب: تستغل موسكو أزمات المنطقة (مثل التوتر بين إسرائيل وإيران) لاتهام الولايات المتحدة بزعزعة الاستقرار، وتعزيز صورتها كرائدة لما يُعرف بـ"الجنوب العالمي".

في ديسمبر 2024، تعرضت روسيا لخسارة جيوسياسية وجيواستراتيجية كبيرة في سوريا بعد سقوط حليفها الرئيسي في المنطقة، حيث كانت سورية بالنسبة لموسكو منطقة نفوذ استراتيجية عسكرية وجيوسياسية رئيسية في الشــرق الأوسط وكذلك نقطة انطلاق نحو افريقيا وشمال أفريقيا لدعم القوى التي تعتبرها قريبة منها مثل الجنرال خليفة حفتر في شرقي ليبيا ودول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو وجمهورية افريقيا الوسطى وتوسعت علاقات روسيا مع الدول الأفريقية بشكل كبير. وتركز السياسة الروسية على دعم تلط الأنظمة عسكريا واقتصاديا وتعمل الشركات الروسية باستثمار المعادن الثمينة والنفط ويشرف على هذه المصالح الروسية في افريقيا "فيلق أفريقيا" ، الذي تشكل بعد تفكيك شرطة "فاغنر" الأمنية الخاصة التي ساهمت في افريقيا بإسقاط عدد من الأنظمة التي كانت موالية لفرنسا فأصبحت شريكة لروسيا. وأصبح الوجود العسكري الروسي في سوريا بعد 8 ديسمبر/كانون الأول تحول الى وجود رمزي غير ثابت.

وقال الخبير الروسي المعروف فيودور لوكيانوف([69]) بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024: "إنه يمثل نهاية مرحلة طويلة من انخراط روسيا في سوريا. وبحسب رأيه، بعد رحيل الأسد انتقلت الأوضاع إلى سيطرة تركيا وقوى المعارضة، مما أجبر موسكو على التكيف مع واقع جيوسياسي جديد والتخلي عن رهاناتها على القيادة السابقة. وأشار لوكيانوف إلى التغير الجذري في طبيعة الوجود الروسي في سوريا والمنطقة وتغير دورها من ضمان أمن النظام البائد بشكل مباشر إلى الانخراط في مفاوضات أكثر تعقيدًا مع فاعلين جدد من أجل الحفاظ قدر الإمكان على وجود ولو رمزي وعلاقات طبيعية مع الحكومة السورية الجديدة.

وقد اتضح للمراقبين كيف أن روسيا لم تتمكن من حماية حليفها في سورية الذي دعمته بشكل واسع في كافة المجالات وراهنت عليه لمدة تزيد عن 10 سنوات، وتحتاج تجربة روسيا في سوريا وتحالفها مع نظام الأسد إلى دراسة عميقة استراتيجية لتوضيح الأخطاء السياسية الكبرى لروسيا في سورية والتي أدت إلى خسارة سورية بما تعنيه من موقع جيوسياسي واستراتيجي مهم للوجود الروسي في الشــرق الأوسط.

ويقيّم لوكيانوف دور روسيا في السياسة العالمية بشكل عام، فهو لا ينظر إلى رحيل الأسد بوصفه كارثة، بل يعتبره فشلًا لمحاولة روسيا الخروج من النزاع بطريقة "أنيقة" عبر تفويض الأمور للسوريين، الأمر الذي اضطر موسكو إلى التكيف مع واقع جديد. علماً أن روسيا تسعى إلى بناء شرق أوسط "متعدد الأقطاب"، بحيث لا يعتمد نفوذها فيه على علاقتها بالغرب، مستفيدة من الأزمات الإقليمية لرفع مكانتها في إطار التنافس العالمي.

مستجدات السياســـــة الروســــــية بعد الحرب الإيرانية- الامريكية الاسرائيلية (28 فبراير 2026):

اندلعت الحرب بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في 28 فبراير 2026. ويتضح أنها ليست حربا متعلقة فقط بالبرنامج النووي والصاروخي والنفوذ الإقليمي لإيران، بل لها أبعاد جيوسياسية كبرى وأخرى اقتصادية تتعلق بالطاقة. واتسعت دائرة الحرب لتصبح إقليمية حيث تقوم إيران بقصف البنى التحتية لدول الخليج مدمرة منشآت نفطية ومباني سكنية وفنادق ومطارات وموانئ، وتسعى إيران لجر هذه الدول الى الانخراط في الحرب لتخلق حالة فوضى في المنطقة خاصة وأن إيران تهدد بأنها ستشعل المنطقة في حال استهدفت أمريكا و إسرائيل محطات تصدير النفط والغاز (أمريكا تهدد جزيرة خرج التي تصدر إيران من خلالها 90 % من نفطها وغازها). ويبدو ان إيران التي تعتدي على جيرانها من دول الخليج التي لم يصدر من أراضيها أي اعتداء على إيران، تريد توسيع دائرة الحرب وخلق فوضى والضغط على الولايات المتحدة لإيقاف الحرب وكذلك تأمل إيران أن تحجم الوجود الأمريكي في المنطقة.

يتوقع بعض الخبراء بأن هذه الحرب ستطول لأن إيران تكابر وتقول بأنها لن توقف الحرب ما دام الهجوم الأمريكي الإسرائيلي مستمر. وتتحدث مصادر غربية غير موثقة عن دعم عسكري روسي لإيران بالمضادات الدفاعية وأجهزة الاتصالات وغيرها (مركز كارنيغي). وارتباطا بهذا قامت إسرائيل بقصف ميناء في بحر قزوين كانت تستخدمه روسيا وإيران لنقل الشحنات العسكرية بين البلدين. وقصفت كذلك عدد من السفن الإيرانية في بحر قزوين.

وللنشاط الروسي جانب اقتصادي مهم متعلق بتصدير الطاقة. فقد صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين[70] في مارس 2026 بأن الحرب مع إيران تسببت في أزمة طاقة عالمية، وحذر من أن إنتاج النفط الذي يعتمد على النقل عبر مضيق هرمز قد يتوقف تماماً قريباً (روسيا هي ثاني أكبر مصدر للنفط في العالم، وتمتلك أكبر احتياطي للغاز الطبيعي في العالم) . وذكر بوتين أن موسكو مستعدة للعمل مرة أخرى مع المشترين الأوروبيين إذا أرادوا العودة إلى التعاون طويل الأمد وغير المسيس وأن الشركات الروسية يجب أن تستفيد من الوضع الحالي في الشــرق الأوسط، على الرغم من أنه أشار إلى أن ارتفاع الأسعار ربما يكون مؤقتاً.

وهناك توقعات (جريدة شبيغل مثلا) تفيد بأن روسيا ستحصل على مئات المليارات من الدولارات إذا استمرت الحرب، بسبب ارتفاع الأسعار من جهة وتوقف تصدير الغاز والنفط من الخليج عبر مضيق هرمز (قطر توقفت كليا عن تصدير الغاز المسال علما أنها تصدر 20% من الانتاج العالمي للغاز المسال) واحتمال عودة الدول الأوروبية الى شراء الغاز الروسي ولو بطرق ملتوية.

وقامت إيران بقصف عدواني لمجمع رأس لفان في قطر، وهو يضم أكبر منشأة للغاز الطبيعي المسال في العالم، مما هز البورصات العالمية، منبئة باضطراب طويل الأمد في سوق الغاز الطبيعي المسال.

وقد أعلن الرئيس التنفيذي لشركة «قطر للطاقة»، سعد الكعبي في مقابلة صحفية، أن الهجمات الإيرانية أدت إلى تعطيل 17 في المائة من طاقة قطر لتصدير الغاز الطبيعي المسال؛ مما تسبب في خسارة تُقدر بنحو 20 مليار دولار من الإيرادات السنوية، ويهدد الإمدادات إلى أوروبا وآسيا. وأضاف بأن أعمال الإصلاح ستؤدي إلى توقف إنتاج 12.8 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً لمدة تتراوح بين 3 و5 سنوات. كما تمتد آثار هذه الخسائر لتشمل استخدام غاز البترول المسال في المطاعم بالهند، وصولاً إلى شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية في كوريا الجنوبية التي تستخدم الهيليوم. وتبلغ تكلفة بناء الوحدات المتضررة تبلغ نحو 26 مليار دولار.

تتحدد ملامح السياسة الروسية تجاه منطقة الشــرق الأوسط بعد الحرب الإيرانية بما يلي([71]):

      • تستمر الحكومة الروسية بالتنديد بالهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران()[72] والتعبير عن التضامن مع الشعب الإيراني (تصريحات بوتين ولافروف) وتلتزم بسياســــــــة إدارة الأزمات وليس تصعيدها أو اقتراح حلول عملية لها قابلة للتطبيق، خاصة وأن لها مصالح اقتصادية كبرى من وراء هذه الحرب وستبقى تعلن أنها ضد الوجــــــــــــــود والهيمنــــــــــــــة الأمريكية في المنطقة، وكذلك ستتجنب الانخراط العسكري المباشر في الأحداث الإيرانية.
      • أي تدخل روسي في الحرب الإيرانية بهذا الشكل أو ذاك له تبعات استراتيجية خطيرة لأن روسيا تربطها علاقات استراتيجية مع إسرائيل، وتتعرض لعقوبات أمريكية هائلة بسبب الحرب الأوكرانية. ولكن روسيا أيضًا تربطها "معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة" مع إيران([73]) (وُقِعّت في يناير 2025) ولذلك تعتبر موسكو أي تهديد لإيران قد يؤدي لخلل كبير في توازن القوى الإقليمية وتخسر روسيا حليفا آخر بعد سقوط النظام السوري البائد وضرب حزب الله في لبنان. ومن جهة أخرى تخشى روسيا التمــــــدد الأمـــــريكي على حدودها الجنــــوبية مما يهــــدد منطقــــــة شمال القوقاز.
      • كما يرى الخبراء بأن التورط الأمريكي في الحرب الإيرانية يأتي لصالح روسيا، لأنه قد يخفف من دعم واشنطن العسكري لأوكرانيا.
      • وهناك جانب مهم وحساس يخص علاقات روسيا بدول الخليج. يستمر العدوان الإيراني على دول الخليج الجارة لإيران، في الوقت الذي توجد فيه علاقات استراتيجية بين روسيا وإيران من جهة، وعلاقات شراكة اقتصادية واسعة بين روسيا ودول الخليج. ولذلك كله تسعى روسيا إلى لعب دور الوسيط الدولي إذا سنحت الفرصة وقد جرى اتصال هاتفي بين بوتين وترامب بهذا الخصوص.
      • الدور الروسي في الحرب الإيرانية يتخذ طابعا" استراتيجياً ودبلوماسياً أكثر منه عسكرياً، إذ تسعى موسكو إلى تحقيق توازن دقيق بين حماية مصالحها الإقليمية، والحفاظ على الاستقرار الدولي، وتجنب التصعيد مع القوى الغربية.  ويبقى الموقف الروسي مستقبلاً مرتبطاً بمدى استمرار الحرب واتساع رقعتها وحسب نتائجها. وفي كل الأحوال من المستبعد انخراط عسكري روسي ولا صيني في احداث المنطقة.
  1. آفاق التعاون بين روسيا ودول الخليج في ظل التحول نحو نظام دولي متعدد الأقطاب:

أولاً: تطور العلاقات الروسية الخليجية:

شهدت العلاقات بين روسيا ودول مجلس التعاون الخليجي تطوراً ملحوظاً منذ منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، حيث بدأت موسكو تعيد صياغة سياستها في الشــرق الأوسط بعد تراجع نفوذها في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. وقد تعزز هذا التوجه بشكل واضح منذ التدخل الروسي في سوريا عام 2015، والذي أعاد روسيا إلى موقع فاعل في التوازنات الإقليمية.

وتسعى روسيا إلى إبراز أهميتها ودورها بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي([74]) من خلال طرح مبادرات دبلوماسية وسياسية. ويعتمد الكرملين في ذلك على حضوره المباشر أو غير المباشر في أبرز النزاعات الإقليمية، مثل الحروب الأهلية في سوريا وليبيا واليمن، فضلًا عن الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي وقضية البرنامج النووي الإيراني. ومن جهة أخرى، تهدف روسيا إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع دول الخليج، من خلال جذب مزيد من الاستثمارات الخليجية إلى اقتصادها المتضرر، إلى جانب تنسيق الجهود مع المملكة العربية السعودية في سوق النفط العالمية.

ومن جهتها تسعى دول الخليج إلى تنويع علاقاتها الدولية وتعزيز شراكاتها الاقتصادية مع القوى الكبرى، الأمر الذي يفتح المجال أمام تطوير التعاون مع روسيا في مجالات متعددة. ومع ذلك، فإن مستقبل هذه العلاقات سيظل مرتبطاً بعدد من العوامل، من بينها تطور النظام الدولي، والتوازنات الإقليمية في الشــرق الأوسط، إضافة إلى طبيعة العلاقات بين روسيا والغرب. وبالرغم من التقارب بين روسيا من جهة وقطر والسعودية من جهة أخرى([75]) فإن هذه العلاقات تواجه عدة تحديات:

      • التنافس في أسواق الطاقة: قطر منافس رئيسي في الغاز، والسعودية لاعب قوي في النفط، والعقوبات الغربية على روسيا تخلق مخاطر للاستثمارات الخليجية، وتجعل الشركات الخليجية أكثر حذرًا.
      • محدودية التكنولوجيا الروسية: خاصة في مجال الغاز المسال LNG)) مقارنة بالبدائل الغربية، وعدم استقرار الالتزام داخل أوبك+، والتباين في تنفيذ خفض الإنتاج، واختلاف المصالح الاقتصادية بين روسيا دول الخليج.

ويرى عدد من الباحثين أن العلاقات الروسية مع دول الخليج مرت بمراحل من التوتر والتقارب، حيث تأثرت هذه العلاقات بعوامل متعددة مثل الموقف من الأزمة السورية وتغير السياسات الإقليمية لدول الخليج وتطور العلاقات مع الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن السنوات الأخيرة شهدت اتجاهاً نحو توسيع التعاون الاقتصادي والسياسي بين الطرفين([76]).

ويشير اولريخسن([77])K. Ulrichsen إلى أن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تبنت سياسة "الحياد النشط" أو "الحياد الإيجابي". وانطلقت هذ الدول من ثوابت سياسية أهمها: استراتيجية التوازن في الموقف من الصراع الروسي الأوكراني، حيث سعت إلى اتباع مسار وسطي بين شراكاتها الأمنية التقليدية مع الغرب وعلاقاتها الاقتصادية (خاصة في مجال الطاقة) المتنامية مع روسيا والصين.

واستخدمت دول الخليج استراتيجية مستقلة تخدم مصالحها الوطنية قبل كل شيء، وتحافظ على دورها الدولي من خلال تقديم مبادرات للوساطة السياسية بين أطراف النزاع في أوكرانيا وكذلك لعبت قطر والامارات والسعودية أدوارا مختلفة في استقبال محادثات سلام بين طرفي النزاع (جدة 2023- الدوحة 2024- ابو ظبي- 2026) وفي المجال الإنساني في تبادل الاسرى والرهائن وكذلك الأطفال ضمن حملة لم الشمل.

بعد العقوبات الغربية، الإمارات العربية المتحدة أصبحت أيضًا مكانًا مهمًا لروسيا لرؤوس الأموال والأفراد. والأهم من كل ذلك اتجهت دول الخليج نحو تنويع العلاقات والتوجه للشـــرق (روسيا- الصين – الهند...) والتحوّط من تراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة. مع استمرار الاعتماد على التعاون مع الولايات المتحدة والدول الغربية في المجالات الأمنية. أولريخسن يرى أنه سيكون من الصعب الحفاظ على سياسة التوازن على المدى الطويل بسبب تصاعد الصراع بين روسيا والغرب.

ومن جانب آخر نجد أن الحرب الدائرة في منطقة الشــرق الأوسط اتسعت وشملت أكثر من 15 دولة. وأطراف الصراع الرئيسية هي الولايات المتحدة وإسرائيل في جبهة ضد إيران، ولكن حزب الله اللبناني يشارك الى جانب إيران، وكذلك توجه إيران هجمات عديدة تستهدف دول الخليج وصلت الى حد ضرب البنية التحتية المدنية والاقتصادية. وتشارك الميليشيات الشيعية العراقية في الحرب وبدأ الحوثيون بقصف إسرائيل، ولا ننس أن إيران حليف لروسيا وستنعكس العلاقات الروسية الإيرانية على مستقبل العلاقات الروسية الخليجية، خاصة إذا تم اثبات تقديم روسيا مساعدات عسكرية لإيران.

ثانياً: العوامل التي تدفع التعاون الروسي الخليجي:

يمكن تحديد مجموعة من العوامل التي تشجع على تطوير العلاقات بين روسيا ودول الخليج.

    1. التحولات في النظام الدولي:

أدى تراجع الهيمنة الأحادية المطلقة للولايات المتحدة وبروز قوى دولية جديدة إلى تعزيز الاتجاه نحو نظام دولي متعدد الأقطاب. وفي هذا السياق، تسعى روسيا إلى توسيع شبكة شراكاتها الدولية، خاصة مع الدول التي تتمتع بوزن اقتصادي وجيوسياسي مهم مثل دول الخليج. كما أن دول الخليج نفسها تسعى إلى تنويع علاقاتها الدولية وعدم الاعتماد على شريك دولي واحد، الأمر الذي يفتح المجال أمام تطوير العلاقات مع روسيا([78]).

    1. التعاون في أسواق الطاقة:

يمثل قطاع الطاقة أحد أهم مجالات التعاون بين روسيا ودول الخليج، حيث أدى التنسيق بين روسيا وعدد من دول الخليج، خاصة المملكة العربية السعودية، إلى إنشاء تحالف نفطي مهم ساهم في إدارة سوق النفط العالمي.

ويعتبر التعاون في مجال الطاقة أحد مجالات التعاون الحيوية بين روسيا ودول الخليج، وأصبحت مصالح شركات الطاقة من العوامل الرئيسة التي تحدد ملامح سياسة روسيا تجاه دول الشــرق الأوسط. ويسعى الطرفان إلى تنسيق سياسات الإنتاج والتأثير في أسعار النفط والغاز العالمية. كما أن التحولات في سوق الطاقة العالمية بعد الحرب الأوكرانية دفعت روسيا إلى تعزيز التعاون مع شركائها في الشــرق الأوسط لتعويض خسائرها في الأسواق الأوروبية. لذلك يجب أن تؤخذ هذه المصالح التجارية في الاعتبار إلى جانب الدوافع الأخرى التي تحدد السياسة الروسية في المنطقة.

وتعد موارد الطاقة من العوامل الأساسية وراء انجرار روسيا إلى النزاعات الدائرة في المنطقة. وتعد سياسة موسكو في ليبيا أفضل مثال على ذلك. ولا ترى الشركات الروسية أن عدم الاستقرار السياسي في هذه البلاد تشكل مشكلة بالنسبة لها. بالعكس، إنها تعتقد أن هذا الوضع يمنحها فرصة الحصول على أصول نفطية ثمينة بأسعار منخفضة، إذ تحاول الأطراف المتنازعة في ليبيا تأمين الدعم الروسي لنفسها وتعرض على موسكو في المقابل حصصا في قطاع النفط الوطني.

دبلوماسية الطاقة الروسية في الشــرق الأوسط([79]):

      • تخفيف المنافسة والتصدي لأي مشاريع قد تلحق الضرر بالمصالح الروسية في أسواق النفط والغاز العالمية؛
      •  توفير أرباح إضافية لشركات الطاقة الروسية عن طريق ضمان مشاركتها في مشاريع طاقة بمنطقة الشــرق الأوسط؛
      • توفير طرق جديدة للتأثير السياسي على الدول الشــرق أوسطية من خلال التعاون معها في المجال الاقتصادي؛
      • جذب استثمارات جديدة من طرف منتجي النفط والغاز الشــرق أوسطيين (ولا سيما الخليجيين منهم) إلى الاقتصاد الروسي، وبالأخص لغرض تخفيف عواقب العقوبات الغربية؛
      • تسهيل عمل الشركات الروسية المصدرة للنفط والغاز في الأسواق العالمية، وذلك عن طريق تطوير التعاون مع المنظمات الإقليمية (مثل أوبك ومنتدى الدول المصدرة للغاز).
      • لكن لا ينبغي اعتبار الشركات الروسية مجرد أداة للسياسة الروسية في الشــرق الأوسط. وفي حقيقة الأمر، توجد هناك تبعية متبادلة بين الحكومة وشركات الطاقة. ولقد أثبت الكرملين أكثر من مرة أنه قادر على إجبار الشركات على تنفيذ أوامره، لكنه في الوقت نفسه يدرك تماما التزاماته بحماية مصالح هذه الشركات، ولذلك يعدل نهج السياسة الخارجية الروسية بشكل متوازن.
    1. الاستثمارات والتعاون الاقتصادي:

تسعى روسيا إلى جذب الاستثمارات الخليجية، خاصة من صناديق الثروة السيادية في المنطقة. وقد شهدت العلاقات الاقتصادية بين روسيا وعدد من دول الخليج نمواً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة.

فعلى سبيل المثال، شهدت العلاقات الاقتصادية بين روسيا والإمارات العربية المتحدة نمواً كبيراً، حيث ارتفع حجم الاستثمارات والتجارة بين الطرفين بشكل ملحوظ، كما أصبحت الإمارات مركزاً مهماً للشركات الروسية في الشــرق الأوسط. كما تسعى روسيا إلى تطوير مشاريع مشتركة في مجالات البنية التحتية والتكنولوجيا والطاقة.

وتولي روسيا في إطار نهج دبلوماسية الطاقة الخاصة بها في الشــرق الأوسط، اهتماما كبيرا بالعلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي[80]. وعلى وجه الخصوص، تأمل موسكو في إشراك مستثمرين من هذه الدول في مشاريع مشتركة لتطوير وتصميم وإنتاج معدات النفط والبتروكيماويات، وذلك لأن العقوبات الغربية تحد بقدر كبير من إمكانيات الشــركات الروسية لاستيراد التكنولوجيا المتقدمة في هذا المجال. وفي هذا السياق، تركز موسكو على تعزيز التعاون مع دول مجلس التعاون، ولاسيما مع السعودية والإمارات وقطر.

ثالثاً: التحديات التي تواجه العلاقات الروسية الخليجية:

على الرغم من الفرص الكبيرة للتعاون بين روسيا ودول الخليج، فإن هذه العلاقات تواجه عدداً من التحديات:

    1. التنافس في أسواق الطاقة: تمثل المنافسة في سوق الغاز الطبيعي أحد أبرز التحديات في العلاقات الروسية القطرية، حيث تعد قطر من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد سعت قطر إلى توسيع إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال بشكل كبير بعد الحرب الأوكرانية، في إطار استراتيجيتها لتعزيز موقعها في السوق العالمية للطاقة([81]). وتشارك روسيا وقطر في منتدى الدول المصدرة للغاز([82]) الذي مقره في الدوحة.
    2. الضغوط الدولية: تواجه دول الخليج ضغوطاً من بعض القوى الغربية للحد من التعاون مع روسيا، خاصة بعد الحرب في أوكرانيا. ومع ذلك، فقد حاولت العديد من الدول الخليجية اتباع سياسة متوازنة لا تنحاز بشكل كامل لأي طرف في الصراع الدولي.

رابعاً: آفاق التعاون المستقبلية:

تشير المؤشرات الحالية إلى أن العلاقات بين روسيا ودول الخليج قد تتطور وتتنوع خلال السنوات القادمة:

      • التعاون في المجال الاقتصادي: الذي من المتوقع أن يزداد بين روسيا ودول الخليج، خاصة في مجالات: الطاقة – الاستثمار- البنية التحتية- التكنولوجيا.
      • التعاون في الأمن الإقليمي: سعت روسيا إلى طرح مبادرات لإنشاء نظام أمن وتعاون إقليمي في الشــرق الأوسط يشمل دول الخليج، وهو ما قد يفتح المجال أمام دور روسي أكبر في قضايا الأمن الإقليمي([83]). ويكمن الهدف الرئيسي طويل الأمد في إنشاء نظام أمن وتعاون في الخليج، سيشمل أيضًا كلا من روسيا والصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والهند وأصحاب المصلحة الآخرين، بصفة مراقبين أو أعضاء منتسبين.
      • التعاون في النقل والتجارة: يمكن أن تلعب مشاريع النقل الدولية دوراً مهماً في تعزيز التعاون بين روسيا ودول الخليج، مثل مشــروع الممر الدولي للنقل شمال– جنوب الذي يربط روسيا بالشرق الأوسط وآسيا. وتعمل روسيا للتعاون مع دول الخليج في استخدام الموانئ الدولية لدول الخليج للتصدير من خلالها إلى دول أخرى.
      • وتشير التطورات الجيوسياسية والاقتصادية في السنوات الأخيرة إلى وجود فرص مهمة لتطوير العلاقات بين روسيا ودول الخليج، بما في ذلك قطر. كما دفعت التحولات في النظام الدولي، إضافة إلى الحرب الأوكرانية والعقوبات الغربية، روسيا إلى تعزيز علاقاتها مع دول الجنوب العالمي، وفي مقدمتها دول الخليج.
  1. تطور العلاقات الروسية القطرية:

تتميز العلاقات بين روسيا وقطر بطابع براغماتي يقوم على التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري والثقافي والأمني والرياضي والحوار السياسي رغم بروز بعض التباينات السياسية حيال قضايا إقليمية سابقة مثل سوريا تم تجاوزها اليوم.

في مارس 2026 أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين([84]) على متانة العلاقات الاستراتيجية مع قطر، واصفاً إياها بشريك روسيا الأهم في المنطقة، وأظهر بوتين دعماً وتضامناً كبيراً مع دولة قطر جراء "العدوان الإيراني"، مؤكدا استعداد موسكو لتقديم أي دعم أو مساندة تسهم في تجاوز آثار هذه الاعتداءات وتعزيز أمن قطر واستقرارها، مشدداً على أهمية الحوار والدبلوماسية، وسط تقدير روسي لدور قطر الفاعل في الوساطة وتسوية الأزمات الدولية.  وفي العديد من المناسبات صرح الرئيس بويتن بأن قطر تلعب دوراً كبيراً ومكملاً في محاولات تسوية العديد من الأزمات، خاصة في ملفات أوكرانيا وسوريا وغزة.

تعزيز العلاقات بين قطر وروسيا:

من أجل تحسين العلاقات مع روسيا من المفيد أن تظهر قطر استعدادها الدائم لتعميق التعاون الثنائي مع روسيا لتحسين العلاقات معها. ويمكننا الإشارة إلى 3 عوامل حاسمة في هذا السياق:

      • الاستعداد الفعلي لضخ الاستثمارات في مشاريع تسييل الغاز في روسيا وكذلك في مشاريع إنتاج المعدات النفطية والبتروكيماوية.
      •  تبادل المعلومات بشأن الخطوات التي يتخذها كل من الطرفين في الأسواق الخارجية (من المهم أن تدرك موسكو أن خطوات معينة تتخذها قطر لا تستهدف الإضرار بالمصالح الروسية. وعلى سبيل المثال، سيكون من المجدي التوضيح أن تعزيز الحضور القطري في سوق الغاز الأوروبي يرمي إلى تحقيق أهداف اقتصادية بحتة ولا يستهدف زعزعة مواقع موسكو في هذه السوق.
      • امكانية تنسيق المواقف في سوقي الغاز والنفط. وقد يكون من المجدي إجراء حوار روسي- قطري حول تفعيل منتدى الدول المصدرة للغاز وتحويله من مجرد نادي نقاش إلى جهة مراقبة للسوق.

التعاون الاقتصادي والاستثماري:

تعد قطر من أهم المستثمرين الخليجيين في الاقتصاد الروسي، حيث شارك جهاز قطر للاستثمار في عدد من المشاريع الاقتصادية الروسية. ويزيد حجم الاستثمار القطري في روسيا على 13 مليار دولار أهمها في شركة "روس نفط" الروسية، حيث تعمل موسكو على تحقيق تعاون استثماري في مجال الطاقة ومشاركة الشركات الروسية في المنطقة كونه يدعم نفوذها السياسي.

وتعد شركة "روس نفط" مثالاً على ذلك.  وفي عام 2018 وافقت الحكومة الروسية على صفقة بيع حصة تبلغ 14.6 بالمائة من أسهم الشركة لجهاز قطر للاستثمار مقابل 2.5 مليار يورو، لتبلغ إجمالي حصة قطر في رأس مال الشركة 18.93 بالمائة (أكثر من 10 مليار دولار).

ويركز الاهتمام الروسي على موقف دولة قطر بشأن تلبية طلب الولايات المتحدة الساعية إلى ايجاد بدائل سريعة للغاز الروسي في أوروبا، ومع تزايد العقوبات الغربية على تصدير النفط والغاز الروسي إلى أوروبا، كانت موسكو مرتاحة انطلاقا من تحاليل بعدم وجود فوائض عند دولة قطر لتغطية النقص، وصعوبات لوجستية (ناقلات الغاز، وحدات اعادة الغاز المسال إلى شكله الغازي مرة أخرى) وقانونية (العقود طويلة الأجل في آسيا) تعرقل التدفق الكبير للغاز القطري إلى أوروبا. واليوم بعد الحرب الإيرانية وقيام إيران بمنع السفن التجارية من العبور في مضيق هرمز وحدوث أزمة عالمية تتعلق بالطاقة. من أبرز معالمها أن دولة قطر توقفت عن تصدير الغاز المسال (حصة قطر 20% من انتاج الغاز في العالم)، وكذلك بعد أن قامت إيران بقصف محطة رأس لفان للغاز في قطر وهي من أكبر المحطات في العالم، تضررت الصين ودول آسيا وأوروبا من هذه الحرب، لذلك يجري الحديث عن إمكانية رفع جزئي للعقوبات على تصدير النفط والغاز الروسي. وهنا أيضًا تستفيد روسيا مالياً وسياسياً من الأزمة الحاصلــــــــة، لأن أوروبا وامريكا التي تحــــــــارب روسيا في أوكــــــــرانيا، تجد نفسها مضطرة لإيجاد مخرج يخفف من ارتفاع أسعار النفط والغاز في أوروبا والعالم. كما تسعى قطر وروسيا أيضًا إلى تطوير مشــــــــــاريع استثمارية مشتركة في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا.

وتعمل في قطر أكثر من 80 شركة روسية. ومن القضايا المهمة بالنسبة لروسيا، توسيع استثمارات دولة قطر خاصة بعد العقوبات الغربية غير المسبوقة التي فرضها الغرب على روسيا منذ بدء الحرب الروسية في أوكرانيا عام 2011، والتي بلغت آلاف العقوبات وطالت كل الشركات والبنوك والمؤسسات الحكومية ورجال الأعمال والدبلوماسيين والشخصيات الحكومية الروسية: 

  1. الحوار السياسي والدبلوماسي:

تتبع قطر سياسة خارجية متوازنة مما يساعدها في الحفاظ على علاقات جيدة مع مختلف القوى الدولية. وقد لعبت الدوحة دوراً مهماً في الوساطة في حل عدد من النزاعات الدولية والإقليمية، الأمر الذي يمنحها مكانة خاصة في الدبلوماسية العالمية. وفي هذا السياق، تنظر موسكو إلى قطر باعتبارها شريكاً مهماً في المنطقة، خاصة في ظل علاقاتها الواسعة في الشــرق الأوسط وإفريقيا.

  1. التعاون الإنساني والرياضي:

شهدت العلاقات بين قطر وروسيا تعاوناً إنسانياً مثمراً في مجال التنسيق بين الحكومتين الروسية والأوكرانية لتبادل الاطفال ولم الشمل للعائلات الروسية والأوكرانية.

وكان هناك تعاونا جيدا بين اللجان الأولمبية في البلدين للتعاون وتبادل الخبرات في تنظيم بطولة كأس العالم بكرة القدم في موسكو 2018 وفي الدوحة 2022.

  1. الأمن الغذائي:

يبقى الأمن الغذائي العالمي من المهمات الكبرى أمام الدول. وتسعى دولة قطر لتحقيق الأمن الغذائي العالمي ولذلك سعت من أجل تمديد "صفقة الحبوب" التي عقدت بين روسيا وأوكرانيا وتركيا والأمم المتحدة للحفاظ على توازن في الأسواق ودعم الدول الفقيرة، التي تعاني من نقص المواد الغذائية على خلفية الأزمة في أوكرانيا. وأعلنت قطر عن دعمها لتحقيق الأمن الغذائي العالمي وأبدت استعدادها للمساعدة في نقل الحبوب من روسيا وأوكرانيا الى الدول الفقيرة. وناقشت دولة قطر باستمرار مع روسيا وأوكرانيا مسألة تصدير الحبوب بعيدا عن المخاطر العسكرية في البحر الأسود.

مقترحات لتحسين العلاقات القطرية الروسية:

  • اثبتت التطورات السياسية الدولية وتاريخ الصراعات المختلفة، أنه يمكن إقامة تعاون اقتصادي بين الدول بالرغم من الخلافات السياسية. وهذا يخص العلاقات القطرية الروسية التي شهدت تبايناً في الموقف من النظــــــام البائد في سوريا مثلاً، لكن دولة قطر انطلقت من سياسة التنويع في العــــــــلاقات الدولية فتوجهت نحو الشــرق، وخاصة بعد الحصار على دولة قطر عام 2017 الذي عكس موقفا غربيا متخاذلاً. وجاء ذلك مناسبا للسياســــــــة الروســــــــية بعد الحرب الأوكرانيــــة والعقــــــــوبات الغربيــــــــة، بأن اتجهت موسكو لتوسيع العلاقات مع آسيا والجنوب العالمي.
  • من الضــروري الحفاظ على علاقات جيدة مع الدول الغربية، وبنفس الوقت من أجل اســــــــتقلال القرار الوطني في قطر والحفاظ على سيادتها من المفيد بناء شبكة علاقات تعاون مع روسيا والصين والهند ودول آســــــــيا الوسطى وشرق آسيا، لتأمين أسواق آمنة ومستدامة لتصدير الغاز.
  • نظراً للدور المهم والفعال لقطر في تحقيق الوساطات لحل النزاعات من المهم وضع شروط وضمانات لتلك الجهود لتجنب حصول أحداث مثل الاعتداء الإسرائيلي على الدوحة في 9 سبتمبر 2025، وكذلك الاعتداءات الإيرانية المستمرة منذ 28 فبراير 2026.
  • التنسيق السياسي والدبلوماسي في مجال العلاقات الثنائية والاستمرار في اجراء مشاورات سياسية بين وزارتي الخارجية في البلدين، وكذلك في المحافل الدولية، خاصة وأن روسيا عضو دائم في مجلس الأمن، بما يخدم المصالح المشتركة لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة وحل النزاعات المختلفة أو على الأقل التخفيف من حدة الصراعات التي تعصف بالمنطقة، ولقطر أيادي بيضاء وخبرة غنية ناجحة في تقديم مساعدات إنسانية وخيرية والتوسط في حل الأزمات.
  • ويجدر الذكر بأن روسيا دعمت قبول دولة قطر كشريك للحوار ضمن منظمة شنغهاي للتعاون وتم التوقيع في 14 سبتمبر 2022 في طشقند على مذكرة منح قطر صفة الشريك في الحوار.
  • تقديم مبادرات مشتركة للمساعدات الإنسانية.
  • تبادل المعلومات والخبرات وتنسيق الجهود في مجال أسواق الغاز على عدة مستويات: على مستوى الشركات بين "قطر للطاقة" و"غازبروم" و"روس نفط" و "نوفوتيك" مع مراعاة التنافس بين تلك الشركات نفسها. وكذلك على مستوى منتدى الدول المصدرة للغاز.  ولزيادة الدور الروسي يجب أن يعاد النظر في اجندة المنتدى. فهو حاليا يشبه مؤسسة بحثية وعلاقات عامة تقوم بالدعاية للغاز الطبيعي في أسواق الطاقة. ويبقى المنتدى ساحة مهمة لتطوير العمل المشترك بين قطر وروسيا نظراً لكون قطر وروسيا من أكبر منتجي الغاز الطبيعي والغاز المسال في العالم.
  • لدى قطر وروسيا إمكانيات كبيرة للاستثمار وإقامة المشاريع بما فيها المشتركة. وتهتم روسيا باستقطاب استثمارات قطرية في مشاريع البنية التحتية.
  • التعاون مستقبلا في مجال مشــروع طريق شمال- جنوب الذي تهتم به روسيا بسبب الحصار المفروض عليها، وهو مفيد لدولة قطر تجاريا واقتصاديا.
  • إقامة شراكات مباشرة بين مؤسسات تعليمية وبحثية في دولة قطر وروسيا الاتحادية، وتنشيط التعاون في مجال التربية والتعليم العالي، خاصة وأن دولة قطر تولي اهتماماً كبيراً بتعليم اللغة العربية للطلبة الروس من خلال معهد قطر لتعليم اللغة العربية التابع للسفارة القطرية في موسكو واجراء مسابقة الدوحة للغة العربية لطلبة الجامعات الروسية، التي تنظمها السفارة سنويا منذ عام 2018. والتركيز على الابحاث العلمية والانتاج التي تساهم في تطوير وتطبيق تكنولوجيا روسية في انتاج الغاز ومعالجته. ومن المفيد الاهتمام بمشاريع التعاون مع الاقاليم والمقاطعات الروسية بما فيها الجمهوريات الإسلامية الروسية.  على الرغم من أنها قد تكون أقل أهمية من المشاريع الفيدرالية إلا أنها تزيد من تأثير قطر ومواقعها في روسيا. وتعيش الاقاليم الروسية ظروفا صعبة لقلة الدعم المالي من المركز وبالتالي فهي بحاجة ماسة للاستثمارات القطرية التي ستعود بالنفع السياسي والاقتصادي على قطر أيضًا.
  • من المجالات المفيدة أيضًا زيادة التعاون الثقافي بين وزارتي الثقافة في البلدين، وبين المتاحف المختلفة وإقامة المعارض والأيام الثقافية. والتركيز على ترجمة الكتب والتعاون العلمي والأكاديمي وكذلك في مجال السياحة والرياضة.
  • توجد آفاق للتعاون في مجال الأمن الغذائي العالمي بين دولة قطر وروسيا.

* * * ** *

  1. الخاتمة:

مرت السياسة الخارجية الروسية بمراحل عدة، واتصفت في العهد السوفيتي بالعمق والأبعاد الاستراتيجية والجيوسياسة العريقة، حيث شهد العالم على مدى 70 عاماً صراعاً كبيراً بين قطبين عالميين: الولايات المتحدة الأمريكية في قيادة المعسكر الغربي الرأسمالي من جهة، والاتحاد السوفيتي في زعامة المعسكر الشــرقي الاشتراكي من جهة أخرى. وانقسم العالم تقريبا إلى موالين ومؤيدين لهذا المعسكر أو ذاك تبعاً لتوجهات الأنظمة وقدراتها في اختيار القرار المستقل لحماية مصالحها.

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي (عام 1991)، بدأت السياسة الخارجية الروسية تتغير. بالإضافة إلى المصالح الجيوسياسية والاقتصادية، أصبحت براغماتية بدلاً من نشر الأيديولوجيا الشيوعية.

ومن حيث التوجهات الاقتصادية أصبحت روسيا دولة رأسمالية ولكن لها فلسفة سياسية مختلفة عن الغرب بحكم خصوصيتها القومية والدينية والتاريخية وانتمائها إلى الأوراسيا.

وقد سعى الرئيس بوتين([85]) إلى الانخراط في المعسكر الغربي في بداية وصوله إلى السلطة بعد عام 2000، إلا أن الغرب -كما قال بوتين نفسه- رفض ضم روسيا الاتحادية إلى عائلة الدول الرأسمالية العالمية، ورفض الناتو استقبال روسيا في عضويته. وهذا عكس أسباباً عميقة تقف عائقا بين روسيا والغرب تتجسد فيها كل التراكمات التاريخية والدينية والقومية والهوياتية وطبيعة العقلية الروسية وتقاليدها التي تميزها كثيراً عن أوروبا الغربية. فروسيا كما ورد في هذا البحث تعتبر نفسها ليست أوروبية خالصة وليست آسيوية خالصة بل هي أوراسية – كما يحب أن يسميها المثقفون وحتى المسؤولون الروس للتأكيد على الطبيعة المزدوجة لروسيا فكلمة أوراسية تعني أن روسيا لديها مؤسسات وقوانين ودستور ديموقراطي ولكنها أيضا لديها خصائص تميز المجتمعات الشرقية مثل تقبل السلطة المطلقة للحاكم والانطلاق من العواطف والمشاعر في التعامل مع القضايا المختلفة الداخلية والخارجية، أكثر من الحسابات المنطقية العقلانية التي تميز العقلية الأوروبية. ويبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يمثل نوع من الحكام الذين يشبهون الحكام الآسيويين وبالتالي فهو يلتقي كثيراً مع الرئيس الروسي بوتين.

وبعد أن رفض الغرب روسيا في 2004 بدأ الرئيس بوتين بالتوجه نحو الشرق. وفي مؤتمر ميونيخ للأمن الأوروبي عام 2007، أعلن بوتين صراحة بأنه لن يقبل بتهميش روسيا([86]) وبسياسة القطب الواحد. وبدأت موسكو تركز على التعاون مع الدول العربية والإسلامية ودول آسيا الوسطى وشرق وجنوب آسيا ودول الشرق الأوسط وحتى أفريقيا إلى حد ما. وأصبحت روسيا عضواً مراقباً في منظمة التعاون الإسلامي([87]) (2005). وبدأت العمل بتأسيس منظمات إقليمية ودولية تضم الجنوب العالمي بما فيها الصين ودول آسيا الوسطى والجمهوريات السوفيتية السابقة بعد رابطة الدول المستقلة (التي تضم اغلب الجمهوريات السوفيتية السابقة كبديل معين للاتحاد السوفيتي) ومنظمة شنغهاي للتعاون- الاتحاد الاقتصادي الأوراسي- منظمة اتفاقية الدفاع المشترك- ومنظمة بريكس وغيرها.

وبعد اتساع النفوذ والتأثير الغربي على دول الجوار لروسيا وخاصة اشتعال موجة من الثورات الملونة، التي اجتاحت العديد من الدول مثل اوكرانيا- جورجيا- قيرغستان وغيرها، والتي اعتبرتها موسكو مؤامرة غربية، وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، واسقاط نظام صدام حسين الصديق لروسيا، بدأت موسكو باتخاذ سياسة هجومية تسميها "وقائية" حيث تدخلت في جورجيا عام 2008، وساعدت في انفصال جمهورية ابخازيا وجمهورية اوسيتيا الجنوبية عن جورجيا وأصبحتا تحت المظلة الروسية. وفي عام 2014 بعد أحداث اوكرانيا وانقلاب الحكم في كييف ليصبح مواليا للغرب ومعادياً لروسيا قامت روسيا بضم شبه جزيرة القرم إلى أراضيها. وفي عام 2015 قامت موسكو بتدخل عسكري في سوريا ليس فقط لدعم نظام الأسد، وإنما لإجبار الغرب الاعتراف بالدور الروسي في المعادلات الدولية بما فيها في توزيع مناطق النفوذ واحترام المصالح وضمان الأمن القومي ولكنها في النهاية مع سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024 منيت روسيا بخسارة جيوسياسية كبيرة في سوريا والشــرق الأوسط، حيث فقدت سورية التي كانت تعتبرها روسيا قاعدة لها في الشرق الأوسط تنطلق منها إلى أفريقيا وشمال افريقيا.

وبعد اجتياح القوات الروسية للأراضي الأوكرانية في 24 فبراير 2022، لتحقيق أهداف عدة أهمها ابعاد الناتو عن دود روسيا وضرب التيارات القومية المتطرفة في أوكرانيا التي تعادي الروس وأهداف أخرى، مازالت الحرب مستمرة لأكثر من أربع سنوات وهي تستنزف قدرات روسيا وأوكرانيا ومعهما اوروبا وامتدت نتائج وتأثيرات هذه الحرب إلى مناطق العالم وخاصة في الشرق الأوسط لأنها تهدد الأمن الغذائي العالمي (تصدير الحبوب الروسية والأوكرانية) وكذلك ساهمت العقوبات الغربية المفروضة على روسيا بالتأثير في سوق الطاقة في الشــرق الأوسط، وتبعتها الحرب الإيرانية – الإسرائيلية والأمريكية (28 فبراير/ شباط 2026) لتهدد الأمن والاستقرار والاقتصاد العالمي برمته، وخاصة في منطقة الخليج والشرق الأوسط.

وقد وطدت روسيا علاقاتها مع دول الخليج العربية والإسلامية ودول اسيا ومع تركيا وايران، وتتجه اليوم لإعادة بناء علاقات تعاون مع العديد من الدول الافريقية (أقام الاتحاد السوفيتي علاقات واسعة مع افريقيا، وتراجعت في التسعينات. واستمر إهمال التعاون مع أفريقيا حتى سنوات قريبة. ثم بدأت موسكو منذ سنوات قليلة بالاهتمام الجدي بالتعاون ودعم العديد من الدول في افريقيا. وهناك نشاط للشركات الروسية في مجال استخراج المعادن الثمينة وتستخدم موسكو القوة الناعمة مثل شركة فاغنر الأمنية الخاصة (سابقاً) وتحول اسمها إلى "الفيلق الافريقي" لحماية مصالحها الاقتصادية ولدعم بعض الأنظمة الافريقية التي كانت ساحة للنفوذ الفرنسي والغربي سابقاً.

وأدت سياسات إدارة ترامب في فترته الأولى وبدء الحصار على قطر عام 2017 إلى تخوف خليجي من عدم ثبات الموقف الأمريكي في دعم أمن المنطقة، خاصة وأن الولايات المتحدة أكبر حليف لهذه الدول، مما شجع على توسيع التعاون مع روسيا والصين وغيرها. سيما وأن روسيا لديها مصالح كبرى مع دول المنطقة في الطاقة وتجارة الأسلحة وغيرها.

وتتسم السياسة الخارجية الروسية اليوم في الشرق الأوسط([88]) بأنها تستند إلى مبادئ أساسية مثل: التوازن والبراغماتية وقبول الأمر الواقع وقابليتها للتغير وفق الظروف الناشئة. وتتمتع روسيا بعلاقات استراتيجية مع تركيا وإيران وإسرائيل ومع بعض دول الخليج مثل الامارات العربية المتحدة، وتعرض هذه العلاقات للصعود والهبوط تبعا لبعض التطورات في السياسات المحلية والإقليمية والدولية.

وهناك تفهم من كافة الأطراف للمصالح المتبادلة (مثلا في مجال الطاقة) ولذلك يتم تجاوز بعض الصعوبات والتحديات في علاقات روسيا الثنائية مع تلك الدول. وفي هذا الإطار تعتبر العلاقات الروسية الهندية والروسية التركية نموذجان لعلاقات تعاون اقتصادية وتكنولوجية وتجارية وحتى عسكرية هادئة تحقق مصالح الجانبين بالرغم من خصوصية كل بلد على حدة وعلاقاتهما القوية مع الدول الغربية.

ومن الجوانب السلبية في السياسة الخارجية الروسية أنها تتسم بالبراغماتية الزائدة، التي تهدف إلى التعاون مع كل الأطراف بما فيها المتناقضة فيما بينها، وتحرص موسكو دائماً أن يكون لديها أوراق سياسية واقتصادية وجيوسياسية تستخدمها للحفاظ على دور في المنطقة. ومنها الأوراق القومية والطائفية لاستخدامها في الأوقات التي تناسبها.

ويرى خبراء بأن نموذج الاقتصاد الروسي وطبيعة النظام السياسي الحكومي والقدرات التكنولوجية الحديثة، لا تجذب الدول الأخرى مقارنة بالتقدم التكنولوجي الغربي الذي حقق مستويات عالية جداً. وبالرغم من ذلك فوجود روسيا والصين في الشرق الأوسط مهم للغاية لخلق توازن جيوسياسي في المنطقة، ولكي يساعد دول المنطقة على الحفاظ على التنويع في العلاقات وحماية استقلالها السياسي وسيادتها ومصالحها الاقتصادية.

وأصبحت السياسة الخارجية الروسية في الشــرق الأوسط جزءاً مهماً من الاستراتيجية العالمية لروسيا الهادفة إلى تعزيز مكانتها في النظام الدولي. وقد تمكنت موسكو خلال العقدين الأخيرين من تعزيز حضور قلق في المنطقة (طبيعة التغيير السياسي في سوريا باتجاه التحالف مع الغرب، والحرب على إيران ليستا في صالح روسيا بالمعنى الاستراتيجي) من خلال مجموعة من الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية.

ويمكن تقييم مدى نجاح السياسة الروسية في الشرق الأوسط من خلال عدة معايير، من بينها مدى قدرتها على تحقيق أهدافها الاستراتيجية وتعزيز نفوذها الإقليمي.

فقد حققت روسيا عدداً من النجاحات المهمة في المنطقة، من أبرزها:

      • دفعت روسيا إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية وتعزيز علاقاتها مع عدد من دول الشرق الأوسط.
      • لعب دوراً مؤثراً في بعض القضايا الإقليمية.
      • وعلى الرغم من القيود التي فرضتها الحرب والعقوبات الغربية، فإن روسيا لا تزال تحتفظ بموقع مهم في التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط، خاصة بفضل تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع عدد من دول الشرق الأوسط وسياستها القائمة على التوازن في العلاقات مع مختلف الأطراف.
      • ومع استمرار التحولات في النظام الدولي نحو قدر أكبر من التعددية القطبية، من المرجح أن يبقى الشرق الأوسط أحد أهم مجالات النشاط الدبلوماسي والجيوسياسي الروسي في السنوات القادمة.

وتواجه السياسة الروسية في الشـــرق الأوسط عدداً من التحديات، من بينها:

      • استمرار النفوذ الأمريكي القوي في المنطقة.
      • لم تتمكن روسيا تثبيت وجودها العسكري في سوريا، التي خسرتها كقاعدة انطلاق نحو افريقيا.
      • التنافس مع قوى دولية أخرى مثل الصين.
      • تأثير الحرب الأوكرانية في الموارد العسكرية والاقتصادية الروسية.
      • تعقيد الصـــراعات في الشـــرق الأوسط وخاصة بعد الحرب الايرانية، وبروز مشكلة الحفاظ على التعاون بين روسيا وإيران وفقا لاتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

وأخيراً يمكن القول إن الأهم من كل ما كتب هو تمتين البيت الداخلي في كل دولة وإقامة تنمية مستدامة وتقدم علمي وتكنولوجي ومجتمعي واقتصادي والاهتمام بالتعليم والصحة كأساسيات لبناء أجيال مبدعة تضمن مستقبل البلاد، وفقط بتقوية الدول وتحصينها من الداخل يمكن بناء سياسات خارجية واقعية متوازنة تخدم مصالح البلد وأمنه واستقراره. ومن المهم أيضا الابتعاد عن التحالفات التي تثقل كاهل البلد بالتزامات قد تتناقض مع مصالح الدولة أو تؤدي الى تهديد المصالح. مثلا الاعتداء الإسرائيلي على الدوحة حدث يحتاج لدراسة معمقة لأنه فاجأ العالم. وكذلك الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج لافتة وخطيرة علماً أن بعض الدول مثل قطر وسلطنة عمان كان لها علاقات حسن جوار طبيعية مع إيران.

* * * ** *

المراجع:

أولاً: المراجع العربية:

  • نيكولاي كوجانوف- السياسة الخارجية الروسية تجاه قطر والمملكة العربية السعوديــــــــة: ردم الفجـــــــــــــوات 2019 . مركـــــــــز دراســــــــــات الخليــــــــــج- جامعــــــــــــــــة قطر.
  • الدكتور عبدالله الأشعل، مساعد وزير الخارجية المصـــري الأسبق، الأزمة الأوكرانية في نظر القانون الدولي المعاصر- مجلة العلاقات الدولية، عدد أكتوبر 2023.
  • عبدالله العقرباوي: السؤال الأكثر جدلا بين الاستراتيجيين.. هل تكون الحرب في أوكرانيا بداية نظام دولي جديد؟
  • فيودور لوكيانوف: - https://globalaffairs.ru/articles/siriya-posle-asada-suhov/
  • محمود الحمزة: الاستشــراق الروسي والعالم الإسلامي. مؤسسة وعي للدراسات والأبحاث. الدوحة. 2022.
  • محمود الحمزة: الجيوبوليتيك (الجيوسياسي) الروسي في مجابهة ثورات الربيع العربي. نشرت في موقع مركز حرمون للدراسات المعاصرة وفي موقع سوريا المستقبل https://mustakbalsuria.com/?p=3505

ثانياً: المراجع الأجنبية:

Borshchevskaya, A. (2021). Putin’s War in Syria. Washington Institute.

Freedman, R. (2018). Russia and the Middle East. Cambridge University Press.

Kozhanov, N. (2018). Russian Policy Across the Middle East. Oxford University Press.

Legvold, R. (2007). Russian Foreign Policy in the 21st Century. Columbia University Press.

Primakov, E. (2009). Russia and the Arabs. Moscow.

Trenin, D. (2018). What Is Russia Up to in the Middle East? Polity Press.

Tsygankov, A. (2016). Russia’s Foreign Policy. Rowman & Littlefield.

Charap, S., & Colton, T. (2017). Everyone Loses: The Ukraine Crisis and the Ruinous Contest for Post-Soviet Eurasia. Routledge.

Mearsheimer, J. (2014). “Why the Ukraine Crisis Is the West’s Fault”. Foreign Affairs.

Mearsheimer, J. (2022). The Causes and Consequences of the Ukraine War. University of Chicago.

Sakwa, R. (2015). Frontline Ukraine: Crisis in the Borderlands. I.B. Tauris.

Trenin, D. (2022). The Ukraine Crisis and the Reshaping of the World Order. Carnegie Moscow Center.

Fetzer, T., & Nikolovski, I. (2025). The Russo-Ukrainian War and Memory Politics in International Relations.

Zafar, S., & Akhtar, H. (2024). Russia-Ukraine War: A Shift from Eurocentrism to Multipolarity.

Bramhayya, C. (2025). Russia-Ukraine War and Its Impact on Global Security.

Majeed, M., & Issa, S. (2024). Impact of the Ukraine War on EU-Russia Relations.

Bahadari, A. (2025). Russia‑Ukraine War and the Shift Towards Multipolarity. Journal of Social and Political Studies.

Primakov, E. (2009). Russia and the Arabs. Moscow.

Ramani, S. (2023). Russia in the Middle East after Ukraine. Oxford University Press.

Trenin, D. (2018). What Is Russia Up to in the Middle East? Polity Press.

Tsygankov, A. (2016). Russia’s Foreign Policy. Rowman & Littlefield.

Naumkin, V. (2015). Russia and the Islamic World. Moscow Institute of Oriental Studies.

Arezki, R., & Fan, R. (2023). Oil market dynamics and OPEC+ cooperation.

Frolovskiy, D. (2023). Russia’s foreign policy adaptation after Ukraine war.

Gvosdev, N. (2023). Russia’s global strategy in a multipolar world.

International Crisis Group. (2023). Russia’s economic networks in the Gulf.

Katz, M. (2023). Russia and the Middle East after Ukraine.

Kortunov, A. (2022). Russia’s pivot under sanctions pressure.

Kozhanov, N. (2023). Russian policy in the Gulf after 2022.

Lo, B. (2023). Russia, China, and the new world order.

Trenin, D. (2022). Russia in the new international system.

Ulrichsen, K. (2023). Gulf states and neutrality in Ukraine war.

Vakil, S. (2023). Iran-Russia relations and Gulf security.

chromeextension://efaidnbmnnnibpcajpcglclefindmkaj/https://www.qu.edu.qa/siteimages/static_file/qu/research/gulf%20studies/monograph%20n.6.pdf

Eugene Rumer – Russia in the Middle East: Back to a “Cold War”?

Samuel Ramani – Russia in Africa and the Middle East

Dmitri Trenin – What Is Russia Up to in the Middle East?

ثالثاً: المراجع باللغة الروسية:

ترينين، ديمتري (2022). Россия и мировой порядок после украинского кризиса. Carnegie Moscow Center.روسيا والنظام العالمي بعد الأزمة الأوكرانية- دميتري ترينين

https://globalaffairs.ru/articles/siriya-posle-asada-suhov/

كاراغانوف، سيرغي (2021). Россия в меняющемся мировом порядке. Moscow: RIA Novosti. روسيا في نظام عالمي متغير

Примаков Е. Россия и Ближний Восток روسيا والشرق الأوسط – يفغيني بريماكوف

Васильев А. Россия и страны Ближнего Востока الكسي فاسيليف- روسيا وبلدان الشرق الأوسط

Наумкин В. Россия и исламский мир فيتالي نعومكين- روسيا والعالم الإسلامي

Тренин Д. Россия и Ближний Восток в мировой политикеدميتري ترينين- روسيا والشرق الأوسط في السياسة العالمية

Russian Foreign Policy Concept 2023 رؤية السياسة الخارجية الروسية

Журнал Россия в глобальной политике مجلة روسيا في السياسة العالمية

رابعاً: مراكز الأبحاث:

  1. مركز الجزيرة للدراسات.
  2. مركز كارنيغي للشرق الأوسط.

Russian International Affairs Council Reports on Ukraine War.

Russia in the Middle East After Ukraine – CSIS. (CSIS).

Russian Relations With the Middle East After the Ukraine War – ISPI. (ISPI).

Chatham House – Russia’s influence in the Middle East. (Chatham House).

Washington Institute – Russia’s Middle East Strategy. (The Washington Institute.

* * * ** *

  1. () Trenin, D. (2022). The Ukraine Crisis and the Reshaping of the World Order. Carnegie Moscow Center. ↑

  2. () http://kremlin.ru/events/president/news/70811 ↑

  3. تسجل الرؤية الجديدة للسياسية الخارجية الروسية المبادئ الإيديولوجية الأساسية للقيادة الروسية في الساحة الدولية خاصة دعم تشكل عالم متعدد الأقطاب وضرورة وقف الهيمنة الغربية.

    • تركز القيادة الروسية في هذه الرؤية على تعرض روسيا لحرب هجينة من قبل الغرب، الذي فشل في عزل روسيا في الساحة الدولية.

    • يمثل البند الجديد حول مبدأ استخدام القوة العسكرية تبريرا لإطلاق الكرملين العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا وقد يتم استغلال نفس البند بشأن ضرورة منع أي تهديد وجودي لروسيا لبدء تحركات عسكرية أخرى مستقبلا، بما في ذلك اعتماد السلاح النووي.

    • تبرز الوثيقة مساعي القيادة الروسية إلى تشكيل تحالف مناهض للغرب بالتركيز على الشراكة الاستراتيجية مع الصين والهند وزيادة التعاون مع الدول الإسلامية.

    ويرى بعض الخبراء بأن تنفيذ روسيا للرؤية السياسية الجديدة يجابه تحديات بسبب إطالة أمد الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية على روسيا، وضعف الموقف السياسي الدولي لروسيا بسبب تلقي حلفاء روسيا لضربات استراتيجية مثل سقوط نظام الأسد واضعاف حزب الله والهجوم الأمريكي الإسرائيلي على ايران (بدأ في 28 فبراير 2026). ↑

  4. () http://government.ru/docs/all/111512/ ↑

  5. () http://www.scrf.gov.ru/security/military/document129 ↑

  6. () http://publication.pravo.gov.ru/document/0001202411190001 ↑

  7. () https://www.mid.ru/ru/foreign_policy/official_documents/1784948/ ↑

  8. () https://www.aljazeera.net/politics/2022/2/27 ↑

  9. )) خطابات الرئيس فلاديمير بوتين خلال الفترة 2022-2026. ↑

  10. () https://www.instagram.com/reels/DSac2oWCtZH/ كلمة الرئيس الطاجيكي في مؤتمر ســــــــمرقند بحضور رؤساء دول اسيا الوسطى في أكتوبر 2022. وانظر كذلك مقالة محمود الحمـــــــــــــزة.  الجيوبوليتيك الروسي في مجــــــابهة ثورات الربيع العربي.

    نشرت في موقع مركز حرمون للدراسات المعاصرة وفي موقع سوريا المستقبل  https://mustakbalsuria.com/?p=3505 ↑

  11. خطاب الرئيس بوتين أمام مجلس الأمن الروسي في عام 2014 بعد ثورة الميدان في كييف الأوكرانية. ↑

  12. )) سيرغي لافروف في مؤتمر صحـفي عام 2014. ↑

  13. () Borshchevskaya, A. (2021). Putin’s War in Syria. Washington Institute. ↑

  14. () Freedman, R. (2018). Russia and the Middle East. Cambridge University Press. ↑

  15. () Kozhanov, N. (2018). Russian Policy Across the Middle East. Oxford University Press. ↑

  16. () Mearsheimer, J. (2014). “Why the Ukraine Crisis Is the West’s Fault”. Foreign Affairs. ↑

  17. )) ألكسندر دوغين (ولد عام 1962) - فيلسوف ومفكر روسي معاصر وهو المنظّر الإيديولوجي للجغرافيا السياسية الأوراسية. وصاحب نظرية الإمبراطورية الأوراسية الجديدة ورئيس قسم علم الاجتماع في جامعة موسكو للعلاقات الدولية الحكومية. شغل دوغين منصب مستشار رئيس مجلس الدوما الروسي لعدة سنوات، وعمل على بناء نماذج التنمية الجيوسياسية للدول، وتشكيل لوحة الأوراسية موحدة، وإنشاء نظام متعدد الأقطاب للعلاقات الدولية ويدعو للتعددية القطبية والحفاظ على القيم والتقاليد المحافظة الدينية والقومية ويعادي الغرب بشكل كبير، وهو صاحب النظرية الرابعة في السياسة والتي تعني أن النظريات الثلاثة الليبرالية (في الغرب) والشيوعية (في الدول الاشتراكية وخاصة الاتحاد السوفيتي) والفاشية (الألمانية والإيطالية) فشلت كلها وبقي ان تسير روسيا على طريق الأوراسيا لتشكل تحالف البر (اليابسة) ضد تحالف البحر (الذي تقود الولايات المتحدة). وهو صاحب نظرية الجيوسياسة الأوراسية (له كتاب بهذا العنوان ترجم الى اغلب لغات العالم) وقد تشكل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي بالفعل.

    ويدعو دوغين للتحالف كل من الصين وإيران ودول اسيا الوسطى والدول العربية والإسلامية وتركيا معتبرا أن هذه الدول لها تاريخ حضاري بينما أمريكا ليس لها تاريخ حضاري: الحضارة الصينية والحضارة العربية الاسلامية والحضارة العثمانية (السنية) والحضارة الفارسية (الشيعية). وهو صاحب الرأي القائل بدون روسيا لا يوجد عالم. كما يدعو دوغين إلى فرض القيم الروسية والمصالح الروسية بالقوة. وقد اقترح استيلاء روسيا على جمهوريتي ابخازيا واوسيتيا الجنوبية (في جورجيا) وحدث هذا بالفعل عام 2008، وكذلك دعا الى الاستيلاء على القرم واسترجاع شرقي أوكرانيا (روسيا الجديدة) وجنوب أوكرانيا الى روسيا وتم تنفيذ ذلك عمليا عام 2014 و2022. ودعا دوغين الى التحالف مع تركيا وتم تحقيق ذلك. ويتضح تماما من ممارسات السلطة الروسية والرئيس الروسي بوتين بأنه متأثر بأفكار دوغين في التوسع والقيام بخطوات استباقية في جورجيا وأوكرانيا وسوريا دفاعا عن مصالح روسيا.

    انظر: كتاب ألكسندر دوغين: "الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة: عصــر الإمبراطوريات الجديدة، الخطوط العامة للجغرافيا السياسية في القرن الحادي والعشرين". ترجمة إبراهيم إستنبولي ومراجعة إسكندر الكفوري. سلسلة "ترجمان" في "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات". 2007. ص 27، 51، 157،92. ↑

  18. )) في قمة بوخارست لحلف شمال الأطلسي، أبريل 2008. ↑

  19. )) كريم الماجري. لماذا يكره "نبي الجغرافيا" أميركا وأوروبا إلى هذا الحد؟ الجزيرة نت: https://share.google/xpkW95Aoudu3EouOn ↑

  20. () Charap, S., & Colton, T. (2017). Everyone Loses: The Ukraine Crisis and the Ruinous Contest for Post-Soviet Eurasia. Routledge. ↑

  21. () https://www.youtube.com/watch?v=DwZwADXLuqo ↑

  22. () Russian International Affairs Council Reports on Ukraine War. ↑

  23. )) زيغنيو بريجينسكي. رقعة الشطرنج الكبرى. 1999. مركز الدراسات العسكرية. ص 6.

    كان زيغنيو بريجينسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي لدى الرئيس جيمي كارتر (1977-1981). تحدث في كتابه "رقعة الشطرنج الكبرى" عن أهمية أوراسيا، واعتبرها "رقعة شطرنج" حاسمة، تضم آسيا الوسطى، القوقاز، الشرق الأوسط، وروسيا، ومن يسيطر عليها يحكم العالم. ولذلك سعت السياسة الامريكية لإدارة تعقيدات القارة ومنع ظهور قوة أوراسية موحدة، قادرة على طرد أمريكا أو تحدي هيمنتها. وحدد بريجينسكي المنافسين الجيوسياسيين وهم روسيا كقوة تسعى لإعادة بناء إمبراطورتيها (الاتحاد السوفيتي)، والصين كقوة صاعدة، وأوكرانيا كدولة محورية تمنع روسيا من أن تكون امبراطورية أوراسية. بينما لعب الإسلام دور الجسر الحضاري والثقافي الذي ربط الشرق الأوسط بآسيا الوسطى وشرقي آسيا بروسيا. كما وضعت الإدارات الامريكية المختلفة استراتيجية لاحتواء الطموحات الروسية والصينية عبر استغلال النزاعات القومية، ودعم استقلال دول مثل أوكرانيا وأذربيجان وأوزبكستان، مع تعزيز التحالفات مع قوى إقليمية. وهذا يفسر الدعم الغربي واستمرار الحرب في أوكرانيا منذ 2022. ويُعد نهج بريجنسكي، الذي يرتكز على مفاهيم رقعة الشطرنج الكبرى، استمراراً للرؤى الجيوسياسية الكلاسيكية التي ترى في قلب الأرض (أوراسيا) مفتاح الهيمنة العالمية.  ↑

  24. () https://globalaffairs.ru/articles/siriya-posle-asada-suhov/ فيودور لوكيانوف- ↑

  25. () Ramani, S. (2023). Russia in the Middle East after Ukraine. Oxford University Press. ↑

  26. () Kortunov, A. (2022). Russia’s pivot under sanctions pressure. ↑

  27. () Hanna Notte: Russia in the Middle East After Ukraine. 2023 ↑

  28. محمود الحمزة. العلاقات بين روسيا وايران هل هي استراتيجية أم تكتيكية؟ ورشة عمل حول العلاقات الروسية الإيرانية. مركز الدراسات الإيرانية في أنقرة (IRAM) انقرة- 7 أكتوبر 2017. ↑

  29. () Katz, M. (2023). Russia and the Middle East after Ukraine. ↑

  30. () Zhiznin, S. Z. (2019). Energy diplomacy in the contemporary world: Less economy, more geopolitics. Vestnik RUDN. International Relations, 19 (3), 472–479. ↑

  31. () Tsygankov, A. (2016). Russia’s Foreign Policy. Rowman & Littlefield. ↑

  32. () Primakov, E. (2009). Russia and the Arabs. Moscow. ↑

  33. () Mearsheimer, J. (2014). “Why the Ukraine Crisis Is the West’s Fault”. Foreign Affairs. ↑

  34. () Mearsheimer, J. (2022). The Causes and Consequences of the Ukraine War. University of Chicago. ↑

  35. () Gvosdev, N. (2023). Russia’s global strategy in a multipolar world. ↑

  36. () Trenin, D. (2018). What Is Russia Up to in the Middle East? Polity Press (Moscow). ↑

  37. () Legvold, R. (2007). Russian Foreign Policy in the 21st Century. Columbia University Press. ↑

  38. () Naumkin, V. (2015). Russia and the Islamic World. Moscow Institute of Oriental Studies. ↑

  39. سيرغي كاراغانوف (2021). Россия в меняющемся мировом порядке. Moscow: RIA Novosti. روسيا في نظام عالمي متغير. ↑

  40. () Mikhail Polianskii. Russian Foreign Policy Research and War in Ukraine Old Answers to New Questions? Department of International Institutions, Peace Research Institute Frankfurt (PRIF), Frankfurt am Main, Germany. ↑

  41. )) أهمية البحر الأسود للأمن الأوروبي- معهد الاقتصاد الحربي العالمي والاستراتيجية.

    https://iwmes.hse.ru/news/1063409172.html ↑

  42. )) أهمية البحر الأسود للأمن الأوروبي- معهد الاقتصاد الحربي العالمي والاستراتيجية.

    https://iwmes.hse.ru/news/1063409172.html ↑

  43. )) شنت أوكرانيا هجمات واسعة النطاق بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت نفطية روسية حيوية في بحر البلطيق، أبرزها ميناءا بريمورسك و"أوست-لوغا"، مما تسبب في حرائق ضخمة وتعليق مؤقت لعمليات التحميل، وذلك في مارس 2026 بهدف ضرب اقتصاد الحرب الروسي. ↑

  44. )) سميرنوف بافل - انضمام فنلندا والسويد إلى حلف شمال الأطلسي: الآثار الجيوسياسية على موقع روسيا في منطقة البلطيق- مجلة منطقة البلطيق- https://balticregion. kantiana.ru/jour/5426/44931/ ↑

  45. )) تيخونوف سيرغي- هل يستطيع الاتحاد الأوروبي إغلاق البلطيق أمام النفط الروسي- روسيسكايا غازيتا.

    https://rg.ru/2026/02/24/ne-zacepitsia-za-prolivy.html?utm_referrer=https%3A%2F%2Fwww.google.com%2F ↑

  46. )) أرباتوفا ناديجدا، دكتور علوم سياسية- حدة التوتر تتصاعد في البلطيق-هل ستصبح المنطقة ساحة للمواجهة القادمة؟ - صحيفة نيزافيسيمايا غازيتا-

    https://www.ng. ru/dipkurer/2025-06-01/9_9264_escalation.html ↑

  47. )) طريق بحر الشمال: الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية ضمن الظروف الراهنة- مؤسسة "روس كونغرس"-

    https://roscongress.org/materials/severnyy-morskoy-put-ekonomicheskoe-i-geopoliticheskoe-znachenie-v-sovremennykh-usloviyakh/?utm_referrer=https%3A%2F%2Fwww.google.com%2F ↑

  48. )) الولايات المتحدة تحاول منافسة روسيا في المنطقة القطبية- صحيفة إزفيستيا-

    https://iz.ru/1956661/2025-09-18/ssa-pytautsa-sopernicat-s-rossiei-v-arktike-cto-nuzno-znat ↑

  49. )) رومانينكو.م- الأهمية الاقتصادية لممر بحر الشمال- موقع مشكلات الاقتصاد الحديث-

    https://www.m-economy.ru/art.php?nArtId=8125 ↑

  50. )) طه عبدالواحد - شكوك بقدرة «ممر البحر الشمالي» على منافسة قناة السويس- صحيفة الشرق الأوسط-

    https://aawsat.com/home/article/1760011 ↑

  51. )) كيف ستنعكس الحرب في إيران على الوضع في منطقة قزوين- بونكت آ-إنفو-

    https://punkt-a.info/news/glavnoe/kak-otrazitsya-voyna-v-irane-na-kaspiyskom-regione ↑

  52. )) أفاد موقع الدفاع العربي بأن إسرائيل شنت هجومًا على ميناء في بحر قزوين يستخدمه كل من إيران وروسيا لنقل الأسلحة والطائرات المسيّرة والتجارة. وفقًا لصحيفة The Wall Street Journal، شنت إسرائيل هجومًا على ميناء بندر أنزلي الإيراني في بحر قزوين، الذي تستخدمه إيران وروسيا لنقل الأسلحة والطائرات المسيّرة والذخائر والنفط والقمح. ويعد هذا الهجوم الأول من نوعه في المنطقة، وقد استهدف عشرات المواقع، بما في ذلك السفن وحوض بناء السفن ومركز قيادة وجزء من البنية التحتية للميناء، وفقًا للجيش الإسرائيلي والمصادر المستشهد بها. وكان هذا الممر حيويًا لنقل طائرات شاهد المسيّرة، المنتجة في كلا البلدين، وكميات كبيرة من الذخائر، مع سجلات سابقة تشير إلى شحن أكثر من 300,000 قذيفة مدفعية ومليون رصاصة من إيران إلى روسيا. ويشير المحللون إلى أن هذا الهجوم قد يؤثر أيضًا على الإمدادات الغذائية في إيران، مؤكدين أن روسيا وإيران كانتا تصعّبان عملية تتبع الشحنات عبر إيقاف أجهزة الإرسال والاستقبال. ↑

  53. () Trenin, D. (2022). Russia in the new international system (Moscow). ↑

  54. () https://un-pub.eu/ojs/index.php/gjbem/article/view/9216/9954? utm_ source =chatgpt.com ↑

  55. () Mearsheimer, J. (2014). “Why the Ukraine Crisis Is the West’s Fault”. Foreign Affairs. ↑

  56. () Sakwa, R. (2015). Frontline Ukraine: Crisis in the Borderlands. I.B. Tauris. ↑

  57. () Bahadari, A. (2025). Russia‑Ukraine War and the Shift Towards Multipolarity. Journal of Social and Political Studies. ↑

  58. () Mearsheimer, J. (2014). “Why the Ukraine Crisis Is the West’s Fault”. Foreign Affairs. ↑

  59. () Trenin, D. (2022). The Ukraine Crisis and the Reshaping of the World Order. Carnegie Moscow Center. ↑

  60. )) محمود الحمزة-  الجيوبوليتيك الروسي في مجابهة ثورات الربيع العربي. نشرت في موقع مركز حرمون للدراسات المعاصرة وفي موقع سوريا. https://mustakbalsuria.com/ ↑

  61. )) بعد سقوط الأسد في 8 ديسمبر 2024 هرب ضباط النظام الى أماكن مختلفة داخل البلاد ومنها الى قسد والى السويداء، التي تقع تحت سلطة الأمر الواقع لحكمت الهجري الذي ينادي باستقلال المحافظة بدعم إسرائيلي. وبعضهم هرب الى لبنان الى حاضنة حزب الله، وهناك الألاف منهم موجودين كلاجئين في روسيا مع رئيسهم بشار الأسد وكل قادة الأجهزة الأمنية تقريبًا. ↑

  62. )) دخلت معاهدة "الشراكة الاستراتيجية الشاملة" بين روسيا وإيران حيز التنفيذ رسمياً في أكتوبر 2025، لتمتد لـ 20 عاماً، مؤسسةً مرحلة جديدة من التعاون العسكري، الاقتصادي، والسياسي لمواجهة الضغوط الغربية والعقوبات. تشمل الاتفاقية التي وقعها بوتين وبزشكيان، تعزيز الاستخبارات، والطاقة، والبنية التحتية، وتنسيقاً أمنياً. وتهدف المعاهدة إلى تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب وتجاوز العقوبات الغربية التعاون العسكري والأمني: يتضمن التعاون تبادل الاستخبارات، مكافحة الإرهاب، وصناعات دفاعية، مع تقارير تشير إلى دعم روسي لإيران بمسيرات وصور أقمار صناعية. ↑

  63. )) موقع الجزيرة نت، ومركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. ↑

  64. () https://arabic.rt.com/middle_east/1271323 ↑

  65. () https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/tzwyd-rw sya-bswarykh-300-lswrya-hy-rsalt-akthr-mnha-thdydaan ↑

  66. )) يتبنى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نهجاً ترحيبياً بالجاليات اليهودية في روسيا، حيث يحرص على لقاء قادتهم، وتهنئتهم بالأعياد، والإشادة بدورهم في تعزيز التوافق العرقي والديني. ويسعى من خلال زيارة المراكز اليهودية إلى تبديد مخاوف معاداة السامية، مؤكداً أن اليهود جزء أصيل من النسيج الاجتماعي الروسي.

    ويؤثر وجود جالية يهودية (أكثر من مليون شخص) من أصول روسية في إسرائيل على العلاقات الثنائية بشكل إيجابي. ↑

  67. )) اعترف حاخام روسيا لازار بوجود علاقات ودية جداً مع الرئيس بوتين منذ أن كان رئيساً للوزراء عام 1999، ثم تعمقت في فترة رئاسته. وأكد لازار بأن "روسيا حامية لإسرائيل". ويعرف عن الحاخام تأثيره القوي في موسكو من خلال علاقاته بالشخصيات اليهودية التي تتقلد مناصب حساسة في الدولة الروسية. وقد تفسر هذه الوقائع العلاقة القوية بين بوتين ونتنياهو ولقاءاتهم المتكررة. ويعتبر الحاخام لازار بأن حادثة الطائرة كانت خطأ غير مقصود، وأن التعاون بين اسرائيل وروسيا مستمر بكامل طاقاته. ويرى لازار بأن الجالية اليهودية في روسيا ساهمت كثيراً في تعزيز العلاقات بين اسرائيل وروسيا. وبالرغم من أن الحاخام اليهودي في روسيا لا يتدخل بالسياسة على الأقل ظاهرياً إلا أنه صرح لصحيفة اسرائيلية بأن توريد صواريخ اس-300 لسوريا خطأ لن يؤدي إلا إلى إضافة مشكلات جديدة في المنطقة". ↑

  68. )) محمود الحمزة. الرؤية الروسية لمنظومة الأمن في منطقة الخليج بين الآمال والامكانيات. بحث ألقي في مؤتمر "حول روسيا والخليج العربي". نظمه مركز ابن خلدون ومركز الخليج للدراسات - جامعة قطر في 25 فبراير 2020. ↑

  69. )) فيودور لوكيانوف- رئيس مجلس السياسة الخارجية والدفاعية في روسيا ومدير تحرير مجلة روسيا في السياسة العالمية. انظر https://globalaffairs.ru/articles/siriya-posle-asada-suhov/ ↑

  70. )) صرح الرئيس بوتين عن ذلك في اجتماع مع أعضاء الحكومة الروسية ومدراء كبريات الشركات النفطية الروسية في 9 مارس 2026. ↑

  71. () https://alqaheranews.net/news كيف تؤثر روسيا في مسار الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية؟ محمد أبو سريع. ↑

  72. )) صرح المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف بأن "الصراع ليس حرب روسيا"، مشيرًا إلى أن من بدأ الحرب يجب أن يعمل على إنهائها، في إشارة واضحة إلى واشنطن وحلفائها. وتشير التصريحات إلى تقارب بين الموقف الروسي والصيني حيال الحرب في ايران ويتلخص بالدعم الساسي والانساني والمعنوي دون التورط بالحرب. ↑

  73. )) لطالما دعت موسكو إلى إعادة توقيع اتفاقية بين ايران والدول الغربية فيما يتعلق بالبرنامج النووي وقضايا أخرى. وترتبط روسيا وايران بعلاقات واسعة في المجالات الاقتصادية والمالية (حجم التبادل التجاري بين البلدين يقارب 5 مليار دولار مع آخر 2024). وتنص الاتفاقية على تعاون في مجال الطاقة، حيث يقوم خبراء شركة "روس آتوم" الروسية بالإشراف على محطة "بوشهر" النووية الإيرانية، وهناك مشاريع واستثمارات عديدة أهمها المتعلق بتمديد خط شمال- جنوب للوصول الى الهند لفك العزلة التجارية لروسيا. كما تشهد العلاقات الثنائية تعاونا في المجال العسكري وبيع الأسلحة المتبادل من مسيرات وصواريخ إيرانية لروسيا وكذلك تزويد ايران بأنظمة دفاعية (تور-إم 1" ومنظومات صاروخية "اس -300". وتستورد إيران المروحيات والطائرات الصواريخ الروسية. وفي نوفمبر 2023، كشف مسؤول في وزارة الدفاع الإيرانية اللواء مهدي فراهي عن حصول بلاده على مروحيات مي- 28 الهجومية، ومقاتلات "سو-35"، والطائرات القتالية التدريبية "ياك-130". ولكن معاهدة الشراكة الاستراتيجية لا تشمل الدفاع المشترك كما هو الحال بين روسيا وكوريا الشمالية. ↑

  74. () Issaev, L., & Kozhanov, N. (2021). Diversifying relationships: Russian policy toward GCC. International Politics, 58, 884–902. ↑

  75. () chrome-extension://efaidnbmnnnibpcajpcglclefindmkaj/ https://www.qu.edu.qa/siteimages/static_file/qu/research/gulf%20studies/monograph%20n.6.pdf. نيكولاي كوجانوف. السياسة الخارجية الروسية تجاه قطر والمملكة العربية السعودية: ردم الفجوات مركز دراسات الخليج- جامعة قطر. ↑

  76. () Issaev, L., & Kozhanov, N. (2021). Diversifying relationships: Russian policy toward GCC. International Politics, 58, 884–902. ↑

  77. () Ulrichsen, K. (2023). Gulf states and neutrality in Ukraine war. ↑

  78. () Gulf Research Center, 2025 ↑

  79. () Zhiznin, S. Z. أسس دبلوماسية الطاقة 2017. موسكو ↑

  80. () Trenin, Dmitri. What Is Russia Up to in the Middle East? (2018). موسكو. ↑

  81. () International Journal of Comparative Politics, 2025 . ↑

  82. )) https://www.gecf.org منتدى الدول المصدرة للغاز – Exporting Countries Forum (GECF) تأسس عام 2008. وهو تجمع ذو طابع رسمي للدول المنتجة والمصدرة للغاز في ديسمبر 2008.  ويذكر أن القمة الأولى للمنتدى قد انطلقت في العاصمة القطرية الدوحة قبل نحو عامين، وفي عام 2009 تم تعيين المندوب الروسي ليونيد بوخانوفسكي أمينا عاما للمنتدى. وتشكل حصة الدول الاعضاء من الاحتياطيات المؤكدة للغاز نسبة 65%، وصادراتها حوالي 50%. ويهدف المنتدى إلى دعم وتعزيز المصالح المتبادلة ورفع مستوى التنسيق وتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، بالإضافة إلى تشجيع ودعم الحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة للغاز بهدف تحقيق التوازن المطلوب في أسواق الغاز للوصول إلى أسعار مناسبة تحقق التوازن للطرفين، والعمل على تحقيق أقصى استفادة اقتصادية من موارد الغاز الطبيعي . ويضم المنتدى 13 دولة من كبرى الدول المصدرة للغاز وتشمل الجزائر وبوليفيا ومصر وغينيا الاستوائية وإيران وليبيا وسلطنة عمان ونيجيريا وقطر وروسيا وترينداد / توباجو وفنزويلا والإمارات بالإضافة إلى النرويج وكازاخستان وهولندا كمراقبين. ↑

  83. () Kozhanov, N. (2023). Russian policy in the Gulf after 2022. ↑

  84. () https://www.aljazeera.net/news/2026/3/2 ↑

  85. )) أعلن بوتين عن ذلك عشرات المرات في خطاباته وفي مؤتمرات صحفية. ↑

  86. )) الصراع بين روسيا والغرب قديم، وخاصة بعد انتصار الثورة البلشفية عام 1917، حيث حشدت أكثر من 20 دولة غربية هجوما على الدولة السوفيتية الوليدة في عشرينيات القرن الماضي. وحدثت الحرب العالمية الثانية التي قادها هتلر ضد الاتحاد السوفيتي (1941-1945) وانتهت بدحر النازية الألمانية. ويبدو أن قوى كبرى في الغرب كانت تتمنى أن ينتصر هتلر تحطيم النظام الاشتراكي في الاتحاد السوفيتي. وبعد 1945 شهد العالم مرحلة الحرب الباردة وهي صراع غير مسلح اتسم بسباق التسلح وتوسيع النفوذ في العالم أيديولوجيا واقتصاديا وسياسيا. وفي اطار الصراع السوفيتي الغربي قام الاتحاد السوفيتي في عام 1979 بالتدخل العسكري في أفغانستان واستمر 10 سنوات، ثم انسحبت القوات السوفيتية بدون أي نتائج إيجابية. وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991 -الذي كان دولة عظمى بكل المقاييس، تحولت روسيا إلى دولة فاشلة، ووقعت تحت التأثير الغربي الشامل، وصنفت فترة التسعينات (1991-2000) على أنها من أسوأ الفترات في تاريخ روسيا. فقد انهارت البنية الاقتصادية والسياسية والمجتمعية، وكادت روسيا أن تتفتت إلى دويلات صغيرة على أساس عرقي او ديني، وبلغت نسبة التضخم أكثر من 2000%. وفي التسعينات تراجعت العلاقات بين روسيا والعالم العربي والإسلامي وازدهرت مع الغرب وإسرائيل. لكن مع مجيء بوتين الى الرئاسة عام 2000 استطاع أن يحافظ على وحدة البلاد وانهاء المافيات التي انتشــرت في البلاد، وبدأ بتعزيز الدولة عسكريا واقتصاديا وسياسيا. ومن هنا بدأ الصراع من جديد مع الغرب لتباين الأهداف والمصالح ولكون روسيا أصلا تمتلك قدرات اقتصادية وعسكرية ودبلوماسية وجيوسياسية تمكنها من مجابهة الغرب. مع بقاء العديد من المشاكل المرتبطة بهيمنة واسعة للاوليغارشية الروسية وميول روسي إلى توسيع النفوذ جغرافيا وجيوسياسيا باستخدام الأدوات الاقتصادية والعسكرية وكذلك القوة الناعمة. ↑

  87. )) علمت من الصديق البروفيسور إكمال الدين إحسان أوغلو شخصياً الذي كان أمينا عاما لمنظمة التعاون الإسلامي، بأنه كانت معارضة كبيرة لإعطاء روسيا صفة مراقب في المنظمة خلال مؤتمر الوزراء في جدة عام 2005، ولكن الأمين العام بذل قصارى جهده بإقناع المعارضين للموافقة على قرار منح صفة مراقب لروسيا، كون أكثر من 10% من سكانها هم من المسلمين. ↑

  88. () Kozhanov, N. (2018). Russian Policy Across the Middle East. Oxford University Press. ↑

DOCX